عبد الإله بلقزيز

يستخدَم مفهوم التّحديث في مقابل مفهوم التّقليد، فيشار به إلى عمليّةٍ نقيضٍ من تلك التي تقترن بالتّقليد، ففيما يميل الأخير إلى المحافظة على الموروث وتقديسِه وإلى إعادة إنتاجه، على نحوٍ دائب وثابت، يميل التّحديث إلى تعديل الموروث القائم وإدخال تغييراتٍ عليه، متفاوتةِ المدى، في البنية والشّكل بما يجعله حديثاً أو موافقاً لشروط الحاضر وموجباته ولمعاييره وقيمه. قد لا يبلغ التّحديثُ في مفعوله حدَّ النّجاح في تغيير القديم تغييراً جذرياً بإخراجه، كلّيّةً، من نظامه الخاصّ الذي هو عليه وإحداث القطيعة الكاملة مع ذلك النّظام، لكنّه يملك - على وجْه القطع - أن يُحْدِث التّحسين والتّحيين الكافيَّيْن في ذلك القديم على النّحو الذي يوفّر له إمكانَ التّكيُّف مع الشّروط الجديدة الحادثة.
قد يكون عمل التّحديث مستقلاًّ عن القديم، أي لا يتّخذ القديم موضوعاً له ولا يَهْجِس بهاجس تطويعه وتكييفِه مع العصر، وفي هذه الحال غالباً ما يأخذ التّحديث مداه فتشتغل آليّتُه من غير كوابح ويحرِزُ، في مطافه الأخير، نتائجَ أعمقَ وأَبْعد أثراً ممّا لو ارتبط عملُه بتحسين القديم وتكييفه مع العصر (عصرنته).
ما من مجتمعٍ من المجتمعات الإنسانيّة لم يشهد على نزاعٍ فيه بين إرادة القديم وإرادة الحديث وعلى ميْلٍ داخله إلى تحديث شرطه الإنسانيّ، إنْ كان ذلك من طريق تكييف الموروث مع الحاضر وعصرنتِه أو من طريق إنجاب حديثٍ من غير انبثاقٍ من نظامٍ سابق. تتفاوت المجتمعات في معدّلات النّجاح الذي تحرزه في مضمار إٍعمال آليّة التّحديث فيها بتفاوُت الخبرة التّاريخيّة بينها في البناء والتّراكم، وبتفاوت مستوى الاستعدادات والإرادات لدى شعوبها ونخبها - وربّما أحياناً - وبوجود أو غياب مشروعٍ لديها للتّحديث، إذْ لا تقاس، هنا، حظوظ أوروبا والغرب في النّجاح - وهي التي دشّنت ورشة التّحديث وسارت فيه قروناً - بحظوظ غيرها من بلدان العالم الأخرى التي تعلّمت أبجديّات التّحديث من الأولى ودخلت غماره قبل قرنين أو أقلّ ليس أكثر، وتَرَدَّد الكثيرُ منها تجاهه طويلاً فلم يأخذ منه إلا بمقدار.
إن تركنا، جانباً، التّفاوُت بين البلدان والعوالم المختلفة في الأخذ بالتّحديث والذّهابِ في مشروعه - لأنّه تفاوُتٌ متقرّرٌ بقوّة أحكام الخبرات التّاريخيّة وأوزانِ البلدان في ميزان التّقدّم - وأخذنا ذلك التّفاوتَ بين حجوم التّحديث في ميادين الاجتماع الإنسانيّ المختلفة موضوعاً للتّفسير، سنجد تحت تصرفنا قدْراً من الموارد المعرفيّة يسمح بتعليل الظّاهرة وبيانِ مَناط التّفاوت فيها.
نتوسّل، في المعرض هذا، قاعدةً يمكن أن تفسِّر لماذا يزيد معدّل التّحديث في المجال المادّيّ عن معدّله في المجال اللاّمادّي ويفُوقُه، وهي القاعدة التي تقول إنّ فعْلَ التّحديث فعلٌ يسيرُ الإجراء حين يقع على مجالاتٍ وظواهرَ من طبيعةٍ مادّيّة، مثال تحديثِ قطاعات الاقتصاد والإنتاج، أو تحديثِ النّظام المالي والمصرفيّ والتّكنولوجيّ، أو تحديث البنى التّحتيّة، أو تحديث المنظومة الضّريبيّة أو المنظومة القانونيّة... إلخ، فهذه عمليّاتٌ لا تحُول دون إنفاذها كوابحُ مانعة.
أمّا في الميادين غير المادّيّة (الثّقافة، الفكر، القيم، نُظُم الأسرة والمواريث والأنكحة، المعارف الدّينيّة أو المتعلّقة بالإنسانيّات...) فالتّحديث ملجومٌ ومكبوحُ الاندفاعيّة إلى حدٍّ بعيد، ولا يمكن مقارنتُه بذاك الذي يقع على المادّيّات. بيان ذلك أنّ المجال اللاّمادّيّ هو الفضاء الأخصب لأفعال المقاومة التي تبديها الثّقافيّات والأمزجة والمعتقدات أو الإيمانيّات والقيم والمألوفات... أمامَ أيِّ جديدٍ حديثٍ طارئ عليها. لذلك تَنْكبح إرادةُ التّحديث ويتباطأ مفعولُ آليّته حين يجري في هذا المجال اللاّمادّيّ.
تظلّ كبرى المفارقات في المسألة كلِّها هي المفارقة التي تأخذ في بعض مجتمعات العالم، اليوم، الشّكل التّالي: الذهابُ إلى الحدّ الأبعد في التّحديث المادّيّ والآليّ والعسكريّ والخِدْماتيّ، بل والانغماسُ فيه كطقسٍ يوميٍّ لا يتوقّف، مع إحراز الكثيرِ الكثيرِ من المنجزات فيه، ولكن في مقابل رفضٍ قاطعٍ للمقدّمات الفكريّة والمعرفيّة التي صنعت ذلك التّحديث منذ عصر الأنوار، والعودة إلى التّمسّك بأفكار الأصالة والاستمراريّة التّاريخيّة للموروث! وهذه، مثلاً، حال مجتمعاتنا العربيّة المعاصرة: منذ بواكير التّحديث في عصر محمّد علي باشا.