صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
كلايد راسل
كاتب
أحدث مقالات كلايد راسل
30 نوفمبر 2025
الوصيف الأقل بريقاً

كلايد راسل*

على الرغم من أنّ الذهب يخطف الأضواء عادة في أسواق المعادن الثمينة، فإنّ الفضّة، التي تُعامل كوصيف شرف أقل بريقاً، تقدّم أداءً تتفوق به على منافسها الشهير بهدوء ومن دون ضجيج إعلامي. فالمعدن الأبيض لا يكتفي بتسجيل عوائد أفضل للمستثمرين، بل يبدو أيضاً أكثر جاذبية على المدى الطويل، مدعوماً بعجز هيكلي في الإمدادات وطفرة غير مسبوقة في الطلب الصناعي، لاسيّما من قطاع الطاقة المتجددة وألواح الطاقة الشمسية.
ومنذ أكتوبر 2023، تسير أسعار الفضة في مسار صعودي قوي، إذ قفز السعر الفوري بنسبة 163% من أدنى مستوى له عند 20.67 دولار للأونصة في 3 أكتوبر، ليبلغ مستوى قياسياً عند 54.38 دولار في 13 نوفمبر. ورغم تراجعها الطفيف لاحقاً بنسبة 5.6% إلى 51.33 دولار للأونصة، فإنّ الفضة لا تزال تحتفظ بقسم كبير من مكاسبها.
في المقابل، ارتفع الذهب بنسبة 142% خلال الفترة ذاتها، من 1813.9 دولار إلى مستوى قياسي جديد بلغ 4381.21 دولار في 20 أكتوبر، قبل أن يتراجع بنسبة 5% إلى 4163.51 دولار للأونصة. ورغم أن أسعار الفضة لم تتفوق بشكل كبير على الذهب، من حيث نسبة الصعود، إلا أن مكاسبها القوية جاءت من دون الزخم الإعلامي المعتاد الذي يرافق المعدن النفيس.
والتاريخ أيضاً يقف في صفّ الفضّة، ففي الفترة من أكتوبر 2008 حتى ارتفاعها القياسي السابق في إبريل 2011، سجّلت أسعار المعدن قفزة ضخمة بلغت 431%، مقابل ارتفاع أكثر تواضعاً للذهب بلغ 168% في الفترة نفسها.
يرتبط اهتمام الإعلام عادةً بالذهب باعتباره مخزناً للقيمة وزينة ثمينة، لكن اتجاهه الصعودي الحالي تلقّى دفعة إضافية بعد عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، معزّزاً بتوقعات تخفيف السياسات النقدية أكثر، إلى جانب مخاوف من تراجع الثقة بالأصول الأمريكية مثل سندات الخزانة، مع سعي الإدارة الجديدة لفرض مزيد من السيطرة على الاحتياطي الفيدرالي. كذلك، أدّت مشتريات البنوك المركزية وتزايد الإقبال على صناديق الذهب المتداولة والعملات إلى دعم موجة الارتفاع.
في المقابل، تستفيد الفضة جزئياً من حركة الذهب، لكن قيمته المنخفضة تجعل كلفة تخزينه المادية أعلى نسبياً، ما يحدّ من جاذبيته للمستثمرين. ومع ذلك، فإنّ الحجة الأكثر إقناعاً لارتفاع السعر لا تكمن في الاستثمار التقليدي، بل في الطلب الصناعي المتسارع، ومحدودية إنتاج المناجم.
قفز الطلب الصناعي على الفضة إلى 689.1 مليون أونصة في 2024 مقارنةً ب644 مليوناً في العام السابق. منها 243.7 مليون أونصة ذهبت إلى تصنيع الألواح الشمسية في العام نفسه، ارتفاعاً من 191.8 مليون في 2023، وبزيادة مذهلة قدرها 158% مقارنةً ب94.4 مليون أونصة في 2020، بحسب بيانات مجموعة بورصة لندن.
وقدّرت وكالة الطاقة الدولية إضافة نحو 600 غيغاواط سنوياً من الطاقة الشمسية إلى قدرات التوليد العالمية، ومن المتوقع أن تقترب الأحجام من 1000 غيغاواط بحلول 2030. وهذا يعني ببساطة أنّ الطلب السنوي على الفضة لأغراض الطاقة الشمسية وحدها قد يرتفع بنحو 150 مليون أونصة سنوياً بحلول 2030.
تأتي معظم إمدادات الفضة كمنتج ثانوي على حساب استخراج معادن أخرى مثل النحاس والرصاص والزنك والذهب. وهذا يعني أن ارتفاع إنتاج الفضة يتوقف أساساً على ديناميات العرض والطلب في تلك المعادن، وليس على أساسيات سوق الفضة نفسها.
وعلى الرغم من احتمال زيادة المعروض خلال السنوات المقبلة، مدفوعاً بالتوقعات الإيجابية لأسواق النحاس والذهب، فإنّ توسعة المناجم القائمة أو تطوير مشاريع جديدة يتطلب وقتاً طويلاً، وقد لا يتحقق إلا على المدى المتوسط أو الطويل.
إلى جانب ذلك، قد يواجه السوق انخفاضاً في الإنتاج العالمي بحلول نهاية العقد، مدفوعاً بالإغلاق المتوقع لبعض المناجم، إذ تشير تقديرات صادرة عن موقع «ماينينغ تكنولوجي» في يوليو، إلى أنّ الإنتاج العالمي قد يتراجع إلى 901 مليون أونصة بحلول 2030 مقارنةً ب944 مليوناً متوقعة هذا العام.
ورغم أن الأسعار المرتفعة قد تجذب المزيد من الاستثمارات، فإنّ فجوة العرض المستمرة تعزّز صورة الفضة كمعدن صناعي واستثماري مرشح لطلب قوي ومستدام، وربما أداء يفوق الذهب في العقد المقبل.
* كاتب متخصص في أسواق السلع والطاقة الآسيوية (رويترز)

