د. أيمن سمير

يقول المثل العربي ذائع الصيت «نحن من نصنع النجاح أو الفشل وليس الظروف»، وعلى الرغم من أن كل الظروف كانت ضد كوريا الجنوبية، فإن شعبها أثبت أنه من طراز خاص، يقدس العمل، ويعشق النجاح، فلا يمكن لأحد أن ينسى المآسي والتحديات التي مر بها عبر سنوات الحرب الكورية بين 1950 و1953، وراح ضحيتها نحو 5 ملايين، غالبيتهم من المدنيين، وتم تدمير الكثير من المدن الكورية.

على الرغم من كل ذلك لم يستسلم الشعب الكوري الجنوبي لليأس أو للفشل، وضرب مثلاً في الإبداع ووفرة الإنتاج، ووصل الناتج القومي لكوريا الجنوبية- التي لا يزيد عدد سكانها على 51 مليون نسمة، ومساحتها تصل لنحو 99 ألف كلم - إلى 1.7 تريليون دولار عام 2024 بما يرفع الدخل السنوي للفرد إلى نحو 20 ألف دولار، وهو ما يجعلها رقم 24 بين الدول الأعلى دخلاً في العالم.

«الرقم الصعب»

هذه الإنجازات التي حققتها كوريا الجنوبية ليست وليدة الصدفة، أو تتعلق فقط بالقطاع المدني مثل السيارات والهواتف والآلات وبناء أحواض السفن؛ بل أصبحت كوريا الجنوبية «الرقم الصعب» في معادلة تصنيع وتصدير كافة أنواع الأسلحة والذخائر على مستوى العالم. وفي الوقت الذي وضع معهد استوكهولم للسلام هذا العام كوريا الجنوبية في المرتبة العاشرة في تصنيع وتصدير السلاح على مستوى العالم، أكدت الحكومة الكورية أنها تستهدف المرتبة الرابعة عالمياً في تصدير السلاح خلال السنوات القليلة القادمة، وهذا لا يتعلق فقط بالكم؛ بل باتت الثقة في الأسلحة الكورية الهجومية والدفاعية في أعلى المراتب العالمية، وهو ما دفع دولة مثل بولندا - العضو في حلف دول شمال الأطلسي «الناتو» وتجاور أوكرانيا مباشرة - تتعاقد على أكبر صفقة لشراء 1000 دبابة كورية جنوبية في يوليو/تموز 2022، الأمر الذي يعكس ليس فقط ثقة الجيش البولندي في الدبابات الكورية الجنوبية؛ بل ثقة كل حلف «الناتو» بأن معايير الجودة وكفاءة الأداء في الدبابة «كي تو بلاك» الكورية الجنوبية لا تقل عن الدبابات الغربية مثل إبرامز الأمريكية، وليوبارد الألمانية، وتشالنجر البريطانية.

طاقم بشري

ولا يقتصر الأمر على الدبابات؛ بل بات الجميع حول العالم من أوروبا والشرق الأوسط وآسيا وأمريكا اللاتينية يقصدون باب كوريا الجنوبية ليس فقط لشراء أنظمة الدفاع الجوي، والأسلحة غير المأهولة مثل المسيّرات والغواصات من دون طاقم بشري؛ بل وحتى الأجيال الحديثة من الطائرات، فكوريا الجنوبية تستعد للمنافسة بقوة في مجال الطائرات العسكرية من الجيلين الخامس والسادس، وهو ما يجعل المنتجات العسكرية الكورية الجنوبية تجلس على «مقاعد الكبار» في مجال تصنيع وتصدير السلاح والذخيرة بجانب الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا، ووصل الأمر بأن الولايات المتحدة التي تتصدر صادرات السلاح العالمية بنحو 43 % باتت تستعين بأحواض كوريا الجنوبية لتصنيع الغواصات حتى لا تتفوق الصين على الولايات المتحدة الأمريكية في هذا المجال، فأين وصلت الصناعات العسكرية لكوريا الجنوبية حتى تكون ضمن «نمور» تصنيع السلاح في العالم؟

ما هي أبرز الصفقات والعملاء الذين يشترون السلاح والذخيرة من كوريا الجنوبية؟ وما هي الأسباب والدوافع التي نقلت كوريا الجنوبية من دولة مدمرة في الحرب الكورية، وتعتمد بالكامل على واردات السلاح الأمريكية إلى دولة يشار إليها بالبنان في مجال تصنيع وتصدير السلاح والذخيرة حول العالم؟

