يؤشر توافق الفصائل الفلسطينية، بعد اجتماعها في القاهرة، على لجنة من المستقلين (التكنوقراط) لإدارة شؤون قطاع غزة بعد الحرب الإسرائيلية، إلى توجه واعد لإصلاح البيت الفلسطيني وقطع للذرائع أمام إسرائيل ومخططاتها العدوانية، كما تتطابق جزئياً مع الرؤية العربية، المدعومة دولياً، لإنهاء الحرب في غزة وإعادة إعمارها وفتح أفق سياسي جديد للقضية الفلسطينية.
التوافق المعلن عنه ما زال مجرد فكرة وحبراً على ورق، وقد يتطلب بعض الوقت للانتهاء من صياغته التفصيلية وتجاوز بعض الخلافات العالقة، لا سيما بين حركتي «فتح» و«حماس»، أما تطبيقه على الميدان فيتطلب جهوداً كبيرة وتنسيقاً مسبقاً حتى لا يصطدم مع الخطط الأخرى، ومنها خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من توصيات بإنشاء قوة دولية تدور حولها بعض الشوائب، و«مجلس للسلام»، والذي لم تتضح معالمه ولا أهدافه تماماً، وهو ما يترك كثيراً من الأسئلة بلا إجابات، في ضوء تحركات مريبة منها الأنباء المسربة عن توافق أمريكي إسرائيلي على إنشاء قوة دولية تتولى نزع سلاح «حماس» وتدمير معسكراتها وأنفاقها، إضافة إلى العمل على إقصاء وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» عن لعب أي دور إنساني في القطاع المدمر، وهو مطلب سابق لإسرائيل وواحد من أهداف حربها الغاشمة على غزة بإنهاء أي وجود للوكالات والمنظمات الأممية في سائر الأراضي الفلسطينية المحتلة.
صحيح أن العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة قد توقف ما عدا بعض الخروقات اليومية، لكن المعركة محتدمة الآن حول ما يسمى «اليوم التالي»، وهي لا تقل قسوة عما مضى لأنها تتعلق بمستقبل غزة ومشروع الدولة الفلسطينية، الذي يجد دعماً وتعاطفاً دوليين غير مسبوقين. لذلك يجب على النخب الفلسطينية، لا سيما المنتسبين إلى الفصائل المختلفة، أن تتحد على كلمة سواء، وأن تكون في مستوى هذه اللحظة التاريخية الفارقة، وأن تستثمر النتائج التي تحققت بدماء عشرات الآلاف من الضحايا خلال عامين من الحرب الهمجية على قطاع غزة، وأعادت زرع القضية الفلسطينية في صميم الضمير الإنساني ووعي المجتمع الدولي، وهذه مكاسب لم تكن متوقعة، ولكن شاءت الأقدار أن تأتي، وأن تدشن مساراً جديداً سينتهي بإقامة الدولة الفلسطينية، إن تم التعامل مع هذا العهد بمسؤولية وحكمة وبعد نظر يضع مصلحة الوطن فوق كل الاعتبارات الفصائلية.
المعركة اليوم تدور حول «اليوم التالي» في غزة، ومعها بدأت تتكشف بعض التفاصيل الخطرة، مثل ما يروج عن فكرة أمريكية تخدم المصالح الإسرائيلية وهي تقسيم القطاع، غير القابل للقسمة أصلاً، بين مناطق تحت سيطرة إسرائيل تحظى بالإغاثة والإعمار و«بلا أنفاق أو صواريخ» شرقي «الخط الأصفر»، وأخرى غربي ذلك الخط، تخضع لسيطرة «حماس» وتظل مدمرة وغير قابلة للحياة، وهذه الفكرة ومرادفاتها كثيرة، وتمثل ثغرة يمكن عبرها تجديد الحرب وتثبيت الاحتلال الإسرائيلي، وقطع الطريق أمام مشاريع إعادة الإعمار وإجهاض مشروع الدولة الفلسطينية وإهدار كل الزخم العالمي المتنامي حول هذه القضية العادلة.
إنها لحظة فارقة، وعلى النخب الفلسطينية أن تكون يقظة ومتنبهة، ولا خيار غير توحيد الصف والكلمة والعمل يداً واحدة في وجه عدو خبيث ومناخ إقليمي ودولي شديد التقلب وسريع النسيان أيضاً.
التوافق الفلسطيني ضرورة تاريخية
26 أكتوبر 2025 00:06 صباحًا
|
آخر تحديث:
26 أكتوبر 00:06 2025
شارك