يحيى زكي
لم يكن جورج أورويل وهو يكتب رائعته «1984» أو ألدوس هكسلي وهو يؤلف «عالم جديد شجاع»، يتخيلان أن كل ما تحدثا عنه من محاولات السيطرة على العقول سيتحقق في نهاية القرن الذي كتبا فيه عمليهما، وذلك على أيدي التكنولوجيا الحديثة.
عند أورويل كانت السيطرة على العقول مصحوبة باستبداد سياسي عنيف مارسه نظام الأخ الأكبر، عبر التعذيب ومختلف وسائل المراقبة ومن خلال استخدام طرائق نفسية طويلة ومعقدة، أما عند هكسلي فكان تغيير العقل نتيجة تربية الأطفال في بيئات معزولة ومنغلقة على نفسها في عالم مختلف وخيالي لا يهتم بأية قيمة إنسانية.
السيطرة على العقول في الكتابين كانت لأغراض سياسية عند أورويل، ونتيجة التقدم التقني عند هكسلي، ولكن هذه السيطرة فعلتها شبكة الإنترنت من دون قسر أو إجبار أو استبداد، كما يذهب نيكولاس كار في كتابه «السطحيون..ما تفعله شبكة الإنترنت بأدمغتنا»، فالشبكة وفق كار هي التقنية الأكثر فعالية التي أسهمت في تغيير العقل.
فعلت الإنترنت ببساطة وبأسرع ما تنبأ به أورويل وهكسلي، وكتباه على أساس أنه ينتمي إلى الأدب السياسي المستقبلي، قامت الإنترنت بذلك من دون استبداد أو تعذيب يتعرض له أحد من البشر، ومن دون استخدام وسائل تغيير تنتمي إلى أشد نظريات علم النفس سوداوية، فعلت الإنترنت ذلك ونحن نشعر بالسعادة والراحة، بل بتنا من درجة اعتمادنا عليها وامتناننا لها لا نتصور العالم من دونها.
غيرت الإنترنت العقول من دون معاناة أو خلافات أيديولوجية أو صدامات ونقاشات وكتابات استهلكت العقول في زمن الأفكار، لم تخض الإنترنت حرباً أو صراعاً بين يمين ويسار أو بين تقدميين ورجعيين أو حداثيين وكلاسيكيين، بل بالعكس تخلو قصة صعود الإنترنت من كل ذلك. غيرتنا الإنترنت وهي تروّج أنها في خدمتنا وأنها صممت لسهولة الحياة، وببطء ورويداً رويداً دخلت في كل نشاطات الإنسان، واحتلت الحياة.
لم تؤثر الإنترنت في تلقينا للمعرفة ولم تكن أكبر موسوعة مفتوحة ومتاحة في التاريخ، ولكنها أثّرت أيضاً في خياراتنا وتفضيلاتنا، وقربت بين الطبقات والشعوب والأمم، ولأول مرة بات العالم قرية صغيرة، وأثّرت مرة أخرى في مشاعرنا، وساعدتنا في بناء علاقات جديدة وصداقات جديدة، باختصار الإنترنت غيرتنا فكرياً واجتماعياً وإنسانياً، والسؤال الإشكالي الوحيد الذي صاحب الإنترنت: هل كان هذا التغيير نحو الأفضل؟ وهل يمكننا الاستغناء عنها؟
حققت الإنترنت النقلة الثالثة في تاريخ البشرية بعد اختراع الكتابة والمطبعة، وأحدثت تأثيراً في عقود قليلة يفوق تأثير المرحلتين السابقتين اللتين استغرقتا مئات السنين، حققت الإنترنت لنا ما حلمنا به وما لم نتوقعه، وفي المقابل سيطرت على عقولنا بسهولة ويسر ومن دون إبداع روائي يصيبنا بوجع الرأس أو تحذيرات أطلقها كثيرون في الماضي من أمثال أورويل وهكسلي.
أصابتنا الإنترنت بسطحية واضحة متعددة المظاهر، ولكنه مقابل زهيد أمام مزاياها الأخرى، ضريبة بسيطة علينا دفعها لكي نعيش في «عالم جديد شجاع».