23 نوفمبر 2025
الصين تكبح واردات السلع الأساسية

كلايد راسل*

تراجعت واردات الصين من معظم السلع الأساسية خلال شهر أكتوبر/تشرين الأول، في وقت أدت فيه الأسعار العالمية المرتفعة إلى كبح الكميات المستوردة، باستثناء خام الحديد الذي حافظ على قوته رغم مؤشرات الضعف التي بدأت تظهر في قطاع الصلب.
وأظهرت بيانات الجمارك الصينية أن واردات البلاد من النفط الخام والغاز الطبيعي والنحاس والفحم، سجلت جميعها انخفاضات مقارنة بشهر سبتمبر/أيلول.
وبوصفها أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، بلغت واردات الصين في أكتوبر نحو 11.39 مليون برميل يومياً، لتسجل بذلك ثالث تراجع شهري على التوالي، مقارنة ب11.50 مليون برميل يومياً في سبتمبر.
ويُرجّح أن يعكس هذا التراجع ارتفاع الأسعار العالمية خلال الفترة التي جرى فيها ترتيب الشحنات الأخيرة، إذ ارتفع خام برنت إلى 81.4 دولار للبرميل في 23 يونيو/حزيران، أثناء موجة التوتر القصيرة بين إسرائيل وإيران، قبل أن يتراجع إلى 66.34 دولار مطلع يوليو/تموز، ليعاود الارتفاع مجدداً إلى 73.63 دولار بنهاية الشهر ذاته.
ومنذ ذلك الحين، اتخذت الأسعار منحى هبوطياً مع بعض القفزات المحدودة، معظمها بسبب أحداث جيوسياسية مثل إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض عقوبات جديدة على منتجي النفط الروس.
وتشجع أسعار النفط المنخفضة نسبياً مصافي التكرير الصينية على زيادة وارداتها، حتى إن كان جزء كبير من الخام سيتجه إلى المخزونات التجارية والاستراتيجية.
في غضون ذلك، انعكست الضغوط السعرية أيضاً على واردات الغاز الطبيعي، المنقولة عبر خطوط الأنابيب (NG)، التي بلغت في أكتوبر 9.78 مليون طن متري، بانخفاض 11.5% عن سبتمبر (11.05 مليون طن)، وبنسبة 7.2% عن أكتوبر من العام الماضي (10.54 مليون طن).
ويُرجّح أن إمدادات هذا النوع من الغاز القادمة من آسيا الوسطى وروسيا بقيت مستقرة نسبياً، ما يعني أن التراجع جاء أساساً من واردات الفئة الثانية، وهي الغاز الطبيعي المسال (LNG)، التي ظلت ضعيفة هذا العام نتيجة ارتفاع الأسعار الفورية بفعل الطلب الأوروبي القوي على هذا الوقود فائق التبريد.
أما واردات النحاس غير المشغول، فانخفضت في أكتوبر بنسبة 9.7% مقارنة بالشهر الذي قبله، لتصل إلى 438 ألف طن، مقابل 485 ألف طن في سبتمبر، و506 آلاف طن في أكتوبر 2024.
