المضائق البحرية، شرايين التجارة العالمية.. لكن ماذا لو تحولت الى «بوابات جباية»؟ يتردّد هذا السؤال في الصحف العالمية مع تفاقم الأزمة في مضيق هرمز، وإصرار إيران على تقاضي رسوم عبور، في سابقة لم يشهدها التاريخ المعاصر، ولا القديم. فمنذ الأزل وجدت هذه الممرات البحرية الطبيعية لتسهيل مرور السفن، وتسهيل التجارة العالمية التي تستفيد منها الدول التي تقع جغرافياً على ضفة مضيق، وتستفيد منها باقي دول العالم. ومنذ أعلنت إيران عزمها على استيفاء رسوم مرور انبرت الصحف بتذكيرها بقانون البحار الذي يمنع هذه الرسوم.
وردّ المدافعون بأننا في زمن لا تُحترم فيه القوانين الدولية في غزة ولا في لبنان، فلماذا يجب أن تُحترم في المضيق؟
الجواب العاقل: هو أن الوضع هنا يختلف، لو كانت الرسوم تُعتبر مسألة عابرة بسبب الظروف الأمنية، وتؤخذ بسبب تأمين المرور الآمن في زمن التوتر، مع تأكيد أنها ستتوقف بعد الحرب، قد تجد من يبررها، ولو أنها غير قانونية. لكننا اليوم نواجه خطراً مهماً هو محاولة تكريس الوضع المؤقت الى دائم. وبدأ الحديث عن تأكيد حق إيران في الاستمرار في تقاضي الرسوم، وحتى هناك من تحدث عن مشاركة فيها.
إذن، الخطر هنا يستحق أن نتوقف ونوضّح ارتداداته الاقتصادية على العالم كله. وقبل أن نبدأ، يجب أن نفهم الفرق بين القنوات المائية التي تُحفَر داخل دول مُعيّنة تقتطع أجزاء من أراضيها، وتتكلف بفتح قنوات مرور لتسهيل التجارة، ويكون لها المردود الاقتصادي المباشر على العالم، مثل قناة السويس وقناة بنما. هذه الدول يَحق لها أن تتقاضى رسوم مرور، لكن للمضائق البحرية الطبيعة وضع مُختلف. هذه المضائق ليست مجرّد جغرافيا، بل نظام حياة للاقتصاد العالمي. لهذا المبدأ كانت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار ليست تفصيلاً قانونياً، بل قاعدة استقرار دولي.
لكن ماذا لو تم كسر هذا المبدأ؟ ماذا لو سرت «العدوى» الى باقي المضائق العالمية، وتحولت جميعها الى نقاط تحصيل رسوم؟ لفهم خطورة ذلك، يجب أولاً أن نذكر أهميتها. مضيق «باب المندب» الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، أيّ اضطراب فيه يعطل تجارة أوروبا وآسيا.
مضيق «ملقا»، وهو بين ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة وهو أحد أكثر الممرات ازدحاماً، ويعتبر شرياناً رئيسياً لتجارة الصين واليابان. وهناك المضائق الأوروبية مثل مضيق «جبل طارق» الذي يربط البحر المتوسط بالمحيط الأطلسي، ويعتبر نقطة العبور بين أوروبا وإفريقيا. وأيضاً مضيق «البوسفور» الذي يربط البحر الأسود بالمتوسط. ومضيق «الدردنيل» ويعتبر بوابة استراتيجية لروسيا وأوروبا الشرقية. ومضيق «فلوريدا» بين أمريكا وكوبا. ومضيق «ماجلان» جنوب أمريكا الجنوبية. عدا عن مضائق كثيرة ذات أهمية كبيرة في تسهيل المرور البحري الآمن الذي يحتاج إليه العالم كله، مثل مضيق «الدانمارك»، ومضيق «تايوان» الذي يُعتبر اليوم محور توتر عالمي في تجارة الإلكترونيات.
