مما لا شك فيه أن القراءة الرقمية أصبحت جزءاً من الحياة اليومية في العالم الغربي، فيما لا يزال العالم العربي يسعى إلى تثبيت أقدامه في هذا الحقل المتنامي والمتسارع، الذي تتقاطع فيه التكنولوجيا مع الثقافة لتشكل ملامح جديدة للكتاب، لكن هذا التحول لا يتحقق بالسرعة نفسها في العالم العربي، فما الذي يعوق اكتمال تجربة الكتاب الإلكتروني العربي؟، وأين تقع مسؤولية المؤسسات والناشر والقارئ في صناعة اقتصاد معرفي رقمي مستدام؟، وكيف استطاعت دول كثيرة تطوير تجربة القراءة الرقمية فيما بقي العالم العربي متأخراً؟.

هذه الأسئلة تتكرر كلما رأينا كيف أن القارئ الغربي يتنقل بين صفحات كتبه الإلكترونية على جهازه اللوحي، بينما لا يزال القارئ العربي متشبثاً بدفء الورق ومتحفظاً تجاه فكرة أن يعيش الكتاب خارج غلافه المطبوع.

فمنذ مطلع الألفية، انقلبت موازين النشر عالمياً مع الثورة الرقمية، إذ بات القارئ قادراً على حمل مكتبته كلها في هاتفه، غير أن هذا التحول لم يكتمل بصورة ناضجة عربياً، وبقيت تجربة الكتاب الإلكتروني متعثرة، من دون رواج حقيقي وملموس.

واقع

نشأت ظاهرة الكتاب الإلكتروني من الرغبة في إتاحة المعرفة بلا قيود مادية، لكنها اصطدمت في العالم العربي بواقع مركب من النقص التكنولوجي، والضعف التشريعي، والطبيعة الثقافية والاستهلاكية، ووفق تقرير «الجمعية العالمية لنظام الاتصالات المتنقلة» (GSMA)، يستخدم نحو نصف سكان العالم العربي الإنترنت عبر الهواتف المحمولة، بينما يبقى النصف الآخر خارج المشهد الرقمي رغم توافر البنية التقنية، والأهم أن أغلب الاستخدامات الرقمية تتجه إلى الترفيه ووسائل التواصل، لا إلى القراءة أو شراء الكتب، ما يعكس أن هناك أولويات ثقافية تصرف الجهود عن المعرفة المدفوعة الثمن نحو المحتوى المجاني السريع.

عالمياً تجاوزت قيمة صناعة الكتب الإلكترونية 22 مليار دولار عام 2024، مع توقعات بارتفاعها في السنوات المقبلة، لكن مساهمة العالم العربي في هذا السوق تكاد لا تذكر، فالمنظومة التي أنجحت التجارب الغربية، من حماية صارمة للملكية الفكرية ووسائل دفع آمنة وأجهزة قراءة ميسرة، لا تجد نظيراً متكاملاً عربياً، فضعف تطبيق القوانين، وقلة الثقة في عمليات الدفع، وتفاوت الدخل، جعلت الناشر متخوفاً والقارئ متردداً، فتحولت التجربة إلى دائرة مغلقة من الشكوك.

ثقافياً، يبقى القارئ العربي حتى المثقف رقمياً، مخلصاً للورق باعتباره رمزاً للجدية والرصانة، وفي دراسة لمجلة مركز الكندي للبحث والتطوير «علم النفس ودراسات السلوك» عام 2023، أوضحت الدراسة أن أكثر من 70% من القراء العرب المتعلمين يفضلون الكتاب الورقي، ما يدل على فجوة في القبول لا تعالج بالتقنية وحدها بل ببناء الثقة في التجربة الرقمية كوعاء أصيل للمعرفة يحفظ الحقوق ويضمن الجودة.

قرصنة

على الرغم من توقيع أغلب الدول العربية على اتفاقيات الملكية الفكرية الدولية، فإن التطبيق لا يزال هشاً في بعض الدول، وإجراءات التسجيل معقدة والعقوبات ضعيفة، ويستمر تسرب الكتب إلى مواقع القرصنة فور نشرها إلكترونياً، أضف إلى ذلك ضيق السوق وخسائر البيع المجاني، كلها أسباب جعلت الناشرين في تراجع عن الاستثمار في النشر الإلكتروني، فالقرصنة قضية ثقافية قبل أن تكون تقنية، إذ تعكس ضعف الوعي بالحقوق وعدم إدراك القارئ أن المجانية المطلقة تقتل الإبداع وتمس استمرارية الصناعة نفسها.

