بعد مرور 6 عقود على رحيل ونستون تشرشل، يعود بطل بريطانيا القومي، ووجهها المشرق، وقائد النصر في الحرب العالمية الثانية، إلى الواجهة مجدداً إذ كشفت وثائق سرية أن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سي آي آيه) سعت لتجنيد رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، لبث برامج عبر إذاعة ليبرتي خلال خمسينات القرن الماضي، لضرب الاتحاد السوفيتي في مقتل عن طريق زعزعة استقراره ضمن جهود الحرب الباردة.
ووفقاً للوثائق التي نشرتها صحيفة التلغراف البريطانية، السبت، كان الهدف من عملية التجنيد أن يقدّم تشرشل سجلاً إذاعياً أو ظهوراً علنياً لدعم الموقف الغربي في مواجهة موسكو، كجزء من حملات دعاية نفسية عبر حدود الستار الحديدي.
وبحسب التقارير، فإن المحطة التي تمولها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، استهدفت في ذروة الحرب الباردة الاتحاد السوفييتي بالدعاية، بينما ركزت إذاعة أوروبا الحرة، التابعة لها، على حلفاء موسكو، وكانت كلتا الشبكتين خاضعتين لسيطرة وتمويل سري من قبل وكالة المخابرات الأمريكية حتى عام 1972، ثم اندمجتا لاحقاً في إذاعة أوروبا الحرة/إذاعة ليبرتي عام 1976.
استغلال الانقسامات
تشير الوثائق التي رُفعت عنها السرية مؤخراً من وكالة الاستخبارات المركزية، إلى أنه في عام 1958، أراد المسؤولون عن إذاعة ليبرتي الاستفادة من موجة «المراجعة» المنتشرة في الاتحاد السوفييتي، مستغلين الانقسامات الأيديولوجية الناشئة داخل الماركسية اللينينية لتقويض الحكومة. بهدف استخدام «المفكرين» الذين عارضوا وحدة الكتلة السوفييتية لصالح تقسيم الدول الشيوعية.
ووفقاً للوثائق، كان للحملة الدعائية ثلاثة أهداف رئيسية، جميعها تستغل مناسبة وفاة ماركس لإثارة الجدل داخل الفكر اليساري السوفييتي، وهي: تشجيع التفكير الرافض للشيوعية من خلال إظهار أن الماركسية خارج الاتحاد السوفييتي ليست عقيدة جامدة تتجاهل التطورات الاجتماعية والاقتصادية الحديثة. وتقويض الثقة في الماركسية عبر الإيحاء بأن أسسها النظرية وتنبؤاتها التاريخية خاطئة. وإثبات أن المستقبل لا ينتمي للفكرة الشيوعية ولا لبنية الدولة السوفييتية.
هل قبل تشرشل؟
كان تشرشل، الذي كان يبلغ من العمر آنذاك 83 عاماً، متقاعداً من العمل السياسي المباشر، من بين العديد من الشخصيات البارزة التي طُلب منها بثّ برامج دعائية، ورغم موقفه الراسخ المناهض للشيوعية - المعروف بخطابه «الستار الحديدي» عام 1946 في ولاية ميسوري الأمريكي والذي أشعل الحرب الباردة - لا يوجد دليل على قبوله دعوة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية.
وأفادت صحيفة التلغراف أن تشرشل رفض عرضاً عام 1958 لزيارة واشنطن لأسباب صحية، رغم معرفته الشخصية بمدير الوكالة آنذاك ألين دالاس، وجون فوستر دالاس، وزير الخارجية الأمريكي، وقد التُقطت له صور معهما في واشنطن ولندن في أكثر من مناسبة.
وجدير بالذكر أن إذاعة أوروبا الحرة/راديو ليبرتي استمرت في تلقي التمويل من واشنطن عبر الوكالة الأمريكية للإعلام العالمي (USAGM) حتى التخفيضات الأخيرة في الميزانية في عهد إدارة ترامب.
وفي خطوة لخفض الإنفاق الحكومي، أعلنت الوكالة الشهر الماضي أنها ستسرّح أكثر من 500 موظف، بعد مئات عمليات التسريح التي شهدتها الأشهر السابقة.
تشرشل السياسي
حياة تشرشل كلها سياسة بامتياز، وقد ظل يتنقل بين المناصب الحكومية السياسية والمقاعد البرلمانية، ونال عضوية البرلمان البريطاني مرات عديدة، كانت أولاها عام 1900 حين أصبح عضواً في البرلمان عن حزب المحافظين عن دائرة أولدهام بمانشستر.
ولم يلبث أن سخط على المحافظين فانضم إلى حزب الأحرار عام 1904 وانتخب من جديد في البرلمان في الانتخابات التي فاز فيها الأحرار عام 1905، عاد إليه بعد ذلك في أكثر من انتخابات عامة وفرعية.
وقد طغت شخصية تشرشل السياسية على شخصيته الفكرية والثقافية، فقد كان كاتباً، وسطر قلمه السيال فصولاً ومجلدات، وثّقت تجارب شخصيته التي تكاد تكون استثناء في التاريخ المعاصر، ورفدت العالم بمخزون ثقافي وسياسي وإنساني وفكري ثر.
وألف العديد من الكتب، ضمنها مشاهداته وتجاربه وأفكاره، من أهمها: قصة قوات سهل مالاكاندا، وقصة اللورد راندولف تشرشل، ورحلتي الإفريقية، وأفكار ومغامرات، والحرب العالمية الثانية، ومعاصرون عظماء.
وحصل على لقب «سير» وعلى جائزة نوبل للآداب، وعلى المواطنة الفخرية بالولايات المتحدة الأمريكية، واختير عام 2002 واحداً من أعظم مئة شخصية بريطانية في استطلاع نظمته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي).
توفي ونستون تشرشل في الرابع والعشرين من يناير/كانون الثاني 1965.