إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلغاء الضربات الجوية على إيران بعد أن تبلورت لديه ملامح إتمام صفقة إنهاء الحرب أو اتفاق تاريخي كما قال، يمكن أن يسمح للمنطقة أن تتنفس من عناء أزمة خانقة ألمّت بها أكثر من ثلاثة أشهر، وأربكت العالم وشلّت قطاعات حيوية وأوشكت أن تودي بالجميع في مأزق سحيق.
ما صدر عن ترامب قد يشكّل بالفعل نقطة تحول جيوسياسية كبرى في الشرق الأوسط، ستنقل المنطقة من حافة مواجهة عسكرية شاملة إلى مسار تسوية دبلوماسية مفاجئة. والفيصل الحقيقي في ترجمة هذا الإعلان إلى واقع مستدام يكمن في صدق النوايا ومستوى الالتزام الفعلي من كافة الأطراف، وسرعة تطبيق الاتفاقيات على الأرض، والسماح لشعوب المنطقة أن تعيش بأمن وسلام. وإذا أمكن للاتفاق أن يرى النور خلال أيام، فإن الشرق الأوسط سيتجه نحو صياغة مشهد إقليمي جديد تماماً، ينهي عقوداً من الحروب بالوكالة والصراعات المستمرة، ويفتح الباب أمام حقبة غير مسبوقة من البناء والتنمية والازدهار تعود بالنفع على جميع الأطراف.
دول الخليج العربية، التي وجدت نفسها في أتون هذا الصراع من دون أن تكون طرفاً فيه، تحلّت بالصبر والحكمة ونظرت إلى أبعد من الواقع القائم، وحرصت على ضرورة الحوار والمسارات الدبلوماسية، رغم ما تعرضت له من أذى واعتداءات من الجار الإيراني، وآخرها الهجمات العدوانية التي طالت خلال اليومين الماضيين البحرين والكويت والأردن. ورغم احتفاظها بحق الدفاع عن النفس، فإنها على قناعة بأن مثل هذه الاعتداءات لن تساعد على حل المشكلة. ومع بدء الرهان على مرحلة جديدة، إذا ما صدقت النوايا مرة أخرى، فإن دول المنطقة العربية مطالبة ببلورة استراتيجية موحدة لحماية أمنها القومي، وألا تسمح بأن تعقد أي صفقات على حساب مصالحها الاستراتيجية، لاسيما أن المتفاوضين في هذه الأزمة لا يكشفون كل أورارقهم ونواياهم سواء في العمليات الحربية أو المسار التفاوضي.
إنها تجربة مؤلمة مرت بها المنطقة، والأمل سيظل معقوداً على أن تكون الدروس المستفادة من هذه الأزمة تؤسس لواقع مختلف عما سبق وما بعد هذه الحرب لا يجب أن يكون كما قبلها.
ومن هذا المنطلق، فإن منطق المصلحة الوطنية والإقليمية لا يجب أن يسمح بأن يظل الإقليم مسرحاً للمغامرات المفلسة، والمراوحة الرخيصة بين استعراض القوة العسكرية وادّعاء التمسك بالدبلوماسية.
وإذا كان الصراع بين الولايات المتحدة وإيران لم يكن لينتهي بنصر عسكري حاسم لكلا الطرفين، وإنما بحل سياسي عبر الحوار، فإن الحفاظ على أي اتفاق مستدام يفرض أن يكون الطرف العربي، والخليجي أساساً، شريكاً رئيسياً وأصيلاً في أي طاولة مفاوضات مقبلة، ودون ذلك فإن من حقها ألا تكون ملزمة بأي تفاهمات ثنائية قد تتم خلف الكواليس على حساب أمن المنطقة ومستقبل شعوبها وازدهارها الاقتصادي ودورها المحوري في سوق الطاقة العالمي.