مكان ومكانة

خلال العامين الماضين باتت كوريا الجنوبية تحظى بمكان ومكانة رفيعة في مجال السلاح والذخيرة، ولا يستطيع جيش في العالم ينوى شراء السلاح أو توطين صناعة الأسلحة تجاهل المدرسة الكورية الجنوبية في تصنيع السلاح والذخيرة، وباتت الصناعات العسكرية الكورية الجنوبية مطلوبة لدى مختلف جيوش العالم، فالأنظمة الدفاعية لكوريا الجنوبية مثل منظومة الصواريخ «تشونمو»، والطائرات المقاتلة الخفيفة «إف إيه-50»، أصبح لها عملاء في جميع قارات العالم، وتعد الدبابة «كي تو بلاك بانثر» من أكثر الدبابات تطوراً؛ إذ تجمع بين أحدث التقنيات؛ حيث تتعدد استخداماتها في ساحات المعارك، لأن تسليحها الأساسي يعمل بالذخيرة 120 مم، وتستطيع إطلاق 10 طلقات في الدقيقة الواحدة أثناء الحركة، ولديها أنظمة فريدة في التحكم في إطلاق النار، وتتمتع بدقة نادرة في إصابة الهدف.

النجاح ليس بالصدفة

لا يوجد نجاح بالصدفة، وخير مثال على ذلك نجاح كوريا الجنوبية في مجال تصنيع وتصدير السلاح والذخيرة الذي اعتمد على رؤية واستراتيجية بدأت منذ السبعينات، وبدأت كوريا الجنوبية تجني حصاد هذه الاستراتيجية بعد سنوات طويلة من العمل، واكتساب الخبرات، وتجنب الأخطاء. ففي عام 2022 زودت كوريا الجنوبية الجيوش الأوروبية بمبيعات بلغت قيمتها نحو 8.5 مليار دولار، وفي عام 2023 قدمت كوريا الجنوبية قذائف مدفعية لأوكرانيا من طراز 120 مم، و155 مم أكثر من جميع الدول في الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي وضعها في المرتبة العاشرة في بيع وتصدير السلاح منذ عام 2023، والثالثة آسيوياً بعد الصين وإسرائيل، وتقوم استراتيحية كوريا الجنوبية في تصنيع وتصدير السلاح على مجموعة من المسارات وهي:

أولاً: قاعدة صناعية وطنية

منذ نحو 50 عاماً بدأت كوريا الجنوبية خطتها لبناء قاعدة صناعية عسكرية وطنية حتى لا تعتمد على الواردات من الخارج، وبدأت هذه الرؤية مع الرئيس بارك تشونغ الذي بنى سلسلة من المجمعات الصناعية العسكرية لتصنيع الدبابات والمدرعات والمروحيات والطائرات، والطائرات من دون طيار والذخيرة بكل أنواعها، وباتت هذه المجمعات الصناعية هي الأساس الذي تقوم عليه الآن أرقى مصانع تصنيع السلاح والذخيرة في كوريا الجنوبية.

ثانياً: نقل التكنولوجيا

لم تبدأ كوريا الجنوبية من الصفر لكي تصل إلى مكانتها الحالية في مجال تصنيع وتصدير السلاح، حيث عقدت الكثير من الشراكات للتصنيع المشترك بهدف توطين التكنولوجيا، واكتساب الخبرات، وتدريب العمال والفنيين والمهندسين على أحدث خطوط إنتاج السلاح والذخيرة في العالم، وعلى سبيل المثال تعاونت مع الشركات الأمريكية لتطوير الطائرة «أف 16»، وهو ما أثمر عن الطائرة الكورية الجنوبية «كي إف 21»، كما أن التعاون مع ألمانيا في مجال المدرعات والدبابات خلص إلى الدبابة «كي تو بلاك بانثر»، كما تعاونت كوريا الجنوبية منذ فترة طويلة مع تركيا في مجال تصنيع الذخائر.

