هل نحن على عتبات مرحلة تاريخية جديدة تتبدل فيها طريقة تحصيل المعرفة إلى شكل آخر، البعض يرى أننا نشهد الآن عودة إلى مرحلة الشفاهية، ولذلك يبشرون بنهاية حقبة طويلة مرت بها البشرية، وأعني حقبة الكتابة.
إن من يبشرنا بمرحلة الشفاهية ينسى حقيقة مهمة جداً أن الكتابة رافقت الحضارة، صحيح أنها لم تكن معنية إلا بتدوين الأعمال اللافتة التي يقوم بها الإنسان، إلا أنها كانت موجودة في الآثار والشواهد المعمارية الموغلة في القدم، وتاريخياً أيضاً كان جزء كبير من المعرفة يتم تداوله شفهياً، في المجالس حيث تنقل العادات والتقاليد، وفي «الكتاتيب» والمدارس البدائية حيث كان التعليم يعتمد على الحفظ والتلقين، وفي الأسواق والمحافل العامة كان الشعراء والرواة والقاصون يروون قصائدهم وحكاياتهم، حتى في الكتب المدونة والأعمال التاريخية الكبرى سنلحظ وجوداً قوياً للشفاهية وذلك عندما يكتب المؤلف سمعت عن فلان، أو يدخلنا في صيغة «العنعنة»: عن فلان.. عن فلان، وذلك ليدعم روايته، هنا بإمكاننا أن نلمح أيضاً أن الشفاهية كانت مصدراً معرفياً موثوقاً، ولذلك وضعوا اشتراطات لصحة رواية الرجل، منها ضرورة أن يتحلى بالصدق والخلق القويم.
في مرحلة الحداثة بدا أن البشرية تعتمد على الكتابة والتدوين كوسيلة أساسية للمعرفة، ولكن الأمر لم يخلُ من وجود واضح للشفاهية، وذلك في الثقافات الشعبية والمجتمعات الطرفية والبسيطة، أي أن الشفاهية لم تختف تماماً، فالمعلومة تنقل وبقوة من لسان إلى أذن وهكذا.
والسؤال الآن، هل الكتابة على وشك الاختفاء كما يذهب البعض؟ القطع بذلك صعب، ولكن المشاهد أنها في حالة تراجع كبيرة، من حيث الحجم والكيف والتأثير، فلا يوجد نص إعلامي الآن من دون وسائط مساعدة صوتية وبصرية، وهناك مرحلة نعيشها من سنوات طويلة يتم فيها تمرين الذهن البشري على قراءة المقاطع الصغيرة، والابتعاد عن المطولات، مع تقسيم أي مقاطع إلى فقرات، هذا شتت العقل وأفقده التركيز، ومنح الأولوية للأذن وللصورة في التلقي، ودخلت تلك العملية التاريخية المعقدة والتي كان الإنسان يركز فيها ويقرأ نصوصاً مطولة في مأزق.
إن الإشكالية التي ستواجه البشر نتيجة لتراجع المقروء- المكتوب تتمثل في تحريف كثيف ومتعدد ستتعرض له الحقائق على المدى الطويل، فعملية تلقي الأذن للمعلومة هي في الأساس تقوم على التحريف، وكذلك احتلال العين بالصور، هناك قدر كبير من الزيف سينتج في الحالتين، وربما لن يكون زيفاً متعمداً بقدر كونه يتعلق بطبيعة التلقي نفسها، فعملية السماع في ذاتها ليست دقيقة، وكذلك الصور والفيديوهات، هناك سيولة يعقبها تحريف وعدم قدرة على ضبط المعلومات التي نتعرض لها.
لقد كان هناك دائماً شك في الكثير من الأحداث التاريخية في زمن التدوين والكتابة، بالرغم من كل ما وضعه المختصون من آليات تضمن مقاربة الحقائق، لم يكن هناك إجماع على حدث ما، ولكن كانت هناك مقاربات، كانت هذه حالة المعرفة والحقيقة والذاكرة في زمن الانضباط والقراءة والتدوين، فعلينا أن نتخيل الصورة في زمن الانفلات وعصر المعرفة الشفاهية الجديدة.
