كانت بلاد الخليج العربيّ، منذ مائة عامٍ، وما برحت حتّى اليوم مَطْمعاً للقوى العظمى في العالم، كما للقوى الإقليميّة الي وجدت في غياب المشروع العربيّ الجامع الفراغَ المنشود قصد الاعتياشِ منه وملئه. ثْواتُ المنطقة، خاصّةً مصادر الطّاقة، والموقعُ الجيوستراتيجيّ المميَّز عى امتداد واحدٍ من أهمّ الممرّات المائيّة التي تشهد على نسبةٍ عالية من حركة الملاحة التّجاريّة الدّوليّة، ثمّ الفرص الكبيرة التي تسمح بها اقتصاداتُ بلدان الخليج، بل والسّياسات الاقتصاديّة المتَّبعة فيها، أمام الاستثمارات الأجنبيّة قصد تعظيم الأرباح، ناهيك عن التّقدّم الهائل المتحقّق في مشاريع البنى التّحتيّة الارتكازيّة، الضّروريّة لكلّ نهوضٍ اقتصاديّ.. (جميعُها) عوامل تفسّر ذلك الطّلب المتزايد على المصالح في منطقة الخليج العربيّ من قِبل القوى المشار إليها، بمقدار ما تفسّر حالة الازدهار في النّموّ التي تشهد عليها بلدانُها في العقود الأخيرة.
من الطّبيعيّ أن يتكاثر الطّامعون، وأن تتنوّع صورُ أطماعهم متدرِّجةً من الابتزاز السّياسيّ والاقتصاديّ إلى العدوان العسكريّ. لذلك ما كان غريباً أن تشهد منطقة الخليج على ثلاث حروبٍ كبرى على ساحتها منذ ما يقلّ قليلاً عن نصف قرن، وأن يصيبها من الموت ودمار العمران ما أصابها منهما.
لذلك، أيضاً، كان من الطّبيعيّ أن يكون أمنُ الخليج في قلب هواجس بلدان الخليج العربيّة، ليس من باب حماية نفسها من المخاطر الخارجيّة والعدوان عليها فقط، بل لأنّ الأمن سلعةٌ استراتيجيّة حيويّة لا إمكانَ لأن يعيش اقتصاد وينمو ويزدهر، ولا أن تتدفّق استثماراتٌ من الخارج والدّاخل من دون استتبابه.
ولقد كان منطقُ المصالح نفسُه يقضي بأن يكون أمن الخليج في القلب من سياسات كلّ الدّول التي لديها مصالح في منطقة الخليج وشراكاتٌ اقتصاديّة مع دولها ومؤسّساتها، لكنّ ذلك إذا كان يَصِحّ نظريّاً، فهو ما لم يستقم له أمرٌ على الصّعيد العملي، حيث عانى ذلك الأمن الكثير الكثير من القوى الإقليميّة والدّوليّة التي كان يُفتَرض فيها مساعدة دول الخليج على حِفْظ أمنٍ يستفيد منه الجميع.
قادت تجاربُ بلدان الخليج مع مسألة أمنها الإقليميّ دولَها إلى مبادرةٍ جماعيّة قضت بتأسيس قيادة عسكريّة موحّدة عُرفت باسم «درع الجزيرة». كان ذلك قبل نيّفٍ وأربعين عاماً حين امتحنتِ الحربُ العراقيّةُ- الإيرانيّةُ أمنَ الخليج، بل هدّدتْه في الصّميم، وخاصّةً حينما باتتِ الملاحةُ التّجاريّة في مياه الخليج محفوفةً بخطر التّوقّف الكامل بعد تلغيمها. ثمّ ما لبثت فكرةُ أمن الخليج أن أخذت بعداً أوسعَ مدى حين وضعت الحربُ العراقيّةُ- الإيرانيّة أوزارها وحصل اجتياحُ الجيش العراقيّ للكويت (1990) واندلاع حرب «عاصفة الصّحراء» ضدّ العراق (1991).
إنّ نظام الأمن الذّاتيّ الخليجيّ، الذي مثّلتْه صيغةُ «درع الجزيرة»، لم يثبت مشروعيّته والحاجةَ إليه فقط، بل أثبت فاعليّته ونجاعته في صون الحدّ الأدنى الضّروريّ من الأمن الجماعيّ الخليجيّ أيضاً. ولعلّه وحده، اليوم، ما يمكن اعتبارُه المظهرَ اليتيم المصغَّر لفكرة الأمن القوميّ الجامع والمشترك الذي كان يُفترض أن يشمل البلاد العربيّة كلَّها منذ توافقت دولُها، قبل ثلاثة أرباع القرن، على العمل بأحكام «معاهدة الدّفاع العربيّ المشترك» (1950)، من غير تفعيلٍ منها، يوماً، لتلك الأحكام على هوْل ما واجهتْه من حروب واحتلالات!