إن بناء الثقة بالكتاب الإلكتروني عربياً، يبدأ من وجود منصات رصينة توفر تجربة شراء آمنة وتضمن عدالة توزيع الأرباح لكل الأطراف، ووجود علامة أمان رقمية ونظام شفاف يربط القارئ مباشرة بالمؤلف والناشر، يعيد الثقة إلى السوق ويخلق علاقة اقتصادية واضحة، كما أن جودة تجربة القراءة نفسها أساسية لجذب القارئ، فالتصميم السلس، والتحكم في الخط والسطوع، وإتاحة عينات مجانية للكتب، كلها تسهم في إقناعه بأن النسخة الرقمية هي خيار مريح ومعاصر، كما أن تطوير أنظمة الحماية التقنية يجب أن توازن بين حماية الحقوق للمؤلفين وسهولة القراءة للمستخدمين، بدون اعتماد أنظمة حماية صارمة تقيد المستخدم، إذ يمكن استخدام تقنيات العلامات المائية الذكية التي تحافظ على المرونة وتحد من النسخ غير المشروع، فالهدف هو حماية الحق لا تقييد القارئ، وهو توازن لم تدركه بعد أغلب المبادرات العربية في هذا المجال.

إلى ذلك، يبقى التسويق محوراً حاسماً في نجاح التجربة، فالكتاب الإلكتروني لا ينجح بجودته فقط، بل بوصوله، ومن المهم تسويق الكتاب الرقمي باعتباره مكملاً للورق وليس بديلاً عنه، مع تبني نماذج توزيع هجينة مثل إصدار نسخ إلكترونية مختصرة للطلاب، أو نسخ صوتية مجانية لفترات محدودة تشجع على شراء النسخة الكاملة، ومثل هذه المبادرات المرنة أثبتت نجاحها في بلدان آسيوية يمكن للعرب الاستفادة من تجربتها.

المؤسسات الثقافية قادرة بدورها على تحريك المشهد، فبرامج دعم رقمنة الكتب الأكاديمية وبناء مكتبات رقمية عامة برسوم رمزية، يمكن أن تخلق عادة قراءة إلكترونية مشروعة وتحد من القرصنة، كما ينبغي لاتحادات النشر والكتاب أن تطلق حملات توعية بحقوق النشر الرقمية، وتوفر استشارات تقنية وقانونية للناشرين والمؤلفين، ومن خلال هذه المنظومة المتكاملة يمكن تحويل الكتاب الإلكتروني من ظاهرة محدودة إلى قطاع ثقافي واقتصادي فاعل.

علاقة جديدة

الكتاب العربي الرقمي، هو تعبير عن علاقة جديدة بين الثقافة والحداثة، والقارئ العربي يتعامل مع الكتاب كرمز للهوية والثقافة العربية، وبالتالي تتطلب النسخة الرقمية اعتناء خاصاً بجماليات اللغة والخط والتصميم، وإدراج أدوات بحث وفهارس تفاعلية ومواد سمعية وبصرية، كلها عناصر تمنح النسخة الرقمية بعداً معرفياً وجمالياً فريداً يجعلها تجربة قراءة متكاملة تتجاوز الورق ولا تلغيه.

كما يمكن للكتاب الإلكتروني اقتصادياً، أن يتحول إلى قطاع قابل للاستدامة عبر نماذج تسعير مرنة تشمل، كتب منخفضة الثمن للطلاب، واشتراكات شهرية للمكتبات الرقمية، أو باقات عائلية تشجع على القراءة المشتركة، وتعاون الناشرين مع مزودي خدمة الدفع الإلكتروني المحليين كفيل بإزالة العقبات المالية، وتشجيع الدفع عبر المحافظ البنكية أو الدفع عند الاستلام للنسخ الورقية الرقمية المشتركة، ما يعزز الثقة ويوسع قاعدة المستخدمين.