مما سبق نجد أن كسر حرية الملاحة خطر سيؤدي الى تفكك النظام التجاري العالمي. وإذا سرت هذه «العدوى» سيكون العالم أمام أخطار ارتفاعات غير مسبوقة في أسعار الطاقة والغذاء، وغيرها، وأول من سيتضرر ويدفع الثمن الدول الفقيرة والمستهلك العادي. ما يُكرّس في مضيق لا بد أن ينتشر في باقي المضائق فتتحول إلى نقاط ابتزاز اقتصادي، ويجد العالم نفسه أمام عسكرة الممرات الطبيعة في سابقة خطرة. الدول ستسعى لحماية تجارتها بالقوة، ما يدفع لزيادة الأساطيل العسكرية، وارتفاع احتمال المواجهة. ومع انهيار مبدأ قانون حرية الملاحة عالمياً سينهار مبدأ هو أحد أعمدة الاستقرار التجاري، كسره يعني عودة «قانون القوة» بدل القانون الدولي، وفوضى في إدارة البحار. علينا أن نعي أهمية الحفاظ على هذا النظام الذي إن انكسر سيضرب سلاسل الإمداد ويعطل الصناعات، ويزداد ارتفاع التأمين البحري.
المضائق ليست مجرد ممرات في البحر، هي الأصل في الاقتصاد العالمي. إن تحويلها الى «بوابات جباية» لا يعني زيادة رسوم فقط، بل إعادة تشكيل النظام العالمي، ونقل الصراع من البر الى البحر. فتصبح التجارة رهينة الجغرافيا. لهذا، فإن الدفاع عن حرية الملاحة في هرمز ليس موقفاً قانونياً فقط، بل ضرورة اقتصادية عالمية. إن القبول بقرار الجباية في مضيق هرمز، يفتح الباب أمام تكرار النموذج.
إن قراراً بهذه الخطورة.. يدفع العالم الى هوة لا قرار لها.
[email protected]
كاتبة وباحثة في الدراسات الإعلامية
د. ندى أحمد جابر*
على مدى سنوات، بنت دول الخليج رؤية اقتصادية بعيدة المدى، لم تكتفِ بحماية تدفق النفط، بل أعادت صياغة اللعبة من حيث تنويع المَسارات، توزيع المخزون عالمياً، وتحويل الأزمات الى فرص مالية. وهكذا لم يعد مضيق هرمز العامل الحاسم في مصير صادرات النفط الخليجية كما كان في الماضي. اليوم ورغم التوترات، يبدو الاقتصاد الخليجي في موقع الجاهزية والقدرة على الاستمرار. في الإمارات، تم تحويل التحدي إلى مَيّزة استراتيجية عن طريق ميناء الفجيرة وهو منفذ خارج المضيق وأصبح أحد أهم مراكز تخزين النفط عالمياً. خط حبشان-الفجيرة يضمن تدفق النفط مباشرة إلى بحر العرب. كما للإمارات استثمارات في التخزين الدولي، خاصة في آسيا.. ماذا يعني ذلك؟ الإمارات لا تضمن فقط استمرار التصدير، بل أصبحت مِنصة عالمية لإدارة وتخزين الطاقة، وهو دور يزداد أهمية مع كل أزمة.
الكويت تعتمد على تنويع الأصول والانتشار العالمي لضمان استمرار التدفق الاقتصادي. الكويت لا تعتمد على التخزين داخل حدودها، بل تمتلك حضوراً مهماً في التخزين والتكرير خارج أراضيها، وهذا جزء أساسي من استراتيجيتها لضمان الاستقرار في التصدير. الكويت تعتمد امتلاك ومشاركة في مصافٍ خارجية لضمان تخزين النفط قرب الأسواق العالمية. يتم ذلك في أوروبا حيث تمتلك استثمارات كبيرة عبر شركة البترول الكويتية الدولية. ولها حضور قوي في موانئ أوروبية حيث يتم تخزين النفط لتغذية السوق الأوروبي مباشرة. تمتاز الكويت بأنها لا تتجاوز المضيق فقط خلال الأزمات، بل تقلل الحاجة إليه مع مرور الوقت.
السعودية بدورها لها شبكة تصدير تتجاوز الجغرافيا. بالنسبة للسعودية، لم يكن الهدف مجرد التصدير، بل ضمان السيطرة على مساراته: خط شرق-غرب يصل إلى البحر الأحمر دون المرور بمضيق هرمز. وللسعودية أيضاً شبكة. تخزين دولية في أوروبا وآسيا.
في قطر، رغم أنها تأثرت من الهجوم الإيراني لكن لم تتعطل بشكل يهدد قدرتها على الاستمرار أو الوفاء بالتزاماتها العالمية في تصدير الغاز. قطر قادرة على الاستمرار بفضل بنية تحتية مُترابطة. لدى قطر أسطول ناقلات ما يعتبر مخزوناً مُتَنقلاً. هذه الناقلات تخزن الغاز أثناء النقل ويمكن إعادة توجيهها حسب الحاجة، ما يمنح قطر مرونة استثنائية في التصدير. جديرٌ بالذكر أن لدى قطر عقود طويلة الأجل ترتبط مع دول كبرى تضمن استمرار التدفق بعيداً عن المضيق.