على أنّ الأمن الذّاتيّ الخليجيّ يحتاج إلى أن يتعزّز أكثر ويَقْوى حالاً وشوكةً بأمن عربيّ رافدٍ، لأنّ التّحديّ الذي تواجهه أقطار الخليج العربيّ، إقليميّاً ودوليّاً، ضخمٌ وكبير ويُجاوِز قدْرات الإقليم الواحد منفرداً. ليس في صيغةٍ متوافَقٍ عليها لأمنٍ قوميّ في الخليج العربيّ ما يُخشى على الخليج العربيّ منها، فهي في رصيد أمنه تصُبّ لا محالة، وهو ممّا تقدّمه له من أمنٍ مستفيدٌ أعظمَ الاستفادة. إلى ذلك، يُوفّر وجودُ صيغِ منظومةٍ أمنيّة عربيّة لمنطقة الخليج العربيّ توازناً في القوى الإقليميّة مطلوباً، والأهمّ من ذلك يكرّس الحقيقة التي لا مندوحة عن التّشديد عليها: إنّ أمن الخليج جزءٌ لا يتجزّأ من الأمن القوميّ العربيّ.
يعاني نموذج «الدّيمقراطيّة التّمثيليّة»، المطبَّق في دول الغرب وفي قسمٍ كبير من دول العالم، طائفة من المعضلات لم يَنِ عن الإفصاحِ الجهيرِ عنها في تاريخه الحديث والمعاصر، كما لم يتوقَّف الفكرُ النّقديّ - منذ القرن التّاسع عشر إلى يوم النّاس هذا - عن التّنبيه عليها وعلى المغبّة التي تستولدها وتفضي إليها. من أشدّ تلك المعضلات وضوحاً تلك التي تتّصل منها بأزمة التّمثيل السّياسيّ وسلطة القانون في «الدّيمقراطيّات» الغربيّة القائمة، ومن أعوصها اليوم معضلة الحرّيّات العامّة فيها، ومعضلة الفجوة المتعاظمة اتّساعاً بين شعوب تلك الدّول ونخبِها الحاكمة التي وصلت إلى السّلطة بأصوات غالبيّة النّاخبين في تلك الشّعوب!
ولقد يسُوغ أن يقال إنّ تيْنك المعضلتيْن، وإنْ كانتا قديمتيْن، نسبيّاً، ومنحدرتيْن من فتراتٍ وأوضاع سابقة، صارتا أكثر تفاقماً واستفحالاً - اليوم - من ذي قبل، حتّى لكأنّهما تكادان أن تقوما حجّةً قاطعةً على فقدان نظام هذه الدّيمقراطيّة التّمثيليّة صلاحيّة بقائه، لئلاّ نقول شرعيّة وجوده! لنتناول، هنا، أولاهما المتعلّقة بالحرّيّات وبما باتت تشهد عليه هذه في السّياقات السّياسيّة المعاصرة، من ضروب المعاناة في تلك «الدّيمقراطيّات الغربيّة» ونظائرها العالميّة.
كان واضحاً أنّ النّموذج اللّيبراليّ للدّيمقراطيّة قام، منذ ابتداء أمره، على تنازُعٍ بين تيّاريْن فيه وزّعاهُ إلى فكرتيْن فلسفيّتيْن ورؤيتيْن سيّاسيّتين إلى السّلطة ونظام الحكم، وإلى صيغتين سيّاسيّتين مطبَّقتيْن ومتباينتين: تيّار ليبراليّ ديمقراطيّ تتنزّل فيه فكرةُ الحقوق والحرّيّات منزلةَ القلب من النّظام السّياسيّ والاجتماعيّ، وتيّار جمهوريّ (دولتيّ) تحتلّ فيه السّيادةُ الشّعبيّة المركزَ الأساس من غير أن يضحّيَ بالحقوق والحرّيّات.