ثالثاً: الإنفاق البحثي

تعد كوريا الجنوبية من أعلى الدول الآسيوية التي تنفق على البحوث التي تتعلق بالسلاح والذخيرة؛ حيث تنفق نحو 2.8 % من الناتج القومي البالغ نحو 1.7 تريليون على أبحاث الصناعات العسكرية مع التركيز على مجالات الصواريخ والمدرعات، وأنظمة القيادة والسيطرة، إضافة إلى مجالات الرادارات والدفاع الجوي

رابعاً: التصنيع بهدف التصدير

لم يكن هدف كوريا الجنوبية الاكتفاء الذاتي من الأسلحة والذخيرة؛ بل التصدير والمنافسة في الأسواق العالمية، واعتمدت كوريا الجنوبية على استراتيجية تقول إنها سوف تصنع أسلحة «أرخص» من الأسلحة الأمريكية والأوروبية، وفي نفس الوقت «أكثر جودة» من الأسلحة الصينية والروسية، وهو ما أدى إلى منتجات عسكرية كورية جنوبية لها قبول عالمي مثل مدفع «الهاوتزر» والذي يتم تصديره الى النرويج وفنلندا وهما دولتان في «حلف الناتو»، إضافة إلى أنظمة الدفاع الجوي والمسيّرات التي لها قبول كبير لدى الدول العربية والشرق الأوسطية

خامساً: المرونة والتكيف

ربما كوريا الجنوبية هي أكثر دول العالم التي لديها مرونة كبيرة في التكيف من طلبيات السلاح التي تحتاج إليها الجيوش التي تعمل في بيئات عسكرية مختلفة، فالبيئة العسكرية التي يتدرب ويعمل فيها الجيش البولندي تختلف تماماً عن البيئة العسكرية للنرويج، والتضاريس في بولندا والنرويج تختلفان تماماً عن البيئة العسكرية في الشرق الأوسط، فالشركات الكورية قادرة على تعديل التصميمات بسرعة لتناسب احتياجات الدول المستوردة، وهو ما يعجز عنه كثير من المصنعين الغربيين بسبب بعض القوانين.

سادساً: الدمج بين التكنولوجيا

تقدم كوريا الجنوبية نموذجاً في الدمج بين التكنولوجيا المدنية والعسكرية، ويكشف هذا الأمر أن الشركات الكورية الجنوبية العملاقة في مجال السيارات والهواتف والطاقة هي نفسها الشركات التي لها منتجات عسكرية عملاقة، لأنها تستطيع تقديم تكنولوجيا إلكترونية وميكانيكية متطورة تستخدم في أنظمة التسليح وفي نفس الوقت في المجال المدني.

سابعاً: نقمة أصبحت نعمة

رسمياً لم تنته الحرب بين كوريا الجنوبية والشمالية حتى اليوم، ومنذ عام 1953 ظلت الكوريتان في حالة سلام هش، وكل هذا جعل كوريا الجنوبية تهتم بالصناعات العسكرية الثقيلة في الوقت الذي بدأت المصانع الغربية تركز على الأسلحة الخفيفة لاستخدامها في المواجهات «غير المتكافئة» مع الجماعات الإجرامية والإرهابية

ثامناً: حيوية سياسية

على الرغم من أن كوريا الجنوبية توصف بأنها حليف للولايات المتحدة وحلف «الناتو»، لكنها تتمتع بسهولة في الحركة مع الدول القريبة من روسيا والصين، وخير مثال على ذلك أن دولة مثل سلوفاكيا تعاقدت على أنظمة دفاع جوي من كوريا الجنوبية من دون أن تواجه كوريا الجنوبية أي لوم سياسي من دول الاتحاد الأوربي أو «حلف الناتو»،

تاسعاً: مفهوم جديد للتعاون الدفاعي

سبب رئيسي في زيادة الصادرات العسكرية الكورية أنها لا تبحث فقط عن صفقة تجارية لبيع منتجاتها العسكرية؛ بل نجحت الشركات الكورية في التوصل إلى «شراكات طويلة المدى» تسمح للمنتجات الكورية في التدفق لعقود قادمة إلى مختلف الأسواق، وذلك بالسماح بنقل جزء من التكنولوجيا والخبرة الكورية إلى الدول المستوردة.

عاشراً: قيود التصدير

تتجنب كوريا الجنوبية أكثر العيوب القائمة في الصادرات العسكرية الغربية، وهي تلك التي تتعلق «بقيود التصدير»، فعلى سبيل المثال تتكون الطائرة الأوروبية «يورو فايتر» من مكونات ألمانية وفرنسية وبريطانية وإيطالية، وحال اعتراض دولة من تلك الدول على تصدير صفقة ما لا يمكن لأي من تلك الدول إتمام الصفقة إلا بعد موافقة كل الدول التي لها مكونات في «اليوروفايتر»، لكن الأمر مختلف تماماً بالنسبة لكوريا الجنوبية التي تأتي غالبية المكونات من مصانع كورية جنوبية، وعندما تقرر كوريا الجنوبية بيع صفقة لا تكون هناك أي تعقيدات لوجستية أو قانونية تمنع إتمام الصفقة.

[email protected]