يأتي ذلك في ظل قفزة أسعار النحاس منذ أواخر سبتمبر، إذ ارتفعت العقود في بورصة لندن بنسبة 12.8%، من 9927.5 دولار للطن إلى مستوى قياسي بلغ 11200 دولار للطن في 29 أكتوبر.
لكن الأسعار لا تفسّر دائماً حركة الواردات الصينية. فالفحم، على سبيل المثال، شهد انخفاضاً بنسبة 9.3% في أكتوبر ليصل إلى 41.74 مليون طن، مقارنة ب46 مليوناً في سبتمبر، وأقل ب 9.8% عن الفترة نفسها من العام الماضي.
جاء هذا التراجع رغم أن أسعار الفحم الحراري في السوق البحرية كانت قريبة من أدنى مستوياتها في خمس سنوات، حيث قدّرت وكالة «آرغوس» سعر الفحم الإندونيسي (بمحتوى طاقة 4200 كيلو كالوري/كغ) عند 40.45 دولار للطن في الأسبوع المنتهي في 4 يوليو/تموز. ورغم أن السعر تعافى إلى 47.09 دولار في الأسبوع المنتهي في 7 نوفمبر/تشرين الثاني، فإنه لا يزال أقل من 52.3 دولار المسجل في نفس الأسبوع من عام 2024.
ومع اقتراب الشتاء في شمال الصين، وارتفاع أسعار الفحم المحلي، من المتوقع أن تنتعش واردات البلاد خلال الأسابيع المتبقية من العام.
الاستثناء البارز في أداء الواردات الصينية خلال أكتوبر كان خام الحديد، الذي سجلت وارداته 111.31 مليون طن. ورغم أن هذا الرقم أقل بنسبة 4.3% عن المستوى القياسي في سبتمبر (116.33 مليون طن)، فإنه أعلى بنسبة 7.2% عن أكتوبر 2024، كما أنه يمثل الشهر الخامس على التوالي الذي تتجاوز فيه الواردات حاجز 100 مليون طن.
ولا يبدو أن هذا الأداء القوي مرتبط بالأسعار، إذ ظلّت عقود خام الحديد في سنغافورة مستقرة ضمن نطاق ضيق حول 100 دولار للطن منذ بداية العام. أما إنتاج الصلب الصيني، فتراجع إلى أدنى مستوى في 21 شهراً، مسجلاً 73.49 مليون طن في سبتمبر، مع انخفاض الإنتاج خلال الأشهر التسعة الأولى من العام بنسبة 2.9% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
ويبدو أن قوة واردات خام الحديد تعود إلى إعادة بناء المخزونات، إذ ارتفعت مخزونات الموانئ الصينية، وفق بيانات «ستيل هوم»، إلى 138.44 مليون طن في الأسبوع المنتهي في 7 نوفمبر/تشرين الثاني، وهو أعلى مستوى لها في سبعة أشهر، مقارنة بأدنى مستوى هذا العام البالغ 130.1 مليون طن في أوائل أغسطس/آب.
ومع بقاء المخزونات دون ذروة 150.7 مليون طن المسجلة في نوفمبر الماضي، لا يزال هناك هامش لاستمرار قوة واردات خام الحديد حتى نهاية العام الجاري.
* كاتب متخصص في أسواق السلع والطاقة الآسيوية «رويترز»