مع ذلك، لم يَحُل هذا التّبايُن بين الفكرتيْن والتّياريْن دون اجتماعهما على فكرةٍ مرجعيّةٍ جامعة عن الحرّيّة/ الحرّيّات مقتضاها أنّ الحرّيّة حقٌّ مدنيّ تكفله القوانين. على أنّ الفكرةَ هذه قابلةٌ، من جهتها، لتأويليْن يَرُدّان في تبايُنهما إلى تبايُن تيّاريْ اللّيبراليّة: هي قابلة لأن تُفْهَم بما هي تشديدٌ على أنّ الحرّيّة المكفولة بالقانون خاضعةٌ، بدورها، لهذا القانون الذي يسُنّها ويحميها (وهو التّأويل الذي يناسب مبدأ السّيادة الشّعبيّة الجمهوريّ)، وقابلة - في المقابل - لأن تدرَك من حيث هي تفيد أنّ القوانين نفسَها ما وُضِعت إلاّ لتحقيق الحقوق المدنيّة، وبالتّالي، هي مجعولة من أجل إقرار الحرّيّة من غير قيودٍ عليها باسم السّيادة (التي تعبّر عنها الإرادة العامّة لا الإرادات الخاصّة).
تغيّرت الأمورُ منذ عقود، إلى حدٍّ بعيد، حتّى ما عادت أوضاعُ الحرّيّات العامّة في «الدّيمقراطيّات» الغربيّة تُشبه ما كانتْهُ لفترةٍ طويلة امتدّت منذ القرن التّاسع عشر إلى ما قبل ثلث قرن تقريباً، فلقد ضؤُلت مساحتُها في الواقع المادّيّ وممكناتِ التّطبيق على الرّغم من أنّ مكانتها النّظريّة في الدّساتير والمدوّنات القانونيّة لم تشهد على تعديلٍ كبير ينتقص منها أو يزيد فيها، وتَرَتّب عن تلك الضّآلة شرخٌ ملحوظ في شرعيّة الدّيمقراطيّات تلك.
إذا تركنا، جانباً، الحرّيّات الفرديّة (أو الخاصّة) التي ظلّت محفوظة، بل اتّسعت مساحتُها أكثر في العقود الأخيرة، فإنّ صورة الحرّيّات العامّة فسُدت فساداً لا سابق له منذ نهاية الحرب العالميّة الثّانيّة، حتّى أنّ ظواهر القمع العاري لبعض تلك الحرّيّات، من قبيل قمع حرّيّة التّعبير والتّظاهر السّلميّ، طفت على السّطح وحملتْها الصُّور على الشّاشات ومنصّات التّواصل الاجتماعيّ فشوهِدت، على نطاقٍ واسع، من ملايير النّاس الذين لا شكّ في أنّه خُيِّل إلى الكثيرين منهم أنّ وقائعها تجري على مسارح بلدانٍ من «العالم الثّالث» لا في المجتمعات الأوروبيّة والأمريكيّة!
وهكذا من القمع الوحشيّ الذي وُوجِهت به مظاهرات «السّترات الصُّفر» في فرنسا وانتفاضة المواطنين السّود في أمريكا ترامب (في ولايته الأولى) إلى مئات الاقتحامات القمعيّة للجامعات والمعاهد العليا والاعتصامات الطّلابيّة في الولايات المتّحدة (في ولاية ترامب الثّانيّة)، لكسر حركة التّضامن الشّعبيّ مع غزّة التي تتعرّض للإبادة الجماعيّة، كانت صورة هذه «الدّيمقراطيّة التّمثيليّة» ومنظومة الحقوق والحرّيّات فيها تتغيّر تغيُّراً جذريّاً وتزيد تدهوراً!
[email protected]
ما الذي يمنع مجتمعاً مّا وبنيتَه الإنتاجيّة من كسْر حلقة التّبعيّة التي تشُدُّهما إلى الخارج والتّحرُّرِ من قيودها الكابحة؟ كيف يمكن أن تتعايش في المجتمع الواحد ظاهرتان متجافيتان ومتناقضتان: استقلالٌ سياسيّ وتبعيّة اقتصاديّة في الآن عينِه؟!، فهلِ الاستقلال السّياسيّ للدّولة ليس يكفيها وحده لكي تُحقِّق استقلالها الاقتصاديّ وتنعتق من التّبعيّة؟
يتوقّف الجواب عن هذه الأسئلة على حُسن إدراكنا لطبيعة التّبعيّة بما هي علاقة ولأدوار أطراف تلك العلاقة، بالتّالي في ترسيخها أو في التّمكين لزوالها. حين نعرِّف التّبعيّةَ بأنّها علاقة، فالمفهوم منها أنّها تقوم بين طرفين: بين تابعٍ ومتبوع، وأنّها - لذلك السّبب - نتيجة لفعليْن متضافرين: الإخضاع والخضوع. لا يتحقّق الإخضاعُ لمجرّد قيام فعل الإرغام العنيف الذي يمارسه الطّرفُ الأقوى على الطّرف الذي يريد إخضاعه، فلقد يُفضي فعْل القوّة الإرغاميّة إلى استنفار عوامل المقاومة لدى الطّرف الذي يرادُ إخضاعه لا إلى استسلامه.