كانت الهويات في الماضي تُبنى على مهل وبنوع من التروي والبطء، وتميزت بالقوة والرسوخ، حتى وإن بدت أحياناً من الخارج متوترة، حدث ذلك على المستويات كافة، الثقافية والاجتماعية وحتى الفردية.
لم يعرف العرب في بداية العصر الحديث مسألة أكثر إثارة للنقاش، من موضوع الهوية، كيف ننظر إلى ذواتنا؟ وكيف نعرف أنفسنا؟ بل وكيف نستطيع تقديم حضارتنا إلى العالم؟ وماذا نأخذ وماذا نترك من الآخر المتفوق حضارياً؟ وما هو المفيد من الماضي الذي نستطيع استلهامه للسلوك في العصر..الخ؟ وكُتبت في سبيل الإجابة عن تلك الأسئلة آلاف الكتب والأبحاث والمقالات، وعقدت عشرات الندوات والمؤتمرات، وتعارك العشرات فكرياً وتجادلوا، كانت حالة من الصخب الدائم أثارتها مسألة الهوية، ومع نهاية حقبة الاستعمار، كنا قد أدركنا جزءاً كبيراً من مقومات الذات الحضارية، وتعرفنا إلى أبعاد ومفاصل الآخر، فلا هوية صلبة إلا في ظل وجود آخر قوي.
الآن وبفعل العولمة وأدواتها، أصبحت الهوية في حالة تبدل مستمر وسيولة دائمة، فلا وقت لدينا لنتعرف إلى أنفسنا، وهناك تسارع يكتسح الجميع ويدمجهم معاً في الوقت نفسه، والكل بات يستنسخ الكل والذات يبدو أنها هشة إلى حد كبير.
في الماضي توقف مفكرونا كثيراً أمام معنى أن نكون عرباً نعيش في القرن العشرين، وما ينتج عن هذا المعنى من رؤية للعالم وكيفية التعامل معه والسلوك فيه، هذه الفكرة وما أعقبها من جدل، وما سبقها من قلق فكري ووجودي، شكلت حراكاً مداره «نحن نريد أن نكون»، من هنا جاءت صلابة الأبنية النظرية، فنحن من نصنع هويتنا، أو كما قالها محمود درويش شعراً: «سأصير يوماً ما أريد».
الآن نحن نعيش من دون هذا القلق، ولا ينتابنا أي هاجس، ندرك أننا عرب، ولا يتبع ذلك أي نقاش حول سؤال: ماذا يعني كوننا عرباً نعيش في القرن الحادي والعشرين؟ وهل هناك متغيرات تفرض علينا النظر في هويتنا؟ وهل هذه المتغيرات مفروضة علينا أم استجابة طوعية لأحداث الراهن المتلاحقة؟
ما حدث على مستوى الثقافات والمجتمعات، حدث أيضاً على مستوى الأفراد. كان الإنسان محصلة أسئلة واختيارات، ويقوم بعدة وظائف يناغم بينها، هناك البيت والمدرسة والعمل والحياة الخاصة، كانت التربية صلبة والحياة الواقعية أكبر معلم، فنشأت شخصيات واضحة المعالم، تتسم بقوة وملامح واضحة، كان كل إنسان يختار كيف يريد أن يعيش، لم تكن هذه الصورة عامة جداً، ولكنها كانت موجودة بقوة، بعكس الآن تماماً، حيث يبدو أننا أمام بشر بلا ملامح، شخصياتهم مستنسخة، وملامحهم الخاصة باهتة، وقناعاتهم غائمة، لا يختارون كيف يعيشون، ولكنهم يودون العيش فقط. وفارق كبير بين التوجهين، هنا تبدو الهوية الإنسانية الشخصية فاقدة لصلابتها بدورها، وتعيش هي أيضاً في حالة سيولة مستمرة.
لم يعد يشغلنا في الراهن هاجس«النحن» في توازنها مع «الأنا»، ولم نعد نفكر في كيفية الاستفادة من الروح الجمعية ومزايا الفردانية معاً، وباتت الحدود بينهما ضائعة والهويات مشتتة ومتداخلة.
