المشهد السياسي في أوروبا يشهد منذ ربع قرن تحوّلاً جذرياً في بنية الخطاب العام، تجسّد في عودة القومية إلى الواجهة بعد أن ظنّ كثيرون أنها انحسرت أمام موجة العولمة وتوسّع الاتحاد الأوروبي. فقد برزت خلال العقدين الأخيرين حركات وأحزاب ترفع شعارات الهوية الوطنية والسيادة الاقتصادية وترفض الانفتاح المفرط على الخارج. هذا التحوّل جاء نتيجة تعبير عن قلق اجتماعي عميق تجاه فقدان السيطرة على المصير الوطني في عالم تحكمه الأسواق والمؤسسات فوق الوطنية.
يتناول كتاب «السياسات الجديدة للقومية في أوروبا المعاصرة» الصادر حديثاً عن دار أجندة للنشر، والمحرّر من قبل الأكاديمي الأمريكي غريغوري سي. بالدي، هذه الظاهرة من منظور نقدي مقارن، جامعاً دراسات لعدد من الباحثين المتخصّصين في السياسة الأوروبية. ويقدّم الكتاب بانوراما فكرية وتحليلية تشمل تسع دول أوروبية تمثّل مشهداً متنوعاً من التجارب القومية المعاصرة، من شرق القارة إلى غربها، ومن الديمقراطيات المستقرة إلى الدول الخارجة من صراعاتٍ تاريخية.
عودة القومية وتحوّلها البنيوي
في الفصل الأول، «مقدمة: إعادة تأكيد القومية في أوروبا»، يضع بالدي الإطار النظري الذي ينطلق منه الكتاب، مؤكداً أن ما نشهده اليوم هو تحوّل بنيوي يعيد صياغة علاقة المواطن بالدولة في ظل أزمات الثقة المتفاقمة بالمؤسسات فوق الوطنية. ويرى أن القومية الجديدة باتت وسيلة لإعادة تعريف المواطنة بعد أن أضعفت العولمة حدود السيادة الوطنية، متسائلاً ما إذا كانت هذه العودة تعبّر عن إحياء ديمقراطي للهوية الوطنية أم عن انغلاق متزايد يهدّد قيم التعددية الأوروبية.
في الفصل الثاني، «القوميات في أوكرانيا: أوكرانيا أم روسيا الصغرى؟»، يقدّم تاراس كوزيو دراسة معمقة في جدلية الهوية الأوكرانية مقابل التصورات الروسية التاريخية، موضحاً كيف أصبح الصراع بين الاستقلال والتبعية محركاً رئيسياً لبناء الأمة الأوكرانية الحديثة. أما الفصل الثالث، «الشهيد والمخلّص: القومية البولندية في القرن الحادي والعشرين»، الذي أعدّته جوانا أورزيخوفسكا–فاكوافسكا وناتاشا ستيتشنسكا، فيكشف عن البعد الديني والرمزي في القومية البولندية؛ إذ تُقدَّم بولندا كـ«أمة شهيدة» تحمل رسالة روحية وأخلاقية لأوروبا، ما يجعل الدين إحدى ركائز الخطاب القومي والسياسي معاً.
ويواصل الكتاب في الفصل الرابع، «عودة المزايدة الوطنية: القومية الصربية المعاصرة» بقلم إيفانا سباسيتش، تحليل الحالة الصربية، مبرزاً كيف تحوّلت الذاكرة التاريخية للحروب إلى رصيد تعبوي تستخدمه الأحزاب السياسية في المزايدات الوطنية لاستقطاب الجماهير وتثبيت شرعية السلطة.
قوميات وسط أوروبا: بين المحافظة والشعبوية
يستعرض أتيلا أنتال في الفصل الخامس، «القومية المركّبة في المجر»، نموذج المجر الذي يجمع بين المحافظة الاجتماعية والليبرالية الاقتصادية تحت قيادة حزب فيدس بزعامة فيكتور أوربان. ويرى أن هذا النموذج يقدّم شكلاً هجيناً من القومية يربط بين «الدولة القوية» و«الهوية الثقافية المحافظة»، ويجعل من مواجهة النفوذ الأوروبي شعاراً مركزياً.
أما الفصل السادس، «تحولات القومية الإيطالية»، للباحث ألفيو ماستروباؤلو، فيتناول كيف توظّف الأحزاب اليمينية في إيطاليا رموز الحقبة الفاشية القديمة في بناء سرديات وطنية جديدة، تُقدم فيها «الكرامة الوطنية» بديلاً عن «التكامل الأوروبي»، مستفيدة من الأزمات الاقتصادية والهجرات المتزايدة لتوسيع قاعدتها الانتخابية.