ما من شكٍّ في أنّ الخضوع لا ينشأ إلاّ من فعْل إرغام عليه يأتي الواقعَ عليه من خارجٍ أقوى منه. لكنّ ذلك ليس يعني، بالضّرورة، أنّ الإرغام هذا يكون خارجيَّ المصدر دائماً وأنّ الخضوع، بالتّالي، لا يعدو كونه نتيجةً لفعل الإخضاع الذي يمارسه الطّرفُ الأفْعل في علاقة التّبعيّة. نعم، نحن لا نجادل في أنّ المتبوع يملك أن يمارس قوّةً - عمياءَ أو ناعمة - على التّابع لفرض إرادته عليه ولمنْعه من أن يتطلّع إلى التّحرّر من الخضوع والتّبعيّة له، ولكنّ الذي لا مِرْية فيه أنّ ذلك يقع، على التّحقيق، حين تكون لدى التّابع قابليّةٌ داخليّة لعمليّة الاستتباع أو استعدادٌ ذاتيٌّ للخضوع. يُستفاد من هذا أنّ التّابع مسؤولٌ عن تبعيّته، أيضاً، بمقدار مسؤوليّة المتبوع عن وجودها وديمومتها، وأنّه وحده - من دون المتبوع هذه المرّة - مسؤولٌ عن تحرير نفسه منها لأنّه وحده من لا مصلحةَ له في الخضوع لإرادةِ من يُخضِعه له قسْراً.
والحقّ أنّنا، في هذه العلاقة المركَّبة التي تتكوّن منها التّبعيّة، أمام طرازٍ واحدٍ للمتبوع أو قُل، للسّيّد الغالب في هذه العلاقة، ولكنّنا أمام طرازيْن مختلفيْن للتّابع يَختلف بهما مصير خضوعه ومعه مصيرُ التّبعيّة ككلّ، فأمّا أنّ المتبوع/ المسيطِر من طرازٍ واحد دائماً فلأنّ في إخضاعه للتّابع (بلداً واقتصاداً وإنتاجاً) مصلحةً خاصّة لا يسترخصها أو يضحيّ بها باسم مبدأ إنسانيّ مّا مزعوم، وأمّا أنّ التّابع من طرازين نقيضين فلأنّ النّخب السّياسيّة التي ترمي بها مقاديرُ السّياسة إلى حكم البلدان الخاضعة للتّبعيّة ليست من جنسٍ واحدٍ ومن محْتِدٍ واحد، إذِ النّخبةُ التي وَكَلَ إليها المسيطرُ المتبوعُ أمْرَ حكمِ تلك البلدان وفوّضها القيامَ على شؤونها (حراسةُ حالة التّبعيّة في التّحليل الأخير)، أمّا النّخبة الثّانيّة فتنتمي إلى بيئة اجتماعيّة وسياسيّة تحرُّريّة أو مسكونة بهواجس التّحرُّر من أرباق التّبعيّة واستكمال معركة الاستقلال الوطنيّ بتحقيق الاستقلال الاقتصاديّ.
تقترح النّخبةُ الأولى على مجتمعها ودولتها (وهي الغالبة في بلدان الجنوب) حراسةَ التّجزئة، فيما تقترح الثّانيّة عليهما مشروعاً للتّحرُّر وفكِّ الارتباط. لذلك لا يجوز الجمْعُ الاعتباطيّ بين مَن يُقدِم السُّخرةَ للأجنبيّ ومَن يسعى إلى عصيان أوامره، وهذا ما حملنا على القول إنّ البلد التّابع ينطوي على طرازين...
نتأدّى من هذا إلى القول إنّ تعويق عمليّة التّحرُّر من التّبعيّة ووأْدَ إمكانِها مأتاهُ من عامليْن متضافريْن في الفعل والمسعى: خارجيّ وداخليّ، لا تكون التّبعيّةُ كما لا تستمرُّ إلاّ بتضافُرهما.
abdilkeziz29gmail.com
عبد الإله بلقزيز
في ولايته الرّئاسيّة الأولى، سعى دونالد ترامب وفريقه الرّئاسيّ في البيت الأبيض إلى تطبيق سياساتٍ جَبَّت ما قبلَها من سياساتٍ دُرِج عليها منذ عهد جورج بوش الأب، وعبّرت عن ميْل متزايد إلى توسيع نطاق النّفوذ الأمريكيّ، الاقتصاديّ والسّياسيّ، في العالم. ولقد كان الغرض من السّياسات الجديدة التي أطلقها ترامب، قبل ثمانية أعوام، التّنكُّب عن طريق العولمة وإخراج الولايات المتّحدة من معترك المنافسة في تلك العولمة وعليها.