وفي هذا الإطار، يشهد سوق الكتاب الإلكتروني في المنطقة العربية توسعاً تدريجياً يعكس رغبة القراء والناشرين في مواكبة التحول الرقمي، رغم استمرار هيمنة الكتاب الورقي على المشهد الثقافي العام، وتشير تقارير إلى أن قيمة خدمات الكتب الرقمية في الشرق الأوسط وإفريقيا بلغت نحو 791.6 مليون دولار عام 2024، بحسب دراسة Deep Market Insights.

كما يقدر تقرير Grand View Research حجم سوق الكتب الكلي في المنطقة بما يشمل المطبوع والرقمي، بنحو 13.4 مليار دولار، ما يدل على أن النشر الإلكتروني في بداياته لكنه يحقق حضوراً متزايداً.

مراكز

تبرز الإمارات والسعودية ضمن الدول التي قطعت شوطاً ملموساً في هذا المجال، بفضل مبادرات التحول الرقمي المؤسسي والتعليم الإلكتروني، وتمثل هذه الدول إضافة إلى مصر مراكز رئيسية لنشر وتوزيع الكتب الإلكترونية في العالم العربي، بفضل البنية التقنية المتقدمة وتعدد المنصات المتخصصة في الكتاب الإلكتروني.

عالمياً، تبلغ قيمة سوق الكتب الإلكترونية نحو 18.2 مليار دولار عام 2023، مع توقع تجاوزها 29.9 مليار دولار بحلول 2033 بمعدل نمو سنوي يقارب 5%، وبالقياس إلى هذه الأرقام، تظل الفرصة قائمة أمام العرب لتوسيع حصتهم إذا تم الاستثمار بجدية في المحتوى العربي الأصلي وتحسين آليات التسويق الرقمي.

يرى مختصون أن التحول الرقمي ضرورة تفرضها تحولات السوق وسلوك القارئ الذي يفضل القراءة عبر الهاتف الذكي أو الجهاز اللوحي، ويقبل على المنصات ذات الاشتراكات المرنة، ورغم غياب الإحصاءات الدقيقة لمبيعات الكتب العربية الإلكترونية، تؤكد المؤشرات أن معدل النمو المتوقع للقطاع يتراوح بين 6 و9% سنوياً خلال الأعوام المقبلة، وهي نسبة كافية لتكوين سوق واعدة ذات مستقبل مستقر، فقد تحول الكتاب الإلكتروني إلى واقع ثقافي وتجاري مدعوم بتنامي الوعي بأهمية الوصول السريع إلى المعرفة، الأمر الذي يبشر بانتقاله إلى موقع رئيسي ضمن منظومة اقتصاد المعرفة العربي.

وتبقى العلاقة بين المؤلف والناشر هي محور النجاح في هذا التحول، إذ يجب تطوير العقود التقليدية في أغلب التجارب العربية، لتتضمن بنوداً واضحة حول نسب الأرباح وحقوق الترجمة والتوزيع الإلكتروني، مع برامج تدريبية للمؤلفين في الترويج الذاتي وبناء جمهور رقمي متفاعل، فالمؤلف المعاصر هو شريك في صناعة حضوره الفكري عبر المنصات المختلفة.

وبالتأكيد لن يكتمل هذا المشروع من دون إصلاح تشريعي شامل، وهذا يستلزم أن تحدث القوانين العربية، لتغطي خصوصيات النشر الرقمي وتفعل آليات سريعة للإنذار والحذف، وأن تعتمد سجلات رقمية وطنية لإثبات الملكية، مرتبطة بمنصات النشر الكبرى، والتعاون الفاعل مع المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO)، والذي يمكنه أن يحقق نقلة نوعية في إنفاذ القوانين ونقل الخبرة التقنية لحماية الصناعة.

مقومات

رغم تعثر التجربة العربية، فإنها تبقى مشروعاً قيد التشكل، وتمتلك المنطقة العربية، مقومات بشرية وثقافية تؤهلها لتكون سوقاً واعدة إذا أُحسن استثمارها، فالأجيال الجديدة أكثر ألفة مع الوسائط الرقمية، والمبادرات الحكومية بدأت تدرك أن القراءة الإلكترونية ضرورة تعليمية واقتصادية، والمطلوب اليوم ليس تحويل الكتب إلى ملفات فحسب، بل بناء منظومة متكاملة تحترم الثقافة المحلية وتحقق التكامل بين الورق والرقمية.