في عُمَان، مَيّزة موقعها فهي خارج معادلة الأزمة الجغرافية نفسها. موانئ مثل الدقم تقع خارج المضيق مع وصول مباشر للمحيط الهندي. ولديها مشاريع تكرير وتخزين مُتَنامية. عُمَان تقدم نموذجاً فريداً هو التصدير من دون الحاجة للمرور بنقطة توتر.
البحرين دورها يتركز في التكرير والخدمات، ما يُضيف مرونة لمنظومة التخزين العالمي، الذي يعتبر اليوم الورقة الرابحة في الأزمة. إن أهم ما يميّز الاستراتيجية الخليجية اليوم هو (تخزين النفط) الذي تم في موانئ أوروبية مثل هولندا وآسيا واليابان وكوريا الجنوبية والصين. أهمية هذه المخازن أنها قريبة من الأسواق النهائية وقادرة على التوريد من دون انتظار الشحن من الخليج. بمعنى آخر هذه الرؤية الاقتصادية المهمة استعدت دول الخليج لإدارتها بحكمة بدأت بعد أزمة 1990. هذه الرؤية البعيدة المدى جعلت اقتصاد الخليج في مأمن من تداعيات إغلاق المضيق، إذ لم يعد النفط الخليجي «سجيناً» في الخليج، بل أصبح موزعاً عالمياً وجاهزاً للبيع فوراً. ومع ارتفاع أسعار النفط نجد أن الاقتصاد الخليجي أجاد الاستفادة بتحويل الأزمة إلى فرصة. الأسعار ترتفع عالمياً والطلب يبقى قائماً، هنا تكمن القوة حيث إن بيع النفط بأسعار أعلى يأتي تعويضاً عن أي تأخير في الكميات وتحقيق فوائد مالية إضافية، ومع ارتباط معظم العملات الخليجية بالدولار يتعزز الاستقرار المالي.
وهكذا نجد أن إغلاق المضيق لم يغلق ازدهار الاقتصاد الخليجي الذي تَعلم كيف يتجاوز الأزمات. ما نشهده اليوم ليس اختباراً طارئاً، بل نتيجة تخطيط استراتيجي طويل. الخليج لم ينتظر الأزمة ليتحرك، بل استعد لها منذ سنوات باعتماد ممرات بديلة، وتخزين عالمي، واقتصاد مرن وقدرة على الاستفادة من الأسعار.
فالصورة الاقتصادية الواضحة اليوم هي أن اقتصاد الخليج قادر على تخطي الأزمة العابرة بثقة، وتحويلها إلى فرصة، وتأكيد حضوره كركيزة أساسية في الطاقة العالمية.
.. الخليج أثبت أنه ليس محاصراً بالجغرافيا، بل هو أقوى منها.
[email protected]
* كاتبة وباحثة في الدراسات الإعلامية
في الحروب، عادة يتصدر المشهد الدمار والخراب، لكن تحت هذا الركام تدور معركة أخرى أكثر هدوءاً وأشد أثراً، معركة المال. وفي الحرب الحالية تبدو المفارقة قاسية، فبينما تخسر إيران أمنها الاقتصادي وتدفع إسرائيل كلفة عسكرية كبيرة ومالية مُتَصاعِدة، ويُصاب العالم بصدمة طاقة وتضخم وقلق، يخرج الدولار مرة أخرى باعتباره المُستَفيد الأكبر، لا لأنه لم يتضرر، بل لأنه بقي الملاذ الأول حين خاف الجميع.
منذ اندلاع الحرب الحالية أواخر فبراير/شباط 2026، قفزت أسعار النفط بقوة، وأشارت «رويترز» إلى أن خام برنت يتجه إلى أكبر قفزة شهرية في تاريخ استطلاعها، مع صعود بنحو 60% منذ بدء الحرب، فيما عدّ محللون هذا الارتفاع، الأشد منذ صدمة حرب الخليج عام 1990. هذا الارتفاع لم يبقَ مسألة طاقة فقط، بل تحول فوراً إلى وقود للتضخم، وتهديد للنمو، ودافع لعودة الرساميل إلى الأصول الأمريكية السائلة.
هنا تظهر القاعدة التي تكررت تاريخياً: حين يتسع الخوف، لا يبحث المستثمرون أولاً عن العدالة، بل عن السيولة، وفي النظام المالي الحالي، السيولة الكبرى لا تزال أمريكية.