وقد تجلّت هذه السّياسة الانكفائيّة عن العولمة والعالم في سلسلة من القرارات التّنفيذيّة التي وقّع عليها، في تلك الولاية الأولى، تقضي بانسحاب الولايات المتّحدة من مجموعة من المنظّمات الدوليّة («اليونسكو»، «مجلس حقوق الإنسان» التّابع للأمم المتّحدة، «منظّمة الصّحّة العالميّة»، «الاتّحاد البريديّ الدّوليّ»...)، ومن الاتّفاقيّات الدّوليّة (الانسحاب من «اتفاقيّة باريس للمناخ»، «الاتّفاق النّوويّ الإيرانيّ»، «اتّفاقيّة الشّراكة التّجاريّة عبر المحيط الهادئ»، «الاتّفاق العالميّ للهجرة»، «اتّفاقيّة الأجواء المفتوحة»...)، والانسحاب من معاهدات دوليّة من قبيل معاهدة الصّواريخ متوسّطة المدى مع روسيا وسوى ذلك.
غرَّمتِ السّياساتُ الانكفائيّة الترامبيّة صاحبَها الذي خسر الانتخابات لولايةٍ ثانية، في وجه غريمه المرشّح الدّيمقراطيّ جو بايدن، لكنّها - وأكثر من ذلك - غرّمتِ الولايات المتّحدةَ غراماتٍ باهظةً في نفوذها الاقتصاديّ والسّياسيّ ومصداقيّتها في العالم، حتّى أنّ أقرب حلفائها إليها من الغربيّين (الأوروبيّون مثلاً) باتوا يتوجّسون خيفةً من مفاجآتها غير المتوقَّعة ولدْغاتها القاتلة، ولم يهدأ بَلْبالُهم إلاّ حين ذهبتِ الانتخاباتُ الرّئاسيّة بترامب وجاءت ببايدن إلى السّلطة. لكنّ ترامب عاد إلى البيت الأبيض أشدّ اندفاعاً وهياجاً وإصراراً على المضيّ في المزيد من إجراءات الانكفاء الاقتصاديّ من طريق استئناف قرارات الانسحاب من مزيدٍ من المنظّمات الدّوليّة.
هكذا أصبح العالم على مفاجأةٍ، صباح اليوم السّابع من يناير 2026، مع الإعلان رسميّاً عن صدور الأمر التّنفيذيّ - الرّقم 14199 - عن رئيس البيت الأبيض يقضي بانسحاب الولايات المتّحدة الأمريكيّة من 66 منظّمة دوليّة بتعليلات مختلفة ما استطاعت أن تخفيَ الحامل الفعليّ على هذه القرارات: الخروج من حقبة المنافسة على الموارد والنّفوذ إلى حقبة جديدة من توسُّل أدوات الابتزاز السّياسيّ والضّغط العسكريّ والاقتصاديّ للحصول على ما تَعسَّر على أمريكا وامتنع الوصولُ إليه بالوسائل المشروعة والسّلميّة.
تضع سياساتُ الانكفاء الأمريكيّة، إذن، حدّاً لعلاقات المنافسة المشروعة على مغانم العولمة بين القوى الكبرى في العالم، بل وتضع حدّاً لمشاركة أمريكا في الشّؤون العامّة للنّظام العالميّ وفي حِفْظ القوانين والقواعد التي ظلّت تنظّم تلك الشّؤون لما يزيد قليلاً على ثمانين عاماً، حتّى لا نقول إنّها سياساتٌ تؤسِّس للانقضاض الأمريكيّ جملةً على تلك الشّؤون والعلاقات وعلى قوانينها وقواعدها. ولمّا كان الانكفاءُ فعْلاً سياسيّاً يقطع الرّوابط التي كانت تشدُّ أمريكا إلى العالم، كان لا بدّ من الاصطدام بمنطق المصالح الدّوليّة والقاريّة والإقليميّة المشتركة، وبالنّظام القانونيّ الذي يسوِّغ لها ويحميها. ه
كذا اصطدمت السّياسةُ تلك بنظام التّجارة الحرّة الدّوليّة حين وجدت أمريكا نفسَها أمام واقعِ أنّ انكفاءَها عن العولمة يقتضي تعزيزَ نظامِ حمايةٍ نقيض، هو نظام الحماية الاقتصاديّ والتّجاريّ القوميّ في وجْهِ خارجٍ اقتصاديّ وتجاريّ عولميّ توقّفت عن المنافسة داخله طبقاً لقواعده المَرْعيّة في ظلّ نظام التّجارة الدّوليّة الحرّة. هكذا، أيضاً، بدأت أمريكا تتصرّف مثل أيّ دولةٍ صغيرة من «العالم الثّالث» تخاف على سيادتها الاقتصاديّة من الاستباحة وعلى منتوجاتها من أحكام المنافسة التي تقضي بها الحدود المفتوحة أمام حريّة انتقال السِّلع والقيم المادّيّة!