فالتحول إلى اقتصاد نشر إلكتروني ناجح في العالم العربي ليس أمراً مستحيلاً، بل يحتاج إلى تناغم بين التقنية والقانون والثقافة، فنحن بحاجة إلى بيئة تشريعية محدثة، وبنية تحتية موثوقة، ونماذج تجارية عصرية تجمع الربح بالاستدامة، والأهم في كل ذلك نحتاج إلى ثقافة قراءة جديدة تتوافق مع روح العصر من دون أن تتنكر لتراثها الورقي، فالمسألة ليست اختياراً بين الورق والرقمي، بل هي بحث عن صيغة تزاوج بينهما تحفظ للمؤلف مكانته وتمنح القارئ حرية الوصول وتضمن للنشر العربي بقاءه كمشروع حضاري يواكب تطورات التكنولوجيا.

عندها فقط يمكن أن يقال: إن الحلم العربي بالكتاب الإلكتروني بدأ يقترب من الاكتمال، كتحول ثقافي شامل يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمعرفة في العالم العربي.

سوق النشر العربية الرقمية محدودة جداً

استطلعنا في «الخليج الثقافي» آراء نخبة من الناشرين والأدباء الذين قدموا قراءاتهم المتباينة حول واقع الكتاب الإلكتروني وآفاق تطوره عربياً.

تؤكد الناشرة والكاتبة إيمان بن شيبة، أن سوق الكتاب الإلكتروني العربي لا يزال في مراحله الأولى، لكن مؤشرات النمو الحالية للسوق تبعث على التفاؤل، وتوضح أننا في بدايات دخول سوق الكتاب الإلكتروني العربي، سواء أكان المقصود الكتاب  الذي يقرأ عبر الأجهزة، أم الكتاب الصوتي  الذي بات يحظى بجمهور متزايد، مؤكدة أن التجربة فتية، ولكن الأرقام الأولية للمبيعات مشجعة، خصوصاً إذا أخذنا في الاعتبار أن عدد الناشرين العرب والإماراتيين الذين دخلوا هذا المجال لا يزال محدود جداً.

وتضيف أن ما يعوق تطور التجربة هو تردد كثير من دور النشر في الانضمام إلى هذا السوق، فبحسب رأيها، لا يمكن بناء بيئة قراءة رقمية متكاملة ما لم توضع الإصدارات الورقية والرقمية معاً في الأسواق الإلكترونية فور صدورها، كما يحدث في التجارب العالمية.

وتبين أنه في الأسواق الأجنبية، لم يبدأ الإقبال الكبير على الكتب الإلكترونية، إلا بعد أن أصبحت جميع دور النشر تقريباً تطرح نسخها الرقمية في الوقت نفسه مع النسخ الورقية، فصار القارئ يجد التنوع والتحديث الفوري في المنصات، ما جعل التجربة الرقمية لا تقل جودة عن الورقية.

وترى إيمان بن شيبة أن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة تكامل بين الناشرين والمنصات، لأن بعض المنصات العربية لا تزال عملية انضمام الناشر إليها صعبة أو غير واضحة، وهذا يحد من انتشار الكتاب العربي إلكترونياً، وتشدد على ضرورة أن ينظر إلى الكتاب الإلكتروني والصوتي على أنهما جزء من منظومة النشر الكاملة، وليس منتجين منفصلين.

وحول كيفية تعزيز ثقة القارئ العربي بالمحتوى الإلكتروني، تقول: «إن المسألة تبدأ من تنمية الثراء والتنوع في المكتبات الرقمية، فكلما أصبحت المنصات أكثر غنى بالكتب المعاصرة والمترجمة والمتخصصة، ازدادت رغبة القارئ في القراءة الرقمية بدلاً من اللجوء إلى النسخ المقرصنة، فالتجربة الرقمية الناجحة هي التي تدمج السهولة في الوصول مع الجودة في المحتوى، بحيث لا يشعر القارئ بأي فرق جوهري بين تجربته الرقمية وبين قراءته للكتاب المطبوع».

