د. أمينة أبوشهاب

كانوا يهرولون نحو بيوتهم المهدمة لا بقوة أرجلهم وأجسامهم، ولكن بطاقة فرحهم وحبهم للحياة، وما سجلوه من صمود أسطوري. ولم تكن العين لتخطئ إرادتهم لإعادة بناء مساكنهم التي نصبوا الخيام بجوارها. تلك الإرادة الجبارة كفيلة بأن تتجاوز أعينهم الدمار الكلي من حولهم.
مؤخراً وصف جاريد كوشنر ذلك الدمار بأنه يشبه فعل قنبلة نووية. هي قنبلة الكراهية النووية التي أحدثت كل ذلك الدمار، ولها معادل يقابلها وهو إرادة الحياة، ومقاومة فعل تكنولوجيا الموت التي مسحت كل أثر للحياة على أرض غزة، وذلك هو الفرق بين ثقافة توجّت نفسها بأفعال الإبادة وأخرى تمجد الحياة بعد أن لم يرهبها الموت. لا توجد حتى الآن تكنولوجيا قاضية على الإرادات، وبما أن إسرائيل تعرف ذلك وتعرف أن الفلسطينيين يقاومون بزغاريد الفرح وأناشيده ورقصاته كان شرطاً ملزماً في الاتفاقية ألا يُظهر الفلسطينيون فرحهم (بينما كانت تل أبيب تحتفل).
شرط غريب بالفعل تحتكر فيه إسرائيل الفرح لنفسها وتفرض على الفلسطينيين جبراً دور الضحية المنكسرة المهزومة. ولكن وسائل التواصل الاجتماعي امتلأت بمقاطع عن مساحات الدمار وتحولها إلى مكان للاحتفالات حيث دارت صواني البقلاوة معبّرة عن لحظة المقاومة بالابتهاج ورقص الدبكة. فلا حيلة بيد إسرائيل إذن أمام أرواح لا تنكسر.
تباكى كوشنر على الفلسطينيين لنصبهم الخيام أمام بيوتهم المهدمة ولم يشاهد بالقطع مقطعاً لطفل غزي نحيل يتكلم بلهجة رجل مثل كثير من أطفال غزة قائلاً إنه «سيبني بيته».
وبكرامة عالية طلب مساعدة من أراد المساهمة في «بناء بيتي». الطفل وعائلته لن ينتظروا الإعمار الدولي ومثلهم العديد والعديد من الغزيين ينصبون أعمدة ويبنون بيوتاً من جديد.
أما عن السلام القادم لغزة فإنه يخبر عن نفسه باستمرار نصب عداد الموت. القاعدة في المنطق أن المقدمات تخبر عن النتائج. المقدمات هي حرب الإبادة، أما النتائج فلا يمكن إلا أن تتبعها بشكل أو بآخر، حتى وإن كان اسم المرحلة الحالية هي فترة عدم إطلاق النار. الإبادة هي استراتيجية أكثر من أي شيء آخر. وما يتكشف الآن بوضوح تام هو أن الإسرائيليين كشعب يقفون مؤيدين لها. الإبادة لا تؤذي شعورهم ولا يدينونها.
يؤكد المحلل الإسرائيلي أوري غولدبيرغ ذلك ويقول إن هذا الموقف لم يشهده أي مجتمع إنساني، وحتى الألمان لم يذهبوا بعيداً هكذا في تأييدهم للقتل الجماعي والإبادة. وتكتمل صورة السيكولوجيا الجماعية المساندة للإبادة بانقلاب موقف ذوي الرهائن بعد إطلاقهم وتحولهم لتأييد الحرب. وسوف تزداد هذه السيكولوجيا الجماعية عنفاً وتطرفاً وطلباً للحرب الكاملة مع اقتراب موعد الانتخابات ومزايداتها بين الأحزاب الصهيونية.
اسم المرحلة هو وقف إطلاق النار، لكن لا يزال الغزيون تحت خط الجوع أو التجويع وما زالوا في صورة من تنتهك كرامتهم الإنسانية من خلال طوابير الأطفال الذين يحملون الآنية والقدور كي يبقوا دون الاكتفاء من الطعام والشراب. عدوهم لا يريد أن يفلتهم من وضع المهانة والدونية واللا آدمية (في نظره لا في نظرهم هم). وبقدر ما يعرف توق أهل غزة إلى الحياة الطبيعية الكريمة ويعرف إرادتهم في البقاء والبناء، فإنه لا يزال يمنع عنهم كل وسائل الحياة، وكأنه يبيت بالإبقاء على حالة الحرمان شيئاً ما جديداً.
حقيقة أن وقف إطلاق النار هو مجرد تكتيك تستمر فيه المجازر تكشفه خدعة «الخطوط الصفر» التي أعلن مؤخراً عن إضافتها كقيد يحد من حركة الغزيين والتي يعني الاقتراب منها الموت المحتم. هذه الخطوط لا يعرف الفلسطينيون موقعها على الأرض وبذريعة تجاوزها استشهد أحد عشر فرداً من عائلة أبوشعبان، عند عودتهم إلى منزلهم. هنا خلف هذه الخطوط يذكّر الجيش الصهيوني بنفسه وبأنه كامن استعداداً لانقضاض قريب على غزة تحت أي من الذرائع التي سهّل بها على نفسه العودة للحرب، حرب الإبادة بكامل طاقتها.
لغة الحرب الفعلية والكلامية هي المشهد الذي لم يتغير. والحياة الفلسطينية إلى تلك الدرجة من الرخص والاستهانة بها لدى القوى الدولية التي لا تحرك ساكناً، بحيث يستشهد أكثر من مئة فلسطيني في غضون أيام قليلة وفي وقت إطلاق النار. أما الجثث الاسرائيلية الثمانية عشر الضائعة فهي تساوي التهديد بإعادة تشغيل آليات الإبادة من جديد وعلى أوسع نطاق. منطق التطهير العرقي ومنطق الإبادة العنصرية الذي يؤيده الجمهور هو القائم.

[email protected]