إطلاقُ إدارة ترامب سياسة فرْض التّعرفة الجمركيّة على دول العالم ليس أكثر من تتمّة منطقيّة لسياسة الانكفاء الجارية في البيت الأبيض منذ عام.
[email protected]
يُنْظر إلى الحرب، عند كثيرٍ ممّن تناولوها بالدّرس من الفلاسفة أو من علماء السّياسة، بما هي حالةٌ تقع على الطّرف النّقيض من السّياسة: في المضمون كما في الأدوات، مثلما يُنظَر إلى نقيضها هذا - أي السّياسة - من حيث هو وحده الذي يضع للحرب حدّاً فيوقفها ويمحو آثارها، لذلك صار مألوفاً أن يقال إنّ إنهاء الحروب لا يكون إلاّ بالتّسويات السّياسيّة بين الأطراف المنخرطين في موجاتها الدّمويّة. فأمّا أنّ الحرب والسّياسة تختلفان في المضمون فذلك ما ليس يكون القولُ به أمراً مستبْدَهاً، لأنّهما يعبّران معاً عن حالةٍ واحدة هي النّزاع على شيءٍ مّا، وإنْ كان الفارق بينهما فارقاً في الدّرجة والكيفيّة: حيث النّزاعُ السّلميّ غيرُ النّزاعِ المتوسِّل عنفاً مسلّحاً، وأمّا أنّهما تتضادّان في الأدوات والوسائل فَصَحيحٌ ولكن صحّةً نسبيّة.
إنّه قولٌ صحيح لجهة الفارق بين وسائل العنف والإكراه التي تتوسّلها الحرب ووسائل الإقناع والمفاوضة التي تشتغل بها السّياسة، لكنّ صحّته النّسبيّة تأتي من أنّ الحرب نفسَها ليست أكثر من أداةٍ من أدوات السّياسة، إذ هي، فعلاً، امتدادٌ للسّياسة - كما لاحظ كلاوزڤيتس - وجزءٌ من أهدافها. وإذا كان يسع السّياسةَ حقّاً أن تضع حدّاً للحرب - وهي يسعها ذلك فعلاً - فما ذلك إلاّ لأنّ السّياسة تتحكّم في الحرب وتُحدِد لها الأهداف وتملك، بالتّالي، السّيطرةَ عليها وعلى جموحها وجذْبَها إلى المنطق الذي عليه مبْنى السّياسة: الاتّفاق والتّنازل المتبادل.
لا قيام للسّياسة إلاّ على المصلحة، ولا قيمومة على المصلحة إلاّ ما تفرضه عليها السّياسة. السّياسةُ فعّاليّةٌ إنسانيّة واجتماعيّة تفرضها ضروراتُ الاجتماع الإنسانيّ، وفي قلبها ضرورة تنظيم هذا الاجتماع والحفاظُ له على وحدته وتماسُكه وانسيابِ العلاقات الاجتماعيّة فيه. هذا كان جوهرها قديماً، وهكذا هو حديثاً لم يتغيّر.على أنّ المصالح التي تدور عليها السّياسة ليست من نوعٍ واحد، بل متعدّدة ومتفاوتة من حيث السّعة والامتداد، ممّا يفرض على السّياسة أن تتعدّد وجوهاً ووجهات تبعاً لتعدُّد تلك المصالح وتعدُّدِ القوى الاجتماعيّة التي تحملها.