لذلك ارتفع الدولار في مارس/آذار، مدفوعاً بطلب الملاذ الآمن، وأشارت «رويترز» إلى أنه كان في طريقه لأقوى مكاسبه الشهرية منذ قرابة عام. المُفارقة الأوضح أن الذهب الذي جرت العادة أن يكون نجم الحروب، لم يؤدِّ الدور التقليدي نفسه هذه المرة. فبحسب «رويترز» ورغم بعض الارتدادات اليومية، كان الذهب في مارس/آذار الماضي يتجه إلى أسوأ أداء شهري مُتأثراً بارتفاع الدولار والمخاوف من بقاء الفائدة مرتفعة نتيجة صدمة النفط. أي أن الحرب لم تدفع السوق إلى الذهب، بل دفعته إلى الدولار وسندات الخزينة الأمريكية.
جديرٌ بالذكر أن هذا ليس أثراً نفسياً عابراً، فالدولار لا يزال رغم كل الحديث عن «نهاية الهيمنة»، العمود الفقري للنظام المالي العالمي. بمعنى آخر العالم الذي ينتقد النظام المالي العالمي ويفتّش عن البديل، نجده اليوم عند الهلع لا يجد ملاذاً يُمَاثله في العمق والحجم والسرعة. فقبل اندلاع الحرب كان النظام المالي يعيش حالة شك غير مَسبوقة. كثرت الدعوات إلى تقليل الاعتماد على الدولار، وكثر الحديث عن نظام مُتَعدد العملات. لكن مع أول صدمة عسكرية، انهار الخطاب سريعاً. أظهرت تقارير من مؤسسات اقتصادية عالمية، أن الخوف لا ينتظر النظريات، بل يبحث عن الأمان.
انسحب المستثمرون من الأسواق الناشئة والأصول الخطرة واتجهوا نحو الدولار باعتباره الأكثر سيولة واستقراراً. هذا التحول ليس تفصيلاً عابراً، بل إشارة إلى أن النظام المالي لم يتغير، بل أعاد إنتاج نفسه حول الدولار. المفارقة الأكبر، أن الدول التي أشعلت الحرب.. خسرت أمام الدولار. حتى أمريكا نفسها لم تربح.
ففي كتاب «حرب الثلاثة تريليون دولار» للكاتب الاقتصادي جوزيف ستيغلتز Joseph Stiglitz، يوضح أن الحرب رغم تعزز الطلب على الدولار تفرض كُلفاً باهظة على الاقتصاد الأمريكي، وتزيد التوترات. إيران تبدو في هذا المشهد الخاسر الأكبر. كيف؟
مع ارتفاع الدولار تدفع إيران ثمناً مُضَاعفاً أمام تراجع قيمة العملة المحلية وترتفع كلفة الاستيراد. ومع العقوبات تصبح هذه التأثيرات أكثر قسوة، حيث يعتمد الاقتصاد الإيراني بشكل كبير على التعاملات غير المباشرة المرتبطة بالدولار. بمعنى آخر الحرب لا تستنزف إيران عسكرياً فقط، بل مالياً أيضاً. أما إسرائيل فهي أيضاً تدفع الثمن، فهي رغم تفوقها العسكري إلا أن اقتصادها لا يبقى في منأى عن التأثيرات، هناك كلفة التمويل، وتراجع الاستثمارات، وضغط العملة المحلية.
دول الخليج وحدها تبقى في منطقة الأمان، فمعظم دول الخليج عملتها مرتبطة بالدولار وهي في وضع مالي مُستقر. هي في حماية من تقلبات الصرف، وهذا ما يجعلها أقل عرضة للصدمات النقدية التي تضرب بقية العالم. الكويت لا تتأثر لكون عملتها قوية ومرتبطة بسلة عملات (تشمل الدولار). وهذا يوضح أنه لا توجد دول خليجية تتضرر بشكل مباشر من ارتفاع الدولار.
وهكذا يمكننا القول إن الحرب أعادت الدولار إلى عرشه، في لحظة كان يُعتَقد فيها أن النظام العالمي يقف على أعتاب تحوّل تاريخي، وأن هيمنة الدولار تتآكل تدريجياً تحت ضغط العملات الرقمية، وصعود الصين، وتزايد الدعوات إلى نظام مُتَعدد الأقطاب.
جاءت الحرب لتقلب المشهد الاقتصادي خسر المتحاربون.. وانتصر الدولار.