ويضيف الكتاب في الفصل السابع، «أمة واحدة، أم أمة الأمم، أم دولة متعددة القوميات؟» للباحثة نيكولينا جيدِك، معالجةً معمّقة لإشكالية التعدد القومي في إسبانيا بين الكتالان والباسك والقشتاليين. وتطرح جيدِك سؤالاً محورياً حول مدى قدرة الدولة الإسبانية على التوفيق بين الوحدة الدستورية والاعتراف بالهويات الإقليمية المتمايزة، خاصة في ظل تصاعد النزعات الانفصالية.
الغرب الأوروبي: اليمين القومي وتحديات الديمقراطية
ينتقل الكتاب في فصوله الأخيرة إلى دراسة القوميات الغربية، حيث يركّز الفصل الثامن، «القومية اليمينية الفرنسية: صعود حزب التجمّع الوطني» للباحثة آنا ماكيفر، على الحالة الفرنسية بوصفها نموذجاً متقدماً لتمأسس اليمين القومي في الحياة السياسية. يبيّن الفصل كيف نجح حزب التجمّع الوطني بقيادة مارين لوبان في تحويل القومية من خطابٍ احتجاجي إلى مشروع سياسي ذي نفوذ مؤسساتي، مستفيداً من المخاوف الأمنية ومن الخطاب المناهض للهجرة.
وفي الفصل التاسع، «القومية في ألمانيا: مكبوحة أم متجددة؟»، يحلل فيليب أدورف أثر الذاكرة التاريخية في كبح التعبير القومي الألماني، موضحاً أن تجربة الحرب العالمية الثانية لا تزال تقيّد هذا الخطاب، على الرغم من تصاعد التيارات الشعبوية مثل حزب البديل من أجل ألمانيا الذي يستثمر القومية في إطار احتجاجي ضد سياسات الاتحاد الأوروبي والهجرة.
أما الفصل العاشر والأخير، «المملكة المتحدة: حالة القوميات المتنافسة»، من تأليف موراي ليث ودنكن سيم، فيتناول تآكل الهوية البريطانية بعد خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، مسلطاً الضوء على النزعات الاستقلالية في اسكتلندا وويلز وإيرلندا الشمالية. ويستنتج الباحثان أن القومية البريطانية أصبحت ساحة صراع بين هويات وطنية متنافسة تبحث كل منها عن معنى جديد للانتماء بعد «بريكست».
أوروبا بين الشعبوية والهوية
من خلال هذه القراءات المقارنة، يبيّن الكتاب أن القومية الجديدة في أوروبا هي انعكاس لأزمة أعمق في المشروع الأوروبي ذاته. فصعود الخطابات الشعبوية ترافق مع تآكل الثقة بالنخب السياسية، ومع شعور متنامٍ بالاغتراب الثقافي لدى قطاعات واسعة من المواطنين الذين رأوا في العولمة تهديداً لهوياتهم المحلية. ويؤدي الإعلام الرقمي دوراً حاسماً في تضخيم هذه الاتجاهات؛ إذ يتيح نشر سرديات قومية مبسطة وسريعة الانتشار تضع الأمن والهوية في مواجهة التعددية والانفتاح.
ويكشف الكتاب عن أن النزعة القومية الجديدة تجاوزت الأحزاب اليمينية لتؤثر حتى في القوى الوسطية واليسارية، التي تبنّت خطاباً أكثر وطنيةً في محاولة لاستعادة ثقة الناخبين. بهذا المعنى، لم تعد القومية حكراً على تيار سياسي واحد؛ بل أصبحت إطاراً عاماً يعاد من خلاله تعريف العلاقة بين المواطن والدولة والأمة.
في الختام، يمكن القول إن كتاب «السياسات الجديدة للقومية في أوروبا المعاصرة» يمثّل عملاً جماعياً يجمع بين التحليل النظري والدراسة المقارنة، مقدّماً فهماً أعمق للتحولات التي تشهدها القارة الأوروبية في زمن الأزمات المتشابكة، من أزمة اللاجئين وصعود اليمين المتطرّف إلى تداعيات الحرب في أوكرانيا وتراجع الثقة بالمؤسسات الأوروبية. ويطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الديمقراطية الأوروبية في مواجهة الموجة القومية الجديدة: هل يمكن التوفيق بين الانتماء الوطني والانفتاح على الآخر؟ أم أن أوروبا تتجه نحو انغلاق يعيدها إلى تنافسات القرن الماضي؟