للسّياسة، في هذه الأحوال جميعها - وظيفةٌ واحدة لا تتغيّر: إدارةُ المصالح وتحصيلُها وتعظيمُها والدّفاعُ عنها... أَصَغُرَ حجمُها أو كَبُر. والغالب على إدارة المصلحة أن تقدّم نفسَها في شكل فعْلٍ سياسيّ سلميّ يتوسّل القوانينَ والتّشريعات القائمة، أكانت قوانينَ دوليّة - حين يتعلّق الأمر بسياسةٍ خارجيّة للمصالح الوطنيّة - أو قوانين وطنيّة داخل البلد الواحد حين يتعلّق الأمر بسياسة المصالح الاجتماعيّة. ولكنّ خلف تلك المسحة السّلميّة التي تَغْشى إدارةَ المصالح تَقْبَع حالةٌ، شبهُ صامتة، من النّزاع بين المصالح وقواها: بين الدّول أو الأمم ثمّ داخل الدّولة الواحدة والمجتمع الواحد، تظلّ خامدة من غير أن تَخْلُوَ من جذوةٍ تحافظ على مبدأ النّزاع فيها.
في المقابل، تتحدَّد الحرب بوصفها تلك الحالة التي تعجز فيها السّياسةُ عن الاستمرار في إدارة المصالح الاجتماعيّة أو الوطنيّة إدارةً سلميّة، أي تلك الحالة التي تتعسَّر فيها عمليّةُ ضبطِ النّزاعات الدّاخليّة والخارجيّة، فتميل هذه إلى أن تخرُج من أُطرها السّياسيّة والقانونيّة الكابحة إلى التّمظهُر في صورة نزاعات مسلّحة أو حروب عسكريّة (حروب بين الدّول، أو حروب أهليّة).
من البيّن أنّ هذه الحالة من انفلات العنف من كلِّ عِقالٍ ضابط حالةٌ سلبيّة تقوِّض كلَّ ما ابْتَنَتْهُ السّياسةُ وما ازدرعتْهُ من قيمٍ مدنيّة، وانجرار أعمى إلى الفتْك والقتل والتّدمير على نحوٍ يوحي وكأنّه يمارس فعْلَ قتْلٍ للسّياسة ومَحْوِها. مع ذلك، ليس هذا العنفُ العسكريّ المَهُول، الذي تُفصح عنه الحرب، أكثرَ من تعبيرٍ عن جنوح السّياسة ذاتها إلى امتطاء صهوته وتوسُّلِهِ أداةً لتحقيق المصالح بعد أن عزَّ تحقيقُها بوسائلَ سلميّة. وعليه، فإنّ المصلحة التي قد تقضي باللّجوء إلى السّياسة في أحوال، هي عينُها المصلحة التي قد تقضي باللّجوء إلى الحرب في أحوال أخرى.
[email protected]
عبد الإله بلقزيز
تُشبه العنصريّةُ تجاه لونِ بَشَرةٍ مّا تلك التي تنتصب ضدّ أعراقٍ أو أديان أو أنساب. فعْلٌ من الأفعال البغيضة والمُهيمنة لكرامة الإنسان وإنسانيّته هي هذه العنصريّة مثل سواها، تختلف الأنواعُ والجوهرُ الرّديء واحد. قد لا يخلو مجتمعٌ من أمراض هذه النّزعة البغيضة حين ينقسم إلى مجموعات سكّانيّة أفرادُها من سِحْنات متنوّعة، فتَسْتَحِلّ مجموعةٌ لنفسها الحقَّ في الشّعور بالتّفوّق والاستعلاء على غيرها من المجموعات التي تختلف عنها في اللّون، أو الذي يُنْظر إلى لون بَشرتها نظرةً احتقاريّة أو دونيّة.
ولكنّ الأنكى من أن تُصاب جماعةٌ داخل مجتمعٍ مّا بهذه العنصريّة تجاه جماعة/ جماعات أخرى، شريكة لها في الموطن والاجتماع هو أن يُصاب مجتمع وشعب برمّته بهذه اللّوثة وأن تتكرّس فيه ثقافة جماعيّة متوارَثة! وتلك، مثلاً، حالُ مجتمعات/شعوب أوروبا وأمريكا الشّماليّة التي تغلغلت فيها عنصريّةُ اللّون وحمَلها معهم المستوطنون المستعمِرون البيض إلى أصقاع الأرض كافّة التي أقاموا فيها تجمُّعاتهم الاستيطانيّة فمارسوها ضدّ السّكّان الأصليّين في تلك البلاد!