[email protected]
كاتبة وباحثة في الدراسات الإعلامية
د. ندى أحمد جابر *
في الجغرافيا، يبدو مضيق هرمز خطاً مائياً ضيقاً، لكن في القانون الدولي هو مبدأ.. وفي الاقتصاد هو شريان حياة. حين يتحول هذا الشريان إلى أداة ضغط، لا تكون القضية نزاعاً إقليمياً بين دولتين، بل تتحول إلى سؤال أكبر:
هل يحق لأي طرف أن يحتجز ممراً يعبر منه غذاء العالم وطاقته؟ في القانون الدولي لم تُترَك هذه المسألة للسياسة أو المزاج. فوفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، تخضع المضائق الدولية لمبدأ واضح لا يحتمل التأويل: حرية المرور للسفن العابرة والطائرات من دون تعطيل.
هذا يعني أن مضيق هرمز، رغم وقوعه بين حدود سيادية، ليس أداة يمكن استخدامها في النزاعات. بل هو ممر دولي محمي قانونياً، لأن تعطيله لا يضر بدولة واحدة، بل بالعالم بأسره. هذا الوضع يدخل في صلب القانون الدولي للبحار والأمن الجماعي. هنا يحق للدول المُتَضَرِرة أن تتحرك قانونياً بمنع تحويل مضيق حيوي إلى أداة ضغط سياسي واقتصادي تتحمل تكلفته دول لا علاقة لها أصلاً بالحرب الدائرة حالياً. التحرك يحتاج إلى مسار قانوني ودبلوماسي مُتَكامل، وفي ظل إغلاق القنوات الدبلوماسية يبقى المَسار القانوني ضرورة. لماذا إغلاق المضيق غير مشروع؟ لأنه وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLS 1989) الذي ينص أن المضائق الدولية لا يجوز إغلاقها حتى في حالات التوتر السياسي. من حق الدول المُتَضرِرة المُطالبة بالتعويض. وذلك بتوثيق الانتهاكات، وإعداد ملف بالأضرار الناتجة عنها مع كامل تفاصيل الحوادث والتواريخ، بالإضافة إلى تقارير شركات الشحن والتأمين. ووضع كل البيانات بما فيها صور الأقمار الصناعية التي تُظهر حجم الضرر والخسائر والتحرك عبر مجلس الأمن الدولي الذي سبق وأدان الاعتداءات. هذه الإدانة الدولية مهمة لأنها تُستَخدم لاحقاً في المحاكم.
إذا فشلت الدبلوماسية الصامتة التي يعوّل عليها الجميع بالخروج من هذا المأزق، يبقى دور المحاكم ورفع دعوى أمام محكمة العدل الدولية على أساس: انتهاك قانون البحار، والإضرار بالتجارة الدولية، والتسبب في خسائر اقتصادية لدول لا علاقة لها بالنزاع. من حق هذه الدول أن تطالب بأكثر من وقف الانتهاكات وفتح الممرات، المطالبة بالتعويضات المالية. قد يكون اللجوء إلى (المحكمة الدولية لقانون البحار) أسرع في المنازعات المرتبطة مباشرة بالملاحة البحرية. فهي من ناحية أسرع من محكمة العدل الدولية ومختصة بقانون البحار. إن التحرك بالاتجاه القانوني أقوى في التأثير على الرأي العام العالمي خاصة مع حشد الدعم عبر تحالف دولي من دول مُتَضرِرة في كل من (الخليج، وآسيا وأوروبا).
يحق لهذه الدول إصدار بيانات مشتركة ورفع دعوى جماعية والضغط على المنظمات الدولية. يرى أكثر المراقبين أن التحرك الدبلوماسي يجب أن يواكبه التحرك القانوني ورفع دعاوى التعويض عبر المحاكم الدولية. كما أن هذا التحرك يضع المسؤولية القانونية على الدول المُسَببة للضرر، ما يُضعِف موقفها أمام الإعلام العالمي الذي تعاطف معها في البداية كونها دولة تعرضت للاعتداء، لكنه اليوم لا يرى مبرراً لرد الاعتداء عليها بالاعتداء على دول مُسَالِمة لا علاقة لها بهذا النزاع.
من المهم تسليط الضوء إعلامياً على أثر إغلاق المضيق، على الغذاء والطاقة وتحويل الإغلاق إلى قضية إنسانية عالمية. البلدان المُتَضرِرة لا تريد حروباً، لكن من حقها التحرك كي لا يتحول المضيق إلى ورقة ضغط، وهذا يعني تحويل الغذاء والطاقة إلى سلاح في سابقة خطرة في القانون الدولي.
