د.إدريس لكريني
ضمن مبادرة لا تخلو من أهمية ومفاجأة، أعلن ستيف ويتكوف المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن وجود تحركات أمريكية حثيثة لأجل الدفع نحو التوصل إلى «اتفاق سلام» بين المغرب والجزائر وهو ما يمثل خطوة استراتيجية يمكن أن تعيد العلاقات بين بلدين تجمعهما الكثير من المقومات الثقافية والحضارية والتاريخية، بما يعزز تجديد التواصل بين شعبي البلدين ويوفر أرضية لتفعيل آليات الاتحاد المغاربي بعد سنوات من الجمود.
قبل أكثر من قرن من الزمن، اعتبر بسمارك المستشار الألماني ومؤسس «الرايخ الثاني» أن الجغرافيا تظل العنصر الثابت في السياسة، ذلك أن الجوار في العلاقات الدولية لم يكن قط اختياراً، بقدر ما هو قدر يفرض التعامل معه بمنطق المصالح المشتركة والتحديات، مع استحضار المستقبل في هذا الصدد.
وتشير الكثير من الوقائع والأحداث الدولية إلى أن الجوار يمكن أن يدفع الدول المعنية به إلى تعزيز التعاون والتنسيق بما يدعم التعاون الاقتصادي وتبادل المصالح المشتركة وتعزيز السلم والأمن الإقليميين من جهة، كما يمكن أن يكون عاملاً حاسماً في خلق حالة من عدم الثقة، وما يتصل بذلك من صراعات سياسية، ونزاعات حدودية وحروب عسكرية واقتصادية، وتنافس وهدر للإمكانات والطاقات من جهة أخرى.
إن الوعي بأهمية الجوار وبالفرص الواعدة التي يمكن أن تتحقق لأطرافه مجتمعة في سياق تجنيد وتعبئة الإمكانات المتاحة وتعزيز التعاون، هي التي دفعت الكثير من البلدان الأوروبية إلى تحويل القارة العجوز من فضاء للصراعات والحروب المدمرة، إلى تكتل قوي قوامه الشراكات والتنمية والممارسة الديمقراطية. وفي مقابل ذلك وتحت عوامل داخلية وأخرى خارجية وتاريخية تحّول «الإقليم العربي» بشكل عام إلى ساحات للصراعات والحروب وهدر الإمكانات والطاقات.
فرغم الروابط الاجتماعية والدينية والثقافية والتاريخية التي تجمع الشعبين المغربي والجزائري، أدت القطيعة بين البلدين إلى تكريس مناخ من الشك، والتشاؤم إزاء مستقبل العلاقات بين الجارين، بل ومستقبل المنطقة المغاربية برمتها بالنظر إلى الوزن الإقليمي للبلدين داخل الاتحاد المغاربي الذي تأسس في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي بموجب معاهدة مراكش، وهو الاتحاد الذي لم ينطلق بالصورة المطلوبة بعد، رغم الطموحات والانتظارات الكبرى، والإمكانات الكبرى المتاحة لبلدانه، سواء على مستوى الموقع الاستراتيجي أو في ما يتعلق بالإمكانيات البشرية والطبيعية والاقتصادية.
ما زال الجمود والانتظار هما سيدا الموقف في المنطقة، رغم التحولات الكبرى والمتسارعة التي شهدها العالم على شتى الواجهات، بفعل هذه القطيعة التي تنضاف إلى مختلف الأزمات والتحديات والمخاطر الحقيقية التي تواجه النظام الإقليمي العربي بكل مكوناته الاقتصادية والثقافية والأمنية. تعيش المنطقة المغاربية على إيقاع الكثير من الإشكالات التي تعمق الجراح، سواء تعلّق الأمر منها بالتحدي الذي يفرضه نشاط الجماعات الإرهابية، وتصاعد وتيرة الهجرة السّرية، أو تزايد حدّة التهافت الدولي والإقليمي على المنطقة، واختلال موازين التفاوض مع دول الاتحاد الأوربي بصدد عدد من الملفات الاقتصادية والأمنية والسياسية، ثم تدهور الأوضاع الأمنية في عدد من دول الساحل المجاورة للمنطقة.
وأمام الخطابات التحريضية التي تكرس الأحقاد والضغائن بين الشعبين، التي يطلقها عدد من المؤثرين بشبكات التواصل الاجتماعي، بما يتنافى مع تطلعات شعوب المنطقة نحو التواصل والتعاون والاندماج، يطرح أكثر من سؤال حول صمت كثير من النخب المثقفة عن هذا الواقع المغاربي.
فقد استطاعت الكثير من البلدان إن قدر الجوار يقتضي اتخاذ خطوات مدروسة برؤية منفتحة على المستقبل، تتجاوز الحسابات الضيقة والمرحلية، بصورة تتيح لشعوب المنطقة العيش في سلام وتواصل، بعيداً عن الأحقاد، عوض تحويل المشترك إلى مظاهر لتكريس الفرقة والصراعات.
ومن هذا المنطلق فإن عودة العلاقات بين البلدين ستسمح باستثمار التحولات العالمية بما يخدم المنطقة المغاربية والعربية.
إن الجوار الجغرافي ضمن موقع استراتيجي مهم، المقترن بمناخ دولي مليء بالتحديات والمخاطر، وبجمود المشروع المغاربي، يضع البلدين أمام محك حقيقي للانضمام لأي مبادرات بناءة تدعم طيّ الخلافات، ثم الانكباب على إرساء علاقات مبنية على الحوار والتعاون وحسن الجوار لتأمين مستقبل الأجيال القادمة.