د. ندى أحمد جابر *

تلك هي الهدنة الغاضبة.. اتفاق يُجمد القتال من دون أن يطفئ ناره، ويمد يداً للمصافحة في حين اليد الأخرى تشد على الزناد..
يقول التاريخ إن الهُدن التي توقع وسط الغضب تُعبّر عن تعب لا قناعة، وعن اضطرار لا عن رغبة في صلح. طرف يجرّ القلم كأنه يجرّ سيفه المَهزوم، وآخر يُوّقع وهو يحسب الوقت الذي يفصله عن الجولة التالية. لا تصنع هذه الهدن سلاماً، بل صمتاً مُسلحاً يتغذى على الشعور بالمَهانة ليعود مدوياً كانفجار بركان. يقول المفكر الفرنسي ريمون آرون واصفاً هذا النوع من الصلح أو السلام: «سلام بلا عدالة ليس سوى استراحة حرب». أما الكاتب جورج أورويل 1984 فلمح إلى «أن السلام بين غير المتكافئين يولد حرباً مؤجلة».
في اتفاقية فرساي الشهيرة 1919 أكبر مثال على الهدن الغاضبة التي أدت إلى حرب جديدة. وفي اتفاق ميونخ عام 1938 عندما قدّم تشامبرلين لتشرشل ورقة السلام مع هتلر، قال الأخير عبارته الخالدة: «لقد اخترتم العار على الحرب وستحصلون على كليهما» بعد عام فقط كان الدخان يتصاعد فوق أوروبا.
أما في منطقتنا العربية، فقد شهدنا اتفاقية الهدنة العربية الإسرائيلية عام 1949 التي أوقفت الحرب من دون أن تنهي الصراع. كانت هدنة على حساب الجرح الفلسطيني وصفها المفكر إدوارد سعيد بأنها «إعادة ترتيب للظلم أكثر من كونها تسوية له». لأن القضايا الجوهرية بقيت بلا حل. وفي كتاب أورويل ذكر أيضاً «السلام المزيّف لا يُبنى على التفاهم، بل على الخوف من الجولة القادمة». وهذا ما يجعل الهدنة الغاضبة فخاً نفسياً، فحين يُوقعّ المَقهور على ورقة لا يقتنع بها، يترك فيها بصمات انتقامه المؤجل.
وفي السياق العربي الحديث، عبّر الكاتب محمد حسنين هيكل عن هذه الحالة بدقة حين قال: «ليست كل هدنة فرصة للسلام، بعضها استراحة مُقاتل يَلعَق جِراحه ليتابع الحرب القادمة».
تاريخ الهدن الغاضبة يُعلمنا أن السلام الحقيقي لا يُبنى على الغَلبة، بل على العدالة. ما لم يتم إعادة التوازن بين الكرامة والخسارة، ستظل الهدنة حبلاً ممدوداً فوق فوهة بركان». إن الهدنة التي لا تعالج أسباب الصراع هي فخّ مؤقت، قد يربح فيها المنتصر معركة ويخسر الاستقرار. وقد يخسر فيها المَهزوم وتُدمَر أرضه وقد تُحتَل أجزاء من أراضيه، لكنه يكسب ذاكرة الأجيال.. علمتنا دروس التاريخ أن اتفاق وقف إطلاق نار لا يُوقِف العقول ولا القلوب التي تشعر بالظلم. السلام الحقيق يحتاج إلى توازن حقيقي «توازن كرامة» لا «توازن رعب». أم الهدن الغاضبة فلا بد أن تعود بوجه جديد.
إن كانت النيات هي البحث عن سلام حقيقي ودائم، فالقاعدة العامة التي يُبنى عليها السلام هي العدالة. لا يمكن أن ينمو السلام في أرض يشعر فيها الشعب أنه خاسر ومهدور الحق. فلسطين المثال الصارخ: لا يمكن أن يكون سلاماً طالما هناك احتلال وتهجير وحرمان من تقرير المصير. كل اتفاق لا يتضمن عدالة سيبقى هدنة مؤقته تنتظر انفجارها القادم. الذاكرة في المنطقة ليست مجرد ماضٍ، بل حاضر يتنفس. لا سلام من دون مواجهة التاريخ بشجاعة واعتراف بأن الهُدن السابقة كانت مجرد طلاء على جدارٍ مُتصدِع. السلام الحقيقي يبدأ عندما يشعر الفرد أن كرامته غير قابلة للمساومة. مشكلتنا هي في ثقافة السلام. إن الشرق الأوسط اليوم يشبه حديقة امتلأت بالأشواك لأن أحداً لم يتفرغ لتقليمها. السلام ليس أن نرمي المقص وننتظر معجزة، بل أن نبدأ بجرأة في إزالة الأشواك العالقة في أذهان الناس والتي تتوارثها الأجيال وتغذيها الوسائل الإعلامية التي تدار من غرف تديرها التدخلات الدولية التي لا ترى في المنطقة شعوباً، بل مصالح وسلع تفاوضية..
باختصار الشرق الأوسط ليس بحاجة إلى المزيد من الاتفاقيات الغاضبة التي لا تلد سوى ثورات جديدة، بل إلى إعادة هندسة الوعي الثقافي لدى كامل الأطراف المُتصارعة. السلام الحقيقي لا يولد على طاولة المفاوضات، بل في لحظة تدرك فيها جميع الأطراف أن الصراع أصبح أكثر كلفة من الجرأة على إنهائه. وفي التاريخ أيضاً أكثر من حرب طويلة انتهت بسلام عادل بعيداً عن تلك الهدن الغاضبة.. مثلاً حرب الثلاثين 1618، الحرب الأهلية الأمريكية، ونظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. اللائحة تطول.. واتفاقية السلام ليست حلاً مفقوداً.. المفقود هو الرغبة الحقيقية لدى الدول ذات المصالح الإقليمية، بسلام يُشرق بشرق بلا منازعات. المفقود هو الوعيّ الداخلي بأنها أرض السلام الجامع، لا يمكن أن تكون أرضاً كبرى لدولة واحدة، بل هي.. أرض تعايش بين مختلف المذاهب والأديان.
.. هي أرض قدستها كل الكتب السماوية.. ودنسها طمع الإنسان.

* كاتبة وباحثة في الدراسات الإعلامية

[email protected]