لماذا نثق بالقديم دائماً؟ والأكثر إثارة للدهشة أن معظمنا يثق في هذا القديم حتى لو كان هناك من يشعر بشك تجاهه، هل يرجع ذلك إلى حكم العادة؟ كما يقال، هل نعتبر أن كل قديم أصيل؟ هل هو حنين كاذب تجاه الماضي؟ هل المسألة مجرد وفاء للذكريات؟
نحن نعيش فتنة القديم على المستويات كافة، وننتقد الجديد، وكل ما نجهله، وربما نرفضه أيضاً من مختلف أبعاده، لنأخذ مثلاً نموذج الإعلام، فالآن هناك حنين جارف إلى زمن قوة الصحافة الورقية والإعلام الموجه، ومصادر الأخبار التي نعتبرها الآن تقليدية، ونسينا أن قراءة الصحف لم تكن متاحة للجميع، وأن الإعلام الموجه ارتكب كوارث عدة، وأنه شكّل العقول تارة وعبث بها تارة أخرى، والآن الأخبار متاحة للجميع، والآراء متداولة ومطروحة على مدار الساعة وفي كل مكان، ويستطيع الإنسان الاختيار في مصادر معلوماته بين أكثر من بديل من خلال وسائل ذات مشارب متعددة ومتباينة، ولكن الجديد بقدر ما رسخ الفردية والوفرة فإنه جذّر التشتت والبلبلة، وهنا علينا أن ندرك أن كل عصر له سلبياته وإيجابيات، وأننا لا يجب أن ننجذب بعواطفنا وعقولنا إلى القديم بأكمله أو الجديد بكل فضاءاته.
هذه الصورة سنجدها متكررة في مختلف مفاصل نشاطنا الذهني، ففي الفكر أيضاً كان هناك دائماً من يؤيد القديم، ويستهجن الجديد، من يناصر أساليب البحث والنظر إلى الأمور والأشياء ورؤية العالم بنظرة عتيقة، وكنا نطلق عليه رومانسي النزعة لا علاقة له بالواقع، وكان هناك من يقدم المصلحة ويحسب خطواته قبل اتخاذ قراراته، الأول يتسم بالجرأة والثاني بالتعقل، ولكل منهما طريقة تفكيره الخاصة، ولكل منهما عيوبه ومزاياه.
في الأدب كان البطل المأزوم في الماضي يتسيد المشهد، وقرأنا الكثير من النماذج التي ملأتنا بالدهشة وعلقت في ذاكرتنا، ودفعتنا إلى التفاعل مع البطل، كانت الشخصيات آنذاك معيارية وقياسية تقدم النماذج التي يجب على الجميع تمثلها، ولكنها في النهاية كانت تصور شريحة من البشر، وتعبّر عن رؤاها وتطلعاتها وتفاعلها مع الواقع، ولم يكن الأدب معنياً بالبسطاء والمهمشين ولم يقارب أحلامهم، الآن يقدم الأدب النفس الإنسانية المسطحة ويستلهم كل ما هو سريع وعابر، وهنا لكل من القديم والجديد جمالياته ونقاط قوته ونقاط ضعفه أيضاً.
هذا الوضع تكرر في الفلسفة، ففي الماضي شيد الفلاسفة الأبنية النظرية الكبرى، والأفكار والتنظيرات ذات الثقل والوزن والتي تحتاج إلى دراسة وبحث بقدر ما تدفعنا إلى التفكر والتأمل، والآن إن وجدت الفلسفة فهي موجهة لرجل الشارع البسيط، يأخذ منها بقبس وهذا أفضل من الماضي حيث حُرم الإنسان العادي من الفلسفة.
الحال نفسها سنجدها في مختلف مفاصل حياتنا، ولكن علينا أن ننظر للأمر بموضوعية وعقلانية، فالقديم لا يتسم بالإيجابية على طول الخط، ولا يمكن أن نضع فيه ثقتنا المطلقة، ولا يجب أن يثير الجديد الشك والريبة والنفور، ولكل منهما جوانبه المظلمة والمضيئة، المهم أن نحسن الاختيار وتقييم الأمور.
