كل المستحيلات في السياسة أصبحت ممكنة إذا كان آسيوياً، مسلماً، مهاجراً يتحدث خطاب غزة والإبادة ويدعو لمحاسبة إسرائيل، ويناصر الفقراء والبائسين ورفع أعباء غلاء الحياة عنهم، قد فاز بكرسي الحاكم لمدينة نيويورك أكبر مدينة في أمريكا، وموطن أغنى الأغنياء ومقر الشركات الكبرى وعاصمة المال في العالم، كما أنها المكان للعدد الأكبر من المؤيدين لإسرائيل ومن هؤلاء المؤيدين وأصحاب المليارات تشكَّلت جبهة موحدة لكي يخسر زهران مامداني الانتخابات.
ففي أمريكا في العادة، فإن هؤلاء هم من يفرضون تفضيلاتهم من المرشحين وبرامجهم وذلك بواسطة أموالهم التي يغدقونها في الحملات الانتخابية وعلى رأس هذه التفضيلات دعم إسرائيل، وبعد الانتخابات التمهيدية التي فاز فيها ممداني على منافسه تم توظيف أموال طائلة وخاصة من البليونيرات مؤيدي إسرائيل من مثل بيل إيكمان لإفشاله ومنعه من الفوز بأي ثمن وذلك من خلال نشر الدعاية المضادة ومن خلال دعم المرشح المنافس.
فوز ممداني من المفترض أن يغير نيويورك وواقعها كمدينة، وسوف يؤثر في أمريكا والحزب الديمقراطي فيها الذي رفع ممداني لافتته وترشح تحت اسمه من دون أن يدعمه هذا الحزب الذي يعاني الإفلاس السياسي والخواء والافتقار إلى الإبداع والمبادرة، كبار قادة هذا الحزب ساءهم تقدم ممداني بدل أن يفرحهم وحجبوا تأييدهم عنه، ترى كيف سيكون هذا الحزب مستقبلاً إن اتبع شبابه نموذج ممداني هذا خاصة بعد أن انشطر الحزب بعد الإبادة في غزة وأصبح أكثر شبابه ضد إسرائيل ومع فلسطين.
أما بالنسبة للعالم ككل، فإنه سيفكر فيما حدث في انتخابات نيويورك وكيفية فوز ممداني ودلالاته، وبالتأكيد ستتغير فيه أساليب العمل السياسي، لا بل محتواه، فلقد رأى هذا العالم وشهد في مسيرة ممداني السياسية نحو منصب حاكم نيويورك كيف يمكن أن تكون السياسة نظيفة، وكيف يمكن أن يكون العمل السياسي مبدئياً وأخلاقياً وأن هذا طريق لمخاطبة الناس وكسبهم.
الحماس لممداني لدى بعض العرب يختلط به الشك نظراً للتاريخ الإشكالي مع الساسة الأمريكيين الذين تنقلب المراهنة عليهم إلى خيبة كبيرة حين يستقرون علي كرسي الحكم، وربما غاب عن هذا البعض التغيرات والمستجدات الكبيرة في السياسة الداخلية التي جنى ممداني ثمارها، وفي الوقت نفسه أسهم فيها مبطلاً سيطرة أباطيل الإعلام، ونجح رغم كثير من التضاد مع الحزب الديمقراطي كمؤسسة.
لم تكن كاريزمية ممداني وجاذبيته الشخصية وحذق استخدامه وفريقه للميديا الاجتماعية ولا فيديوهاته المسلية والمرحة، ولا حتى لقاءاته اليومية بالناخبين واستماعه إليهم أسباباً كافية لفوزه ووفقاً للمحللين المحايدين يدين بفوزه التاريخي لعاملين اثنين كان لحضورهما الفاعل والصريح جداً في خطابه الدور الحاسم، في لغة الخطاب وطريقة إيصاله شيء ليس بالقليل لفلسطين والانتفاضة والإبادة في غزة، هنالك من سيشكك، وخاصة من المحللين العرب الذين ينطلقون من رهان الواقع العربي ويستكثرون هذا التأثير لغزة على السياسة الأمريكية وهنا عليهم أن يتذكروا كيف قاتل ممداني وفريقه في الانتخابات التمهيدية بروح استلهام الانتفاضة أو «عالمية الانتفاضة» وهو الشعار الذي أصبح محركاً للكثير من الحركات الشبابية والشعبية عالمياً، ثم يجب تذكُّر كيف كانت غزة عاملاً مؤثراً رئيسياً في الانتخابات العامة البريطانية عام 2024 وكيف خسر مرشحون وفاز آخرون على أساس من موقف حزب العمال حول الحرب في غزة.
وقوف ممداني موقفاً لا يلين ولا يساوم حول الإبادة ومحاسبة إسرائيل كان هو حجر الزاوية فيما سيمثل أخلاقية ومبدئية السياسة التي يقودها. ويندرج تحت هذا العنوان، عنوان غزة العديد من المواضيع الكبرى التي من ضمنها الإسلاموفوبيا والإرهاب والعنصرية وتلك سهام مسمومة تم توجيهها إليه وإلى حملته، ولكنه وقف أمامها بثبات من دون أن يخضع أو يساوم، فحين اتهم بمناصرة الإرهاب زاد من استخدامه للغة العربية في حديثه وإعلاناته، وبقدر ما كان العامل الأول لفوزه هو المصداقية والمبادئ، فإن العامل الثاني حتى وإن كان الاقتصاد ليس بعيداً عن ذلك لأنه يتعلق بالعدالة الاجتماعية. مواصلات عامة مجانية ورفع للأجور وتجميد لإيجارات الشقق السكنية وتعليم مجاني، هذه بعض وعوده، وإن كان حقق المستحيل أو ما يقاربه بفوزه، فإن الأنظار الآن تتجه إلى التغيير في نيويورك.

[email protected]