د. إدريس لكريني

مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التوصل إلى هدنة في غزة، بعد سنتين من الجرائم الإسرائيلية المرتكبة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبعد عدة شهور من المشاورات والمفاوضات، يتجدّد طرح الأسئلة بشأن المستقبل الفلسطيني، وحول ما إذا كانت سلطات الاحتلال ستحترم بنود هذا الاتفاق أم ستخرقها كما عادتها، وحول جدية الولايات المتحدة في الضغط بشكل فعلي على إسرائيل لإرغامها على وقف عملياتها العدوانية وجرائمها الخطيرة، والتزامها بمقتضيات الاتفاق بشكل كامل.
لا شك في أن هذا الإعلان يمثل في حد ذاته منجزاً مهماً، حيث قابله الفلسطينيون بالترحيب، بالنظر إلى الكلفة البشرية والاقتصادية والبيئية التي خلفها العدوان.
لكن صور عودة الفلسطينيين إلى القطاع ضمن طوابير طويلة وفي ظروف تغيب فيها أبسط الشروط الإنسانية والتي تذكر بصوّر من الحربين العالميتين الأولى والثانية، تحيل إلى أن ثمة معركة جديدة سيباشرها الفلسطينيون بعد العودة لمنازلهم المدمرة وممتلكاتهم التي ضاعت وسط الركام، وهي معركة مواجهة ظروف الحياة، والسعي للبناء وإعادة الإعمار، وهي محطات لا تخلو من تحديات وصعوبات، تقتضي استحضار المصالح العليا للفلسطينيين، ودعماً متواصلاً من قبل الدول العربية والإسلامية.
ومع ذلك، ورغم قساوة المشهد، فقد أتاحت هذه المحطة عودة القضية الفلسطينية إلى واجهة الأحداث الدولية بقوة، حيث تسابقت مجمل القنوات الإعلامية الدولية في نقل صور وأحداث هذه المعاناة، فيما اندلعت الكثير من التظاهرات عبر العالم، مطالبة بوقف الحرب، وضمان حقوق الشعب الفلسطيني، كما تزايد عدد الدول التي اعترفت باستقلال الدولة الفلسطينية، وهو ما يشكل دعماً للمطالب الفلسطينية والإقليمية نحو إرساء حلّ الدولتين.
أما سلطات إسرائيل التي ارتكبت جرائم خطيرة داخل القطاع، فوجدت نفسها معزولة على المستويين الإقليمي والدولي، في خضم بلاغات الرفض والإدانة لعملياتها العدوانية، ولذلك انصاعت للضغوط الأمريكية في هذا الخصوص.
نجح ترامب في لمّ عدد من الزعماء العرب وعلى المستوى الدولي في إطار سعيه، لضمان صدقية لهذه الهدنة وإعطائها طابعاً من المصداقية، لكن الأمر يظل مرتبطاً بمدى احترام الطرف الإسرائيلي لالتزاماته في هذا الخصوص، وبالعمل على توفير أجواء ميدانية قوامها حسن النية في سياق وضع حد للمعاناة الفلسطينية التي وصلت حداً كبيراً من الخطورة.
لا شك في أن إعلان الهدنة في هذه الأجواء وبهذا الشكل، يمثل مكسباً مهماً سمح بوقف الجرائم اليومية التي ظلت ترتكبها سلطات الاحتلال على امتداد أكثر من عامين، وبريق أمل يستجيب للنداءات الدولية والإقليمية المتزايدة بوقف الحرب وإعطاء فرصة لإرساء السلام.
لكن الرهان الأكبر يتصل في جزء كبير منه بالمستقبل، فالنصر الذي يروج له ترامب بنجاحه في وضع حد لهذا العدوان وعلى أهميته، لا يمكن أن يكتمل من دون البحث إرساء ضمانات كفيلة بعدم تنكر السلطات الإسرائيلية كعادتها لالتزاماتها التي شهدت عليها الكثير من الدول، بما يضمن وصول المساعدات بشكل ميسر للمتضررين وإعادة إعمار قطاع غزة المنكوب، كما لا يمكن أن يتأتى من دون الانكباب أيضاً على المناقشة الجدية لحل الدولتين، والذي يجسد الحل الأمثل لإرساء سلام مستدام بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، ولوقف متاهات الصراع والحروب في المنطقة.
وعلى المستوى الدولي، باتت هناك قناعة حقيقية بأن هذا الصراع له كلفة خطيرة على السلم والأمن الدوليين، حيث تصاعدت حدة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، والدعوة إلى إرساء حل الدولتين، الذي سبق وشكّل محط دعوات عربية، انسجاماً مع قرار مجلس الأمن رقم 242 الصادر بعد حرب 1967 وضم إسرائيل لعدد من الأراضي الفلسطينية.
إن الظرفية الراهنة التي يمر بها الفلسطينيون بإشكالاتها وفرصها، تتطلب توخي قدر كبير من اليقظة، وتوحيد الصف باتجاه استثمار الدينامية التي شهدتها القضية عبر العالم، في إطار كسب مزيد من الدعم والاعتراف بالدولة الفلسطينية.
الأمر لا يخلو من تحديات وصعوبات، تتعلق بغموض بعض بنود الاتفاق، وموقف اليمين الإسرائيلي الذي يرى في الاعتراف بالدولة الفلسطينية تهديداً للأمن الإسرائيلي، ناهيك عن إمكانية خرقه من قبل سلطات الاحتلال، ما قد يتحوّل معه هذا الاتفاق الذي سعى ترامب للترويج له كإنجاز دبلوماسي كبير إلى مجرد هدنة هشة بلا أفق حقيقي بالنسبة للفلسطينيين.

[email protected]