الجيل الجديد... كلمة نسمعها في كل مكان، نرددها بنبرة استغراب أو تبرم، نشتكي منهم، ونتحدث وكأننا لسنا جزءاً من القصة، نصفهم بأنهم جيل لا يتحمل المسؤولية، ولا يُقدّر النعمة، ولا يصبر على المشقة، لكننا نادراً ما نتوقف لنسأل السؤال الحقيقي: من الذي ربى هذا الجيل؟
هذا الجيل لم يأت من فراغ، هو نتاج بيوت خافت من كلمة «لا»، وأُسَرٍ استبدلت الحوار بالشاشة، ومدارسَ عَلَّمت الحفظ أكثر مما علمت التفكير، وإعلامٍ صنع أبطالاً من التفاهة ثم اشتكى من ضياع القدوة، كل منظومة أسهمت في صناعة جيل مرتبك بين ما يسمعه وما يراه، وبين القيم التي تقال والقيم التي تمارس.
نحن الجيل الذي رباهم، لكننا كنا مشغولين باللحاق بالحياة أكثر من تربيتهم على معناها، أردنا أن نوفر لهم كل شيء، فنسينا أن نعلمهم قيمة أي شيء، أبعدناهم عن التعب، فصاروا يهربون من أول مواجهة، حميناهم من الألم، فصاروا «هشين» أمام أول خيبة، أردنا أن يعيشوا حياة أسهل فنسينا أن الحياة لا تُعاش بالراحة بل بالمعنى.
ثم نلومهم لأنهم لا يشبهوننا، لكن الحقيقة أنهم يشبهوننا تماماً في ضعفنا أمام التيار، الفرق أننا قاومنا بصمت، وهم استسلموا بصوت عالٍ، جيل اليوم ليس ضائعاً كما يقال، بل مكشوفٌ يرى كل شيء، ويسمع كل الأصوات، ويعيش في عالم مفتوح لا يمنحه وقتاً ليفهم نفسه، هو انعكاس لعصر لم يعرف الثبات، ولقيم تغيرت أسرع من قدرة الإنسان على استيعابها.
مشكلتهم ليست أنهم تغيروا، بل أنهم كبروا في زمنٍ لم يربهم فيه أحد على كيفية اتخاذ الإنسان المواقف وسط هذا الضجيج، نحن الكبار لم نحافظ على اتساقنا بين القول والفعل، أرسلنا رسائل متناقضة، نطلب الأخلاق ونكافئ المظاهر، نتحدث عن الصدق ونمارس التجميل، نحذر الشهرة ونطارد الإعجاب، فكيف نلومهم إن ضاعوا في المنتصف؟
إن أردنا تصحيح البوصلة، فعلينا أن نبدأ بالمرايا التي يروننا من خلالها، الجيل لا يتربى بالكلام، بل بالمُثُل، ولا يحتاج إلى دروس جديدة، بل إلى قدوة تعرف أن النجاح لا قيمة له إن لم يصنع إنساناً أفضل، التربية ليست مرحلة في الطفولة، بل مسؤولية مستمرة في كل بيت وكل مدرسة وكل مكان، كل تصرف يرانا عليه أبناؤنا هو تربية جديدة.
أبناؤنا ليسوا ضدنا، هم فقط ينتظرون أن نفهمهم، ما زال الأمر ممكناً، الأجيال لا تضيع حين تخطئ، بل حين نستسلم لفكرة أنها ضاعت، نحن لا نحتاج إلى جَلْد هذا الجيل، بل إلى احتضانه بوعي، إلى أن نعيد التوازن بين المفاهيم، عندها سيعود الجيل الجديد إلينا لا ليتشبه بنا، بل ليفهمنا، وعندما يفهمنا، سيفهم نفسه.
الجيل الجديد
1 نوفمبر 2025 00:17 صباحًا
|
آخر تحديث:
1 نوفمبر 00:17 2025
شارك