26 أكتوبر 2025
النفط الخام الصيني.. ما وراء الأرقام

كلايد راسل*

انخفضت تدفقات مخزونات النفط الخام في الصين بشكل حاد في سبتمبر/أيلول، مع تراجع الواردات وارتفاع معدلات تشغيل المصافي والتكرير، ما أدى إلى تقليص الفائض المتاح للتخزين.
ووفقاً لبيانات رسمية، بلغ فائض النفط الخام في الصين نحو 570 ألف برميل يومياً في سبتمبر، مقارنةً ب 1.01 مليون برميل يومياً في أغسطس/آب. ويعكس هذا التراجع كيف تُوازن الصين بذكاء بين وارداتها وإنتاجها المحلي لمواجهة تقلبات أسعار النفط في الأسواق العالمية.
وانخفضت واردات الصين النفطية في سبتمبر إلى 11.5 مليون برميل يومياً، وهو أدنى مستوى لها منذ يناير/كانون الثاني 2025، بعدما قلّصت المصافي مشترياتها عقب ارتفاع الأسعار في يونيو، نتيجة التوتر العسكري قصير الأمد بين إسرائيل وإيران.
وكان من المفترض إلى حد كبير أن يتم ترتيب وصول الشحنات الشهر الماضي حين ارتفعت أسعار النفط الخام، ووصلت العقود الآجلة لخام برنت القياسي إلى أعلى مستوى لها في ستة أشهر عند 81.4 دولار للبرميل في 23 يونيو/حزيران. بيد أن الصين لا تفصح عن كميات النفط الداخلة إلى مخزوناتها الاستراتيجية أو الخارجة منها، ويمكن تقدير هذه الأرقام عبر طرح حجم النفط الذي تمت معالجته من إجمالي الكميات المتاحة من الإنتاج المحلي والواردات.
وأظهرت بيانات المكتب الوطني للإحصاء الصادرة الاثنين، أن الإنتاج المحلي بلغ 4.32 مليون برميل يومياً، ما يجعل إجمالي الكميات المتاحة للمصافي من المصادر المحلية والخارجية نحو 15.82 مليون برميل يومياً. في المقابل، رفعت المصافي معدلات المعالجة إلى 15.25 مليون برميل يومياً في سبتمبر، مقارنة ب 14.94 مليون في أغسطس.
واستناداً إلى هذه الأرقام، بلغ الفائض النفطي الصيني في سبتمبر نحو 570 ألف برميل يومياً فقط. ورغم أن بعض هذا الفائض لم يُضف إلى المخزون بسبب مصافٍ غير مشمولة في البيانات الرسمية، فإن الاتجاه العام يشير إلى أن الصين كانت منذ مارس/آذار تستورد كميات تفوق احتياجاتها الفعلية من الوقود المحلي.
وخلال الأشهر التسعة الأولى من العام، بلغ متوسط فائض الخام 930 ألف برميل يومياً، بانخفاض عن متوسط الأشهر الثمانية الأولى الذي بلغ 990 ألفاً، بفعل التراجع الأخير في سبتمبر.
جاء هذا الفائض بعد سحب نادر من المخزونات في يناير وفبراير، حين تجاوزت معدلات المعالجة كميات الخام المتاحة بنحو 30 ألف برميل يومياً. وهي المرة الأولى منذ سبتمبر 2023 التي تسجّل فيها المصافي هذا الاختلال.
وكان هذا السحب في مطلع 2025 متزامناً مع ارتفاع أسعار النفط، إذ بلغت عقود خام برنت 82.63 دولار للبرميل في 15 يناير/كانون الثاني، بعد ارتفاعها المطرد من مستوى 70 دولاراً تقريباً في ديسمبر/كانون الأول السابق.
والسؤال الأبرز الآن هو ما إذا كانت الصين ستُسارع في تخزين النفط مجدداً مع التراجع الأخير في الأسعار. فقد هبط سعر خام برنت إلى أدنى مستوى في ستة أشهر عند 60.14 دولار للبرميل في 17 أكتوبر/تشرين الأول، واستقر عند 61.12 دولار في آسيا الاثنين الفائت، وهو مستوى منخفض بما يكفي لتشجيع المصافي على تعزيز مخزوناتها.
لكن هناك عوامل أخرى مؤثرة، أبرزها الضغوط الغربية المتزايدة على الصين والهند لتقليص مشترياتهما من النفط الروسي، ضمن مساعي الضغط على موسكو لإنهاء حربها في أوكرانيا. ومع ذلك، من المرجح أن تجد الصين بدائل كافية من موردين آخرين تُمكّنها من مواصلة التخزين حتى مع خفض وارداتها من روسيا.
* كاتب متخصص في أسواق السلع والطاقة الآسيوية (رويترز)

