كلايد راسل*
تراجعت واردات الصين من معظم السلع الأساسية خلال شهر أكتوبر/تشرين الأول، في وقت أدت فيه الأسعار العالمية المرتفعة إلى كبح الكميات المستوردة، باستثناء خام الحديد الذي حافظ على قوته رغم مؤشرات الضعف التي بدأت تظهر في قطاع الصلب.
وأظهرت بيانات الجمارك الصينية أن واردات البلاد من النفط الخام والغاز الطبيعي والنحاس والفحم، سجلت جميعها انخفاضات مقارنة بشهر سبتمبر/أيلول.
وبوصفها أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، بلغت واردات الصين في أكتوبر نحو 11.39 مليون برميل يومياً، لتسجل بذلك ثالث تراجع شهري على التوالي، مقارنة ب11.50 مليون برميل يومياً في سبتمبر.
ويُرجّح أن يعكس هذا التراجع ارتفاع الأسعار العالمية خلال الفترة التي جرى فيها ترتيب الشحنات الأخيرة، إذ ارتفع خام برنت إلى 81.4 دولار للبرميل في 23 يونيو/حزيران، أثناء موجة التوتر القصيرة بين إسرائيل وإيران، قبل أن يتراجع إلى 66.34 دولار مطلع يوليو/تموز، ليعاود الارتفاع مجدداً إلى 73.63 دولار بنهاية الشهر ذاته.
ومنذ ذلك الحين، اتخذت الأسعار منحى هبوطياً مع بعض القفزات المحدودة، معظمها بسبب أحداث جيوسياسية مثل إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض عقوبات جديدة على منتجي النفط الروس.
وتشجع أسعار النفط المنخفضة نسبياً مصافي التكرير الصينية على زيادة وارداتها، حتى إن كان جزء كبير من الخام سيتجه إلى المخزونات التجارية والاستراتيجية.
في غضون ذلك، انعكست الضغوط السعرية أيضاً على واردات الغاز الطبيعي، المنقولة عبر خطوط الأنابيب (NG)، التي بلغت في أكتوبر 9.78 مليون طن متري، بانخفاض 11.5% عن سبتمبر (11.05 مليون طن)، وبنسبة 7.2% عن أكتوبر من العام الماضي (10.54 مليون طن).
ويُرجّح أن إمدادات هذا النوع من الغاز القادمة من آسيا الوسطى وروسيا بقيت مستقرة نسبياً، ما يعني أن التراجع جاء أساساً من واردات الفئة الثانية، وهي الغاز الطبيعي المسال (LNG)، التي ظلت ضعيفة هذا العام نتيجة ارتفاع الأسعار الفورية بفعل الطلب الأوروبي القوي على هذا الوقود فائق التبريد.
أما واردات النحاس غير المشغول، فانخفضت في أكتوبر بنسبة 9.7% مقارنة بالشهر الذي قبله، لتصل إلى 438 ألف طن، مقابل 485 ألف طن في سبتمبر، و506 آلاف طن في أكتوبر 2024.
يأتي ذلك في ظل قفزة أسعار النحاس منذ أواخر سبتمبر، إذ ارتفعت العقود في بورصة لندن بنسبة 12.8%، من 9927.5 دولار للطن إلى مستوى قياسي بلغ 11200 دولار للطن في 29 أكتوبر.
لكن الأسعار لا تفسّر دائماً حركة الواردات الصينية. فالفحم، على سبيل المثال، شهد انخفاضاً بنسبة 9.3% في أكتوبر ليصل إلى 41.74 مليون طن، مقارنة ب46 مليوناً في سبتمبر، وأقل ب 9.8% عن الفترة نفسها من العام الماضي.
جاء هذا التراجع رغم أن أسعار الفحم الحراري في السوق البحرية كانت قريبة من أدنى مستوياتها في خمس سنوات، حيث قدّرت وكالة «آرغوس» سعر الفحم الإندونيسي (بمحتوى طاقة 4200 كيلو كالوري/كغ) عند 40.45 دولار للطن في الأسبوع المنتهي في 4 يوليو/تموز. ورغم أن السعر تعافى إلى 47.09 دولار في الأسبوع المنتهي في 7 نوفمبر/تشرين الثاني، فإنه لا يزال أقل من 52.3 دولار المسجل في نفس الأسبوع من عام 2024.
ومع اقتراب الشتاء في شمال الصين، وارتفاع أسعار الفحم المحلي، من المتوقع أن تنتعش واردات البلاد خلال الأسابيع المتبقية من العام.
الاستثناء البارز في أداء الواردات الصينية خلال أكتوبر كان خام الحديد، الذي سجلت وارداته 111.31 مليون طن. ورغم أن هذا الرقم أقل بنسبة 4.3% عن المستوى القياسي في سبتمبر (116.33 مليون طن)، فإنه أعلى بنسبة 7.2% عن أكتوبر 2024، كما أنه يمثل الشهر الخامس على التوالي الذي تتجاوز فيه الواردات حاجز 100 مليون طن.
ولا يبدو أن هذا الأداء القوي مرتبط بالأسعار، إذ ظلّت عقود خام الحديد في سنغافورة مستقرة ضمن نطاق ضيق حول 100 دولار للطن منذ بداية العام. أما إنتاج الصلب الصيني، فتراجع إلى أدنى مستوى في 21 شهراً، مسجلاً 73.49 مليون طن في سبتمبر، مع انخفاض الإنتاج خلال الأشهر التسعة الأولى من العام بنسبة 2.9% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
ويبدو أن قوة واردات خام الحديد تعود إلى إعادة بناء المخزونات، إذ ارتفعت مخزونات الموانئ الصينية، وفق بيانات «ستيل هوم»، إلى 138.44 مليون طن في الأسبوع المنتهي في 7 نوفمبر/تشرين الثاني، وهو أعلى مستوى لها في سبعة أشهر، مقارنة بأدنى مستوى هذا العام البالغ 130.1 مليون طن في أوائل أغسطس/آب.
ومع بقاء المخزونات دون ذروة 150.7 مليون طن المسجلة في نوفمبر الماضي، لا يزال هناك هامش لاستمرار قوة واردات خام الحديد حتى نهاية العام الجاري.
* كاتب متخصص في أسواق السلع والطاقة الآسيوية «رويترز»