يحيى زكي
لم يعد هناك ما يثير الدهشة، ونعني هنا الدهشة الحقيقية التي تحفز العقل ويتولد عنها الإبداع والابتكار. أصبح كل شيء يدور في فلك العادي وغير المؤثر والذي لا يحركنا من الداخل، وعندما تتسع عينك في حوار مع أحدهم مندهشاً من مقولة أو فكرة، كثيراً ما ينظر إليك محدثك بغرابة قائلاً: «هل لا تزال تشعر بالدهشة؟».
هذا السؤال يختزن بداخله دلالات عدة، فلا شيء بالفعل بات يثير العقل ويدفعه إلى التوقف، فضلاً عن اعتبار الدهشة نوعاً من الفطرة أو البراءة وأحياناً السذاجة، وكلها أشياء تجاوزها العالم.
لقد تغيرنا تماماً، على المستوى النفسي والقيمي والسلوكي، ونتيجة للتعرض السيال للصور أصبحنا نشاهد كل شيء، ولا نرى أي شيء، في الوقت نفسه، ففارق كبير بين المشاهدة والرؤية، الأولى فعل سلبي ومجرد تعرض لمشاهد متعاقبة، هي عملية ميكانيكية تخلو من الأنسنة، أما الثانية فتدبر وتفكر تعقبه رؤية، هنا اقتراب أكثر من البصيرة، ونحن الآن نعيش عصر البصر والمشاهدة، أصبحنا روبوتات لا تعنينا إلا حاجتنا المباشرة ومشاكلنا الآنية الملموسة، ولا نرى أبعد مما يقع أسفل أقدامنا، وتوقفنا عن الاندهاش بما يحدث حولنا، وتوقفنا عن تأمل مفارقات العالم المحيط بنا، ولنتخيل أحد أجدادنا لو جاء ليعيش في راهننا فسنرى الدهشة في عينيه إزاء كل شيء، دهشة لا تتعلق فقط بالتقدم العلمي، لكن تجاه كل مفاصل حياتنا وطرائق تفكيرنا وتعاملنا مع الذات والآخرين.
غياب الدهشة وسيادة ثقافة الصورة أو المشاهدة، كلها مفاصل غيّرتنا تماماً، بات بعضنا يتسلى بمناظر مأساوية وربما يعلق عليها بسخافة، ولا تستوقفنا المعلومة الجديدة حتى لمن يطالعها في كتاب، فالبرودة واللامبالاة وعدم الاهتمام مشاعر وصلت إلى أكثرنا جدية وأعني القراء، والذين وقعوا بدورهم أسرى للصورة وتبعاتها، يعبرون صفحات الكتاب كما يمررون مقاطع الفيديو على شاشة الهاتف.
قيل قديماً إن الفلسفة ابنة الدهشة، كان الناس لا يفهمون العالم، الذي يمتلئ بالألغاز والأحجيات والغموض، وكلها مظاهر استوقفت رجالاً فكروا بطريقة تجريدية، فجاءت الفلسفة كأهم إضافة للعقل البشري حتى الآن.
وكما نبتت الفلسفة من الدهشة، كذلك الفنون والآداب، فبجانب الفيلسوف كان هناك رجال من نوعية أخرى أدهشهم تعقد النفس البشرية وتقلباتها وثرائها في الوقت نفسه، فأبحروا فيها وكتبوا لنا شعراً وأدباً لا يزال يعيش بيننا حتى الآن، وتكررت الحال نفسها في الفنون والعلوم والعمارة.. الخ.
كانت الحضارة بأكملها ثمرة الدهشة، لا يمكن أن تبدع أو تبتكر أو تطرح فكرة جديدة، من دون أن تتأمل بروية ما يحدث أمامك، ولا بد أن يتكرر هذا الفعل دوماً وتقوم به شرائح واسعة من البشر، وعبر الفرز بين هؤلاء ينتج لدينا الفيلسوف والأديب والفنان والعالم، أما إدمان التطلع في الصور، واللهاث وراء التعليقات على المواقع المختلفة، وتشتت الانتباه بين أكثر من عمل في الوقت نفسه فلن يؤدي إلا إلى تراجع قدرتنا على الإنتاج الحضاري.