تحولات

بدورها ترى الناشرة والكاتبة د. مريم الشناصي، أن الحديث عن الكتاب الإلكتروني لا يمكن فصله عن التحولات الكبرى التي يشهدها العالم في أنماط الحصول على المعرفة، وتوضح أن المشكلة ليست في الكتاب الإلكتروني وحده، بل تمتد إلى الكتاب الورقي أيضاً، لأن الاهتمام بالقراءة نفسها تراجع عالمياً.

وتقول مريم الشناصي: «الناس باتوا يعتمدون أكثر على المحتوى المرئي، الفيديو والصور والمقاطع القصيرة على وسائل التواصل الاجتماعي لاستقاء المعلومات، بدلاً من العودة إلى الكتاب التقليدي، فالمستخدم الآن حين يبحث عن معلومة، يلجأ فوراً إلى محرّكات البحث أو تطبيقات تعتمد على الذكاء الاصطناعي، كما يجد أمامه أيضاً عدداً كبيراً من الأكاديميين والمتخصصين الذين يقدمون خلاصة أفكارهم ومراجعهم في شكل مقاطع مصورة أو نصائح مختصرة على المنصات الاجتماعية».

وتنوه بأن هذا الانتشار للمحتوى المرئي جعل الحصول على المعلومة لحظياً وسريعاً، وهو ما سحب البساط جزئياً من الكتاب المقروء ورقياً كان أم إلكترونياً وأضعف فرص تداوله اليومي.

وتشير إلى أن ما يطلق عليه «التحول الإلكتروني» في العالم العربي يقتصر في معظمه على البيع الإلكتروني للكتب، وليس على الانتشار الحقيقي للكتاب الرقمي كمحتوى، وتوضح أن ما هو متاح في الغالب هو الشراء عبر الإنترنت للكتب الورقية أو الحصول على نسخ رقمية بصيغة PDF من مواقع مجانية أو مكتبات عالمية، ما يقلل الحاجة إلى شراء النسخة الأصلية، فبعض القراء يجدون ما يحتاجون إليه مجاناً، ما يجعل السوق القانونية أضيق من المطلوب.

وتضرب مثالاً بقطاع التعليم الجامعي قائلة: «إن الطلبة أنفسهم يفضلون سهولة الوصول إلى المعلومات عبر المواقع الرقمية بدلاً من التعامل مع المراجع الورقية الضخمة، حيث يعتمد الطلاب على القواميس والموسوعات والمصادر الإلكترونية لأنها أخف وأسهل، ولا يضطرون لحمل عشرات الكتب، وبذلك تغيرت عادات البحث والقراءة جذرياً في ظل اتساع مصادر المعرفة الإلكترونية».

وتؤكد مريم الشناصي، أن العالم شهد تغيراً جذرياً من حيث طريقة تداول المعرفة، وأن مستقبل الكتاب سواء كان إلكترونياً أو ورقياً، أصبح مرهوناً بقدرته على التكيف مع هذا التحول، لذا علينا أن ندمج التقنيات الحديثة بالقراءة، وأن نبتكر أساليب جديدة لجعل الكتاب جزءاً من المنظومة الرقمية، حتى لا يظل خارج دائرة اهتمام القارئ الجديد.

عقبات

وعن تحولات قطاع النشر العربي في السنوات الأخيرة، تبين الكاتبة فاطمة المزروعي أن العالم العربي يشهد تحولاً تدريجياً نحو النشر الرقمي والكتب الإلكترونية، غير أن هذا المسار لا يزال يواجه عقبات متعددة تمنع اكتماله بالصورة المرجوة.

وتقول: «على الرغم من الانتشار الواسع للتقنيات الحديثة وسهولة الوصول إلى المحتوى عبر الإنترنت، فإن القارئ العربي لا يزال أكثر ميلاً إلى الكتاب الورقي الذي يراه رمزاً للأصالة ومصدراً أعلى للثقة، ويعزى ذلك بحسب رأيها إلى عدة أسباب، منها ضعف البنية الرقمية في بعض الدول، وغياب ثقافة الدفع الإلكتروني، إضافة إلى انتشار القرصنة التي تضعف ثقة المؤلفين والناشرين بالنشر الرقمي، فضلاً عن محدودية المنصات العربية القادرة على تقديم تجربة قراءة إلكترونية متكاملة تضاهي ما هو متاح في الأسواق العالمية».