المعركة ليست فقط على مضيق.. بل على مبدأ: هل يمكن لدولة أن تستخدم شريان العالم كورقة ضغط؟ القانون الدولي وجد ليحمي من لا علاقة لهم بالحروب. من المعروف أن الحروب كلها تنتهي على طاولة مفاوضات. لكن الحق في المطالبة بالتعويضات يمكن أن يبدأ الآن. لماذا؟ لأن الزخم الدولي قائم بعد إدانة مجلس الأمن للهجمات، والأدلة حاضرة وواضحة، ولأن التأخير يُضعِف القضية ويُنسي العالم حجم الضرر. التحرك المُبَكر يضع الدولة التي تُعَطِل المضيق أمام تكلفة قانونية وسياسية حقيقية ويوقف التمادي. نحن أمام دول لم تعتدِ على أحد وتتعرض لخسائر بالمليارات، وهو وضع لا يمكن السكوت عليه طويلاً.. إن التحرك القانوني لا يهدف فقط إلى فتح الممر والتعويض القانوني، بل إلى ردع تكرار الاعتداء، تثبيتاً لمبدأ:
«لا يمكن ضرب اقتصاد دول مُسَالِمة من دون ثمن».
[email protected]
* كاتبة وباحثة في الدراسات الإعلامية
د. ندى أحمد جابر*
حين ننظر إلى التاريخ الاقتصادي المعاصر نجد لحظة مفصلية توضّح كيف يمكن للاعتداء على دولة خليجية أن يهزّ الاقتصاد العالمي كله. تلك اللحظة كانت في صيف 1990 عندما وقع هجوم نظام صدام حسين على الكويت. لم يكن الأمر مجرد صراع إقليمي، بل صدمة نفطية عالمية جعلت الأسواق والاقتصادات الكبرى تتحرك بسرعة غير مسبوقة.
هنا شعر العالم بأهمية دول الخليج وأهمية الحفاظ على أمنها واستقرارها الذي ينعكس على أمن واستقرار العالم. فالنفط هو شريان الحياة والأسواق تتصرف أحياناً مثل كائن عصبي، مُجرد الخوف من نقص النفط يكفي لرفع الأسعار. نتيجة ذلك الغزو كانت موجة قلق عالمي واضطراب في أسواق الأسهم وزيادة التضخم في العديد من الدول الصناعية. وكانت صدمة النفط الناتجة عن الأزمة السبب في دخول الاقتصاد العالمي في ركود مطلع التسعينات. كان الخوف الأكبر أن يمتد هذا الصراع إلى بقية الدول الخليجية، ولو حدث ذلك لواجه العالم أزمة طاقة حقيقية. لذلك تَشكّل تَحالف دولي واسع بقيادة أمريكا لتحرير الكويت وتحرير العالم من فقدان الاستقرار الاقتصادي.
الدرس من تلك الأزمة كشف حقيقة بسيطة لكنها عميقة، الاقتصاد العالمي يعتمد بشدة على استقرار الخليج. فالمنطقة تنتج اليوم ما يقارب ثلث النفط العالمي، وتملك أكبر احتياطيات الطاقة، كما تمر عبر مياهها أهم طرق نقل النفط والغاز إلى آسيا وأوروبا. لهذا السبب يتعامل العالم مع أي تهديد للخليج على أنه تهديد للنظام الاقتصادي العالمي نفسه.
عند المقارنة بين غزو الكويت والاعتداءات الإيرانية على كل دول الخليج نجد أوجه شبه واضحة، لكن اليوم ليس كالأمس، لا يمكن لدول العالم أن تسمح بإعادة سيناريو 1990 فالعالم أصبح أكثر ترابطاً اقتصادياً مما كان عليه في السابق. في ذلك الوقت كان النفط مهماً خاصة للولايات المتحدة وأوروبا. أما اليوم فاقتصادات آسيا، خصوصاً الصين والهند واليابان وكوريا تعتمد بشدة على نفط الخليج. لذلك، فإن أي اضطراب في المنطقة يخلق صدمة اقتصادية عالمية أوسع من تلك التي حدثت قبل عقود.
إن أي توتر في المنطقة لا يبقى محلياً، بل ينتقل فوراً إلى الاقتصاد العالمي، لأن الخليج ليس مساحة جغرافية، بل أحد مفاصل الطاقة والتجارة في العالم. لذلك، فإن التوترات العسكرية والاعتداءات التي تستهدف دول الخليج تحمل آثاراً اقتصادية عميقة تتجاوز حدود المنطقة.