يحيى زكي
يبدو أننا نعيش في عصر يتمتع فيه الجهل بجاذبية كبيرة وقدرة غير مسبوقة على الانتشار، والجهل في هذا العصر بخلاف الفترات السابقة يتميز بقدرته الفائقة على استخدام أحدث ما وصلت إليه التكنولوجيا الحديثة، بل إنه يستخدم تقنيات وحجج العلم نفسه، ما يجعلنا نشعر أننا أمام جهل مركب، والملاحظة الثانية أن هناك من يدافع عن هذا الجهل بقوة وكأنه يدافع عن العلم.
في الماضي كان الجهل يتسم بالضعف ويمارس في أماكن مهمشة وطرفية، ويستخدم أدوات بدائية، ويناقض الحداثة بكل صورها وأشكالها، وكان الجميع يعرفون أن ما يقدم لهم ليس أكثر من جهل، ويحذرون منه. الآن الصورة انقلبت تماماً. والجهل في هذه الأيام أيضاً يلعب على كل ما هو مثير وغرائبي ومدهش ويدعو إلى التساؤل، فالعادي والمكرر والمعروف لا يجعلنا نتوقف أمامه أو ننتبه إليه، فعندما قالت كل المعتقدات والأديان والنظريات العلمية إن الماء مفيد وهو أساس الحياة، تحولت المعلومة إلى حقيقة تداولها البشر لآلاف السنين، ولم تعد تلفت انتباه أحد، أما عندما يقول بعضهم الآن على مواقع التواصل إن الماء مضر بالصحة، تتحول المقولة إلى «ترند»، تلحقها مجموعة «ترندات» أخرى، تتناول بالنقد أو النقض كل ما عرفناه سابقاً ويتعلق بالطعام أو الصحة، وهي «ترندات» لا يتردد أصحابها في دعم وجهة نظرهم بمقولات علمية، وتعتمد أمثال تلك «الترندات» على آليتين متتاليتين، الأولى إثارة الغرابة، والثانية الركون إلى معلومات علمية، ولكنها في النهاية وبعد التفكير العميق ندرك أنها ليست أكثر من لعب على نغمة الجهل.
الموضوع في مواقع التواصل لم يعد يتعلق بالصحة أو العلم، ولكن بالتاريخ أيضاً، عندما يخرج علينا أحدهم ويردد مقولة تنسف حقيقة تاريخية راسخة، هو لا يكتفي بذلك، بل يتسلح بتحليلات وشواهد ونتائج تؤيد أطروحته في غياب شبه تام للمؤرخين الحقيقيين. ومن يستثمر التاريخ في «الترند» لا يتورع عن تناول الدين بكل ما يمكن أن يثيره هذا الحقل من حساسية وسوء فهم وكراهية بين أتباع المذاهب والديانات المختلفة. مظهر آخر للجهل نجده في نظريات المؤامرة أو تلك الأفكار التي تقدم لك وجهة نظر مختلفة ومباينة تماماً لقضية ما، كنت تحسب نفسك تعرف بعض جوانبها فيأتي صاحب نظرية المؤامرة بكل ما هو غريب وعجيب من أجل أن يجتذب متابعين له.
الخطورة في الجهل فائق الحداثة، إن جاز التعبير، أنه لا يتوقف عند كل هذه المفاصل، بل هو يتسلح بالزيف والكذب، عندما ينشر فيديوهات ومقاطع مصورة كاذبة عن وضع ما، ويروج لها عند الآخرين الذين لا يعيشون في المكان المعني بالأحداث ليرسم صورة مغايرة تماماً للحقيقة، ولكنها للأسف صورة كاذبة تلعب كما قلنا قبل ذلك على كل ما هو غريب وعجيب وخارج على المألوف.
إذن نحن أمام جهل قوي وشرس، يستخدم أدوات حديثة، يكذب، ويخدع الوعي، ويستخدم منهجية العلم، ويوظفها في الإضرار بالبشر، ورحم الله ذلك الجهل البسيط الذي كنا نعرفه جمعياً ونتجنبه، والآن نبتسم ساخرين من سذاجته.