وترى أن السنوات الأخيرة أظهرت بوادر تحول فعلي في هذا المجال، إذ بدأت بعض الدول العربية تتبنى رؤى أكثر تقدماً في دمج الثقافة بالتكنولوجيا، وتأتي الإمارات في مقدمة هذه الدول، وتوضح أن الإمارات أدركت منذ وقت مبكر أن مستقبل القراءة مرتبط بالتحول الرقمي، فأطلقت مبادرات نوعية عززت ثقافة القراءة الإلكترونية، ورسخت مكانة المحتوى العربي في الفضاء الرقمي، كما أعلنت الإمارات عام 2016 «عام القراءة»، وشكّل هذا الإعلان نقطة انطلاق محورية في هذا المسار، إذ جعل من القراءة جزءاً من الحياة اليومية بمختلف صيغها الورقية والرقمية، كما تم إنشاء مكتبات إلكترونية في المؤسسات التعليمية والجهات الحكومية، وتشجيع تحويل المحتوى الثقافي إلى صيغ رقمية متاحة للجميع.

وتوضح فاطمة المزروعي، أن تجربة الإمارات برهنت على أن التكامل بين النشر الورقي والرقمي ضرورة ثقافية واقتصادية، فالنشر الإلكتروني لا يلغي الكتاب الورقي، بل يمد عمره في فضاء جديد، ويمنحه فرصاً أوسع للانتشار والوصول إلى جمهور متنوع، وهذا التكامل يمكن أن يكون أساساً لبناء سوق عربية متنامية للقراءة الرقمية تسهم في تعزيز حضور اللغة العربية في العالم الرقمي وتنمية الصناعات الثقافية.

وتختتم بتأكيد أهمية وجود رؤية عربية شاملة تدعم هذه التحولات لكي يترسخ النشر الإلكتروني عربياً، فلابد من تحديث التشريعات لحماية حقوق المؤلفين والناشرين رقمياً، وتشجيع الاستثمار في المنصات العربية القادرة على تقديم محتوى جذاب ومتنوع، حيث إن المستقبل في الجمع الذكي بين الورقي والرقمي ضمن رؤية تكاملية تجعل من القراءة فعلاً يومياً متواصلاً ومتجدداً.

ازدواجية

أما بخصوص إشكالية الإيجابيات والسلبيات المتعلقة بالكتاب الإلكتروني، فيؤكد الكاتب ناصر البكر الزعابي، أن ظاهرة الكتاب الإلكتروني تحمل وجهاً مزدوجاً من الإيجابيات والسلبيات، لكن التعامل الواعي معها يمكن أن يحولها إلى رافد أساسي للمعرفة في العالم العربي، ويرى الزعابي أنه وقبل الحديث عن مزايا الكتاب الإلكتروني، يجب أن نعترف بوجود بعض السلبيات الواضحة، وأبرزها ما يتعلق بحقوق النشر والملكية الفكرية للمؤلف والناشر، فحين تنشر بعض الأعمال من دون إذن أو من خلال مواقع غير رسمية، فإن ذلك يشكّل نوعاً من القرصنة، خصوصاً بالنسبة للمؤلفات الحديثة.

ويشير الزعابي إلى أن «الأضرار الصحية» تشكل جانباً سلبياً آخر للقراءة الرقمية، فالاستخدام الطويل للأجهزة يسبب إرهاقاً للعين والظهر، ولهذا يرى أن المفاضلة بين الكتابين الورقي والإلكتروني يجب أن تراعي الجوانب الجسدية والنفسية للقارئ.

ومع ذلك، يعدد الزعابي كثيراً من الإيجابيات التي لا يمكن تجاهلها للكتاب الإلكتروني، الذي يجعل الوصول إلى المعرفة أمراً سهلاً وفورياً، إذ يمكنني تحميله وقراءته في أي وقت ومن أي مكان، ويعتبر أن الكتاب الإلكتروني أسهم في تسهيل تداول الكتب وتوسيع دوائر القراء عبر وسائل عصرية وسريعة، شريطة أن يحترم فيها حق المؤلف والناشر.