5 أكتوبر 2025
المعادن الحيوية.. بين آمال الطلب وواقع العرض

كلايد راسل*

تختلف التعريفات حول المعادن والفلزات، التي تُعد أساسية في كثير من الصناعات الدقيقة ولكن هناك أمراً واحداً مؤكداً، وهو أن أسعار الكثير منها منخفضة حالياً ولا تعكس أهميتها المفترضة في التحول العالمي للطاقة.
لقد كان التناقض بين التسعير المتساهل الحالي لمعادن مثل الليثيوم والنيكل والكوبالت والنحاس والتوقعات الكبيرة بارتفاع الطلب في العقد المقبل، سمة رئيسية للقمة العالمية للمعادن والفلزات الأساسية، التي عُقدت مؤخراً في جزيرة بالي الإندونيسية، وتوقعت ارتفاع الطلب على المعادن الأساسية في مجال الطاقة الانتقالية أربعة أضعاف، حتى عام 2035.
وصرح أوليفييه ماسون، المحلل في شركة «فاست ماركيتس»، بأنه من المتوقع أن يرتفع الطلب على معادن البطاريات والليثيوم والغرافيت والنيكل والمنغنيز والكوبالت، من نحو ثلاثة ملايين طن متري هذا العام، إلى 12 مليون طن، خلال 10 سنوات.
ويُعد النحاس أيضاً، ضرورياً للتحول في مجال الطاقة وبحسب التقديرات، يحتاج السوق الى 909 آلاف طن من الطاقة الإنتاجية الإضافية للمعدن الأحمر، بحلول عام 2035، لتلبية الطلب على المركبات الكهربائية وتقنيات الطاقة المتجددة مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية.
يبدو كل هذا كلاماً متفائلاً جداً بشأن معادن الطاقة الانتقالية، لكن بيانات ماسون حملت أيضاً بعض الحقائق المُقلقة، فبالنظر إلى النحاس تحديداً، تشير التوقعات إلى أن السوق العالمي سيُسجّل فائضاً طفيفاً، مع نهاية هذا العام وفائضاً أكبر بقليل، نحو 200 ألف طن، عام 2026، لكنه سيشهد عجزاً ضئيلاً، عام 2027، يمتد إلى نقص كبير في المعدن، بين عامي 2033 و2034.
ومن المُلفت للنظر أن التوقعات طويلة الأجل محفوفة بالمخاطر بطبيعتها، حيث يُمكن أن تتغير ديناميكيات السوق، وأن تُغير التقنيات الجديدة أنماط الطلب وأن تتداخل الجغرافيا السياسية وكميات التوريد بشكل متزايد مع قرارات التجارة والاستثمار السياسي.
ولكن بافتراض أن التحول في مجال الطاقة سيؤدي في النهاية إلى ارتفاع الطلب، فكيف ينبغي للسوق أن يستجيب؟ هل من الحكمة البحث عن رواسب نحاسية جديدة واستثمار مبالغ طائلة لبناء منجم جديد على أمل أن يكون الطلب قوياً بما يكفي، في الفترة من 2040 إلى 2050 وهو الموعد المرجح لبدء الإنتاج فعلياً؟
في الواقع، يمر سوق النحاس بحالة توازن نسبي حالياً ويتحرك تداوله في نطاق ضيق مدفوعاً بالأحداث قصيرة الأجل عوضاً عن أي توقعات طويلة الأجل بشأن العوامل الأساسية.
فماذا عن الأسواق الأخرى؟ يبدو أنها في وضع أسوأ ويعود ذلك إلى حد كبير إلى الإفراط في الاستثمار في المعروض الجديد، إما كتوقعات بنمو الطلب بوتيرة أسرع مما كان عليه، أو كجزء من السياسة الصناعية للحكومات.
وتكثر أمثلة الطاقة الفائضة المدفوعة بسياسات الصين، التي أفرطت في بناء مصافي التكرير لمعادن مثل الليثيوم والكوبالت، كما ساعدت توجيهات إندونيسيا بتشجيع الاستثمار في عمليات المعالجة المتوسطة والنهائية في بسط سيطرتها على أسواق النيكل العالمية ولكن على حساب فائض كبير في العرض وضعف الأسعار.
في المقابل