يحيى زكي
لا يمكن العودة إلى الماضي بأي حال من الأحوال، تلك حقيقة بدهية على المستوى العلمي الفيزيائي، ولكننا نعني هنا الماضي التاريخي، أي كل من يحاول استلهام الماضي أو إعادة إحياء أحداثه أو الامتداد بها لتحكم الحاضر أو تؤثر فيه، وبهذا المعنى سنجد الغالبية العظمي من البشر تحاول إعادة الماضي أو تعيش فيه ذهنياً أو وجدانياً.
إن استلهام أحداث الماضي ووقائعه وأفكاره ضرب من التوهم يعتري البشر، وهو نزوع مستحيل، وربما نتطرف هنا ونقول إن مجرد الاستفادة من الماضي لا محل لها من الإعراب، وذلك لأننا بعكس الشائع ندرس الماضي فلا نتعلم منه، ولا نستفيد من نقاطه المضيئة، ونكرر الأخطاء نفسها على مستوى الأفراد والشعوب، وكأن التاريخ في أخطائه ولحظاته المظلمة درس لا نهاية له يتعلمه طالب يتسم بالغباء أو عدم الانتباه.
على المستوى النظري البحت، تتطلب إعادة الماضي إحياء الظروف نفسها التي وقعت بقواها الفاعلة وحتى أطرها النظرية، وهذا مستحيل. أما مبررات من يرفعون شعار العودة إلى الماضي فهي تنقسم إلى قسمين، الأول فكري، فالماضي كان أفضل من الحاضر، وبعضهم يعتقد أنه كان جنة وردية، وهي رؤية تاريخية شبه عقائدية، تذهب إلى أن الزمن يسير من سيئ إلى أسوأ، في هذا الجانب سنجد أصحاب الأفكار والأطروحات التي تتوقع نهاية الزمان برؤاها الكابوسية.
القسم الثاني داخل هذه الرؤية تاريخي، فهناك من يحاول أن يثبت بطرائق عدة أن الماضي كان أجمل من الحاضر، وهي دعوة لا تثبت أمام النقد الموضوعي، فالبشر في حقيقة الأمر يسيرون نحو «الأمام» بكل ما تحمله الكلمة من معنى ومغزى، وعلى المستويات كافة، التعليم والصحة ومستويات المعيشة والقدرة على التواصل، والأهم من ذلك أن أفكاراً وقيماً مثل الحرية والإخاء وحقوق الإنسان باتت معروفة على نطاق واسع وتلقى قبولاً عند جميع البشر، بغض النظر عن تحققها على الأرض، وإذا عدنا إلى الماضي فسنجد هذه الأفكار تتعلق بأقلية نخبوية كانت معزولة وينظر إليها شزراً أو بتحفز وأحياناً بريبة.
هناك بعض السلبيات التي ترافق التقدم بالطبع مثل تخوفنا على قوة ومتانة العلاقات الاجتماعية وتزايد اغتراب الإنسان واكتساح ثقافة التكنولوجيا فائقة الحداثة، ولكن كل هذه السمات بمثابة ضريبة التقدم.
هناك فريق آخر ممن ينظر إلى الماضي برومانسية على أساس أن الصراعات في الحاضر باتت لا تحتمل، ولكن هذا الفريق ينسى أو يتناسى أن أكثر الحروب شراسة، والتي كانت تلون الأنهار بالأحمر نتيجة للمذابح والجرائم البشعة، وأشد الأوبئة فتكاً التي كانت تقتل نصف سكان هذا المكان أو ذاك، كلها أحداث وقعت في الماضي، تحفظها بطون كتب التاريخ.
يتبقى لدى عشاق الماضي أو دعاته فكرة تعزية النفس فما حدث انتهى وعرفناه، والخوف من المقبل يظل في دائرة المجهول، وكل مجهول يثير التحسس، وهو نزوع فطري وبدائي.
لن نتقدم إلا بترسيخ رؤية تتخلص من الماضوية، ولا تؤمن إلا بضرورة الانخراط في المستقبل وتستكشف المجهول بنزوع جمالي.