في عام 2003 قامت الولايات المتحدة وبريطانيا بغزو العراق تحت ذريعة امتلاكه أسلحة دمار شامل، رغم أن كل تقارير المفتشين الدوليين أكدت عدم امتلاكه لمثل هذه الأسلحة.
يبدو أن السيناريو يتكرر الآن مع فنزويلا، ولكن هذه المرة تحت ذريعة الحرب على إرهاب المخدرات، رغم أن التقارير الدولية تؤكد أن حجم المخدرات الذي يصل إلى الولايات المتحدة من فنزويلا لا يتجاوز الثلاثة بالمئة، والباقي مصدره دول أخرى في أمريكا الجنوبية.
بعد فضيحة الأسباب الملفقة لغزو العراق، ادعت الولايات المتحدة أن الغزو هدفه تحرير العراق من نظام الرئيس صدام حسين وتحقيق «الديمقراطية والحرية» فيه، فماذا كانت النتيجة؟ تفشي الإرهاب واندلاع حرب أهلية وانقسامات دينية ومذهبية، ونظام يقوم على المحاصصة الطائفية.
من الواضح أن فنزويلا باتت في الأسابيع الأخيرة هدفاً أمريكياً، وأن النظام فيها أصبح في مرمى المخابرات الأمريكية التي منحها الرئيس دونالد ترامب حرية العمل السري داخل فنزويلا، مع حشد عسكري واسع يتمثل في نشر مدمرات وطائرات على سواحلها، آخرها إرسال قاذفات من طراز «بي-1» قرب فنزويلا.
الرئيس الأمريكي لم يستبعد، قيام الولايات المتحدة «بتحرك عسكري بري ضد فنزويلا»، فيما وجه الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو نداء باللغة الإنجليزية إلى الولايات المتحدة قال فيه: «نعم للسلام، نعم للسلام إلى الأبد..لا لحرب مجنونة.. أرجوكم».
الولايات المتحدة مصّرة على ما يبدو على تصعيد المعركة في إطار ما تسميه جهود مكافحة المخدرات، رغم عدم تقديمها أدلة على أن الأهداف التي ضربتها حتى الآن، وتشمل ثمانية قوارب في البحر الكاريبي، تزعم أنها تعود لعصابات تهريب مخدرات فنزويليين، قتل فيها نحو 40 شخصاً معظمهم من المدنيين والصيادين.
كراكاس تنفي كل ما أوردته واشنطن بهذا الخصوص، وتؤكد أن مزاعم تهريب المخدرات من أراضيها كاذبة، وأن الهدف هو الإطاحة بالرئيس مادورو الذي أمر بإجراء تدريبات عسكرية في جميع أنحاء البلاد، وقال في تسجيل صوتي: «الآن استكملنا التدريبات»، حيث تم نشر ملايين المسلحين المدربين على طول السواحل الفنزويلية لصد أي هجوم بري أمريكي محتمل، كما أعلن مادورو أن بلاده تمتلك خمسة الآف صاروخ مضاد للطائرات روسي الصنع من طراز «إيغلا - إس» للتصدي للتهديدات العسكرية الأمريكية.
لكن السؤال، هل هذا التصعيد هدفه الحرب على المخدرات فعلاً؟
هناك شبه إجماع لدى المحللين والمراقبين بأن المخدرات هي مجرد ستار للهدف الحقيقي وهو النفط، مثلما كانت أسلحة الدمار الشامل مجرد ستار للغزو الأمريكي للعراق. ذلك أن فنزويلا تمتلك أكبر احتياطات نفط مؤكدة في العالم، وتقدر بنحو 300 مليار برميل، لكن إنتاجها تراجع من 3 ملايين برميل يومياً إلى نحو 400 ألف برميل يومياً فقط، بسبب العقوبات الأمريكية، ومعظم النفط الفنزويلي تشتريه الصين.
ولأن فنزويلا تبيع معظم نفطها للصين، وحصلت على استثمارات صينية ضخمة في قطاع الطاقة، ولأن فنزويلا عززت تعاونها العسكري مع روسيا، فإن إدارة الرئيس ترامب ترى أن هذا التوجه يتعارض بالمطلق مع سياستها المعلنة ضد التوسع الصيني في «مجالها الحيوي»، بما يهدد مصالحها. إضافة إلى أن النفط الفنزويلي يمثل بالنسبة للولايات المتحدة ثروة لا تقدر بثمن، وإن التخلص من نظام مادورو بات ضرورياً على ما يبدو. لكن هل تنجح هذه المرة، أم نشهد تكراراً «لخليج الخنازير»؟