عندما نقول الخليج هو قلب العالم الاقتصادي.. نعني أن دول الخليج تضم أكبر احتياطات النفط والغاز في العالم تقريباً. وذلك وفق بيانات أوبيك ووكالة الطاقة العالمية. وهذا ما يجعل أي تهديد أمني للمنطقة تهديداً مباشراً لاستقرار الاقتصاد العالمي. ظهر هذا التهديد بارتفاع أسعار النفط عالمياً وخلق حالة من عدم الاستقرار في أسواق المال وضرراً في النمو الاقتصادي العالمي هذا عدا ارتفاع كلفة التأمين والشحن، وطبعاً ارتفاع أسعار السلع المرتبطة بالطاقة. وتأجيل مشاريع اقتصادية كبرى.
عَبرّت الدول الأوربية عن رفضها لهذه الاعتداءات ودعمها لاستقرار الخليج. لكنها في المقابل تتريث في الدخول إلى حرب إقليمية واسعة قد تضر مصالح الجميع، وهي هنا تراهن على المسار الدبلوماسي لحل هذه الأزمة. السؤال اليوم الدبلوماسية هل ستحسم شكل النهاية؟
الجواب ممكن، لكن بحسب توقعات بعض المحللين قد يستمر الضغط الاقتصادي لفترة ثم تتكثف قنوات التهدئة غير المُعلنة. أوروبا تسعى بكل الطرق إلى احتواء الأزمة والردع لا إلى تحالف هجومي واسع شبيه بعام 1990، فهي ترى أن الدبلوماسية حين تتكلم بصمت غير مُعلن وتسعى بجد ستنتصر في عالم يبدو مشدوداً نحو صدام لا رابح فيه. الحروب مهما طالت تنتهي على طاولة مفاوضات.
لكن بعيداً عن الخسائر الاقتصادية، السؤال الذي يبقى هل ستشفى تلك الندوب التي لا تُرَى حين يخون الجار الجغرافيا؟ الخسائر ليست فقط مجرد أرقام، بل خذلان من الصعب على الذاكرة الجماعية للشعوب أن تتخطاه.
الجار في الوعي الجمعي امتداد للأمان وحين يتحول هذا الامتداد إلى تهديد يتشقق شيء أعمق من السياسة.. الثقة. ونسأل كيف ستنشأ أجيال تعيش في منطقة هي قلب العالم الاقتصادي البعيد.. لكنها ذاكرتها مُثقلة بالندوب من اعتداءات جارها القريب؟ ونسأل أكثر.. من المستفيد؟
* كاتبة وباحثة في الدراسات الإعلامية
[email protected]
في قراءة لواقع الاقتصاد السياسي الحديث، صار من الممكن أن تتجاوز ثروة فرد واحد ميزانيات دول كاملة. شركات التكنولوجيا ليست مجرد شركات تقليدية، هي تجسيد لتحول أعمق. هو انتقال مركز الثقل من سيادة الدولة إلى نفوذ الشركات العابرة للحدود. هنا لا نتحدث عن أموال فقط، بل عن مفاتيح اتصال، وبنى تحتية، وقدرة على التأثير السياسي والعسكري والتفوق في تسهيل اغتيالات دقيقة وصادمة تُغيّر مسار الحروب.
نتحدث عن ثروات تفوق الدول، ماذا يعني ذلك فعلياً؟ عندما تقفز ثروة إلى مستويات تفوق الناتج السنوي لبعض الدول، فهذا ليس استعراضاً حسابياً.
الثروة هنا رأس حربة لنفوذ مركّب: ملكية شركات «تتحكم» في الفضاء، والطاقة، والاتصال، والبيانات. المعروف أن ميزانيات الدول تدار عبر برلمانات وقيود، أما ثروة الشركات فمرنة، وتستجيب لإرادة مجلس إدارة أو حتى مزاج مالك واحد. الفارق ليس في الرقم، بل في السرعة والقدرة على القرار. عصر «سيادة التقنية» هو عصر من يملك الزر.