ويلفت الزعابي إلى أن الكتاب الإلكتروني وسيلة مساندة لا بديلة عن الكتاب الورقي، وهو خيار مفيد حين يتعذر الحصول على النسخة المطبوعة، ورافد إضافي لكل قارئ وباحث ومهتم بالشأن الأدبي والثقافي، لذلك لا ينبغي أن نمنحه حجماً أكبر من طاقته، لكن في الوقت نفسه علينا الاعتراف بأنه أصبح واقعاً لا يمكن تجاهله في ظل التطور التقني الهائل الذي نعيشه، خاصة خلال العقد الأخير.

ويشير الزعابي إلى أن المؤسسات الثقافية التي تتيح نسخاً قانونية من مؤلفاتها الإلكترونية تسهم في تنشيط القراءة ونشر الوعي، مستشهداً بتجارب رائدة مثل دائرة الثقافة في الشارقة التي توفر عبر موقعها مؤلفات ومجلات بصيغة PDF للقراء مجاناً، ويقول إن هذه المبادرات تستحق التقدير، لأنها تفتح أبواب المعرفة أمام الجميع، وتمنح فرصة حقيقية للقراءة والوصول إلى المحتوى الثقافي من مصادر رسمية وموثوقة.

ويشدد الزعابي على أهمية تنظيم النشر الإلكتروني ضمن أطر قانونية واضحة تحمي الحقوق وتضمن سلامة المحتوى، والتي بدورها تضمن أن يكون الكتاب الإلكتروني عاملاً مساعداً قوياً ورافداً حيوياً للثقافة العربية إذا أوجدنا له البيئة المؤسسية التي تضمن انتشاره بطريقة مسؤولة.

أدوات متغيرة

يسلّط كتاب «قضايا النشر الرقمي العربي والعالمي.. ودور الإمارات الرائد في مجالات الرقمنة» من تأليف د. أحمد يوسف حافظ أحمـد، الضـــوء عــلى التحولات التي شهدها مجال النشر الرقمي عالمياً وعربياً.

ويستعرض الكتاب تطور النشر الرقمي منذ بداياته، ويبين كيف تغيّرت أدوات النشر والتوزيع بشكل جذري مع ظهور التكنولوجيا الحديثة والإنترنت، يؤكد المؤلف أن النشر الرقمي لم يعد بديلاً للكتاب الورقي، وإنما هو نظام شامل يمكنه توسيع انتشار المعرفة وإتاحتها بسرعة وجودة أكبر، إلى جانب تنوع أشكال المحتوى من نصوص وصوتيات ومرئيات.

يركز المؤلف على التحديات التي تواجه النشر الرقمي في الوطن العربي، أهمها ضعف التشريعات التي تحمي حقوق النشر والملكية الفكرية، إلى جانب انتشار القرصنة الرقمية التي تهدد استدامة صناعة النشر، وكذلك تفاوت البنية التحتية التقنية بين الدول العربية، ما يحد من نمو السوق الرقمي مقارنة بالدول المتقدمة. كما يبرز الكتاب الدور الريادي لدولة لإمارات في هذا المجال، لافتاً إلى المبادرات الحكومية الرائدة مثل إنشاء المكتبات الرقمية، وتطوير تقنيات المعلومات والاتصالات، وتعزيز الحكومة الإلكترونية، ما أسهم في وضع الإمارات على خريطة الرقمنة العربية والعالمية، ويعرض المؤلف نماذج مشاريع إماراتية ناجحة أسهمت في تحسين الوصول إلى المحتوى الرقمي العربي، ورفع وعي الجمهور بأهمية النشر الرقمي. يناقش الكتاب كذلك النماذج الاقتصادية الحديثة للنشر الرقمي، مع التأكيد على ضرورة دمج النشر الإلكتروني مع النشر التقليدي لتحقيق استدامة مالية وثقافية تحمي حقوق المؤلفين والناشرين، وتعزز الثقة بالسوق الرقمي عبر التعاون الإقليمي والدولي، واستحداث التشريعات المناسبة. في هذا الكتاب، يقدم د. أحمد يوسف حافظ أحمد، خريطة طريق متكاملة، تتضمن تطوير البنية التحتية الرقمية، وتحديث التشريعات، وتعزيز ثقافة القراءة الرقمية، بهدف جعل النشر الرقمي العربي منافساً أساسياً على الصعيد العالمي.