دائماً ما كان للبيض عقدةٌ مكينة مع اللّون الأسود على سِحْنات البشر، على ما تفيدنا بذلك مصادر التّاريخ الاجتماعيّ القديمة، وعلى ما تفيدنا به تجربة أوروبا الحديثة، منذ بدايات القرن السّادس عشر، مع السّود ومع تجارة الرّقيق فيهم. ولقد تطوّرت عقدةُ الرّجل الأبيض هذه مع اللّون الأسود إلى حيث اتّسعت نطاقاً لتفيض عن حدود السّود، فشملت ذووي ألوانٍ أخرى: من الشّعوب الصّفر (آسيا تحديداً) إلى المختلطي الألوان في غرب آسيا وشمال إفريقيا وأمريكا الوسطى والجنوبيّة...إلخ.
لم تكُنِ العبوديّةُ، ورسوخُها تجارةً وسلوكاً ومَأْلَفاً، هو ما قاد إلى عنصريّة اللّون (فعبوديّة البيض للبيض كانت منتشرة منذ زمن بعيد، والاسترقاق ظلّ تقليداً في الحروب، منذ عهدٍ بعيد، بمعزل عن لون بَشَرة مَن اسْتُرِقّ)، وإنّما العنصريّةُ ضدّ السّود هي ما أفضت إلى استعبادهم واستجلابهم من مَواطنهم الإفريقيّة مادّةً لتجارة الرّقيق.
ولكن بينما كان على غزاة أمريكا من الأوروبيّين إبادة ما يزيد عن مائة وعشرين مليوناً من سكّان القارّة ومن مختلِف شعوبها الأصليّة، كان عليهم أن يستقدموا سكّاناً آخرين من خارج أمريكا في أعمال السُّخرة (في المزارع والمناجم) في القارّة الجديدة، فكان أن استقدموا ما لا يقلّ عن خمسة عشر مليوناً من العبيد، من الأفارقة السّود، الذين اشتراهُم الأوروبيّون من أسواق الرّقيق، أو مباشرةً من شبكات تجارة الرّقيق التي أسّسوها هُم أنفسُهم في غرب إفريقيا، لتبدأ السّفن البرتغاليّة والإسبانيّة، ثمّ الفرنسيّة والإنجليزيّة في نقلهم إلى القارّة الأمريكيّة مشحونين مثل البضائع، وهي التّجارة التي استمرّت نافقةً منذ عشرينيّات القرن السّادس عشر إلى ستينيّات القرن التّاسع عشر: حين أعلن أبراهام لنكولن - رئيس الولايات المتّحدة الأمريكيّة - قرار إلغاء العبوديّة في البلاد.
على أنّ عنصريّة اللّون لم تنته بإلغاء العبوديّة وتجارة الرّقيق (وهي مستمرّة إلى اليوم في مجتمعات عديدة)، بل لِنَقُل إنّه انتهى طورٌ منها ليبدأ طورٌ ثان يحمل اسم الميْز العنصريّ والذي على أساسه تبدأ، في المجتمعات المصابة به، إجراءاتُ العزْل والفصل العنصريّ للسّكّان.. ولم تكن نخبُ البِيض العنصريّة الحاكمة في الولايات المتّحدة الأمريكيّة وجنوب إفريقيا هي من بادرت - بعد تدبُّرٍ ومراجعة - إلى إلغاء نظام الميز العنصريّ، وإنّما هي أُكْرِهت على ذلك كَرْهاً من طرف حركات السّود ونضالاتها الكثيفة نفسها مضطرَّةً لأن تتجرّع مرارةَ قرار الإلغاء في الولايات المتّحدة، ابتداءً، بين العامين 1964 و1968 ثمّ في جنوب إفريقيا تالياً، في أوائل عقد التّسعينيّات من القرن العشرين.
مع ذلك، سيكون عسيراً الاعتقادُ بأنّ إلغاء نظام الميْز العنصريّ في أمريكا وجنوب إفريقيا، وقبله إلغاء العبوديّة في أمريكا وأوروبا، سيضع حدّاً للنّزعة العنصريّة تجاه السّود والملوَّنين، إذِ الأمرُ يتعلّق بنزعةٍ تشرّبتْها مجتمعاتُ البيض وتشبّعت بها إلى الحدّ الأبعد الذي يُخْشَى معه من أن يأخذ التّحرُّر منها زمناً مديداً. والنّزعةُ هذه تكاد أن لا تُخفيَ نفسَها في الحياة العامّة في تلك المجتمعات والبلدان، فمَن يمنع المرء من أن يعتقد، مثلاً، بأنّ انتخاب دونالد ترمب للرّئاسة في ولايته الأولى تعبيرٌ عن ردّ فعل مجتمع البيض على انتخاب رئيس أسود، من أصول إفريقيّة، هو باراك أوباما!
[email protected]