الدولة تاريخياً تملك الأرض والجيش والعملة. اليوم، من يملك الشبكات يملك مفاصل الحياة الحديثة. مثال «ستارلينغ» التابعة ل«سبيس إكس». هي عبارة عن شبكة أقمار صناعية تمنح الإنترنت من الفضاء، خارج البنى التحتية التقليدية. النتيجة؟ القدرة نظرياً وعلمياً على وصل الاتصال أو قطعه من مناطق كاملة. هذا ليس تفصيلاً تقنياً، هو تحوّل في معنى السيادة. حين يصبح زر الاتصال بيد شركة، تتقلص سلطة الدولة.
فخلال الحروب، يصبح الاتصال سلاحاً يظهر بوضوح كما برز خلال الحرب في أوكرانيا. وفرت «ستارلينغ» اتصالاً حاسماً في لحظات انقطاع الشبكات الأرضية، ما دعم القيادة، والتواصل المدني. هنا يبرز الدور الأهم.. الجهة التي تملك الخدمة تستطيع تقييدها، أو إعادة توجيهها وفق حساباتها. وهنا يصبح مالك الشركة فاعلاً مسيطراً ومتحكماً، بلا تفويض شعبي. وهذا ما يسمى «السيادة التقنية».
شركات أخرى مثل «تسلا» تظهر كيف يمتد النفوذ من الصناعة إلى السياسات العامة، مثل: طاقة نظيفة، سلاسل توريد، وتأثير على سياسات المناخ. حين تجتمع هذه الخيوط مع الاتصال الفضائي، يتكوّن فاعل جديد لا يَرفع علماً، لكنه يملك نفوذاً لا يقل أهمية عن نفوذ دول مُتَحكّمة. ويبقى سؤال العصر الحاضر في الأذهان: «من يُراقِب المُراقِب؟» الجواب: «لا أحد..»
الفكرة المقلقة ليست أن التقنية غير مفيدة، هي مفيدة.. بل أن الحوكمة لم تلحق بها بعد. الدول تُسأل وتُحَاسب، الشركات تتملص أمام واقعٍ عابرٍ للحدود، النتيجة فراغ سيادي فضائي. السؤال من يضمن حياد الاتصال في زمن الحرب؟ من يحدد متى تُقطَع ومتى توصَل؟ ومن يضع قواعد الشفافية عندما يصبح القرار تقنياً ومؤثراً في مصير مدن كاملة؟
وغالباً ما تتجه الأنظار إلى ماسك، علماً أنه ليس وحده في الفضاء، هناك شركات أخرى لا تقل نفوذاً في عصر السيادة التقنية.. شركة «بلانتير» مثلاً هي شركة تسمى «عقل الحرب الخوارزمي» دورها من تحليل الاستخبارات إلى دعم الاستهداف اللوجستي. برامجها تستخدم مباشرة من جيوش وأجهزة أمن. وتتحوّل إلى شريك في صناعة الحرب. أما شركة «بلاك روك» فنفوذها إعادة الإعمار بعد الدمار، تشارك في تصميم ما بعد الحرب بين خصخصة، وديون، وبنى تحتية.. بالنسبة لهذه الشركة الحرب فرصة لإعادة تشكيل اقتصادي، لا مجرد نهاية صراع. أما شركة «أمازون» فنفوذها السحابة التي تحمل الدولة، جيوش وحكومات تخزّن بيناتها وتشغل أنظمتها عليها في الحروب السيبرانية. ومن يملك السحابة يملك الذاكرة والأعصاب.
شركة «مايكروسوفت» نفوذها يكمن في برمجيات القيادة والسيطرة. البرمجيات ليست مُحَايدة حين تستخدم في إدارة الاتصالات والخرائط والقرارات في أوقات الحرب. ولا ننسى نفوذ «ميتا» فساحتها المعركة النفسية خلال الحروب، قرارات الحذف أو الإبقاء، التحقق أو التقييد، تتحكم في صنع الرواية العالمية، وتتحكم في تدفق الصور والخطاب العام فتؤثر في الرأي العام والضغط السياسي.
ولو سألنا التاريخ لوجدناه مليئاً بشركات بدأت بدفاتر حساب وأختام جمركية ثم انتهت بأعلام وجيوش. مثل شركة الهند الشرقية. لكن هذه الشركة انتهت بتدخل الحكومة البريطانية وتحويلها من حاكم مستقل، إلى كيان خاضع للرقابة.
نقرأ التاريخ فنراه مشابهاً للحاضر، الفرق.. غياب قانون يحمي ويردع.
التاريخ يُذّكِر وعلينا أن نَتذكّر.. ليست شركات نفوذ مالي فقط، بل شركات سيادة قديمة عادت بثوب تقني حديث.
كاتبة وباحثة في الدراسات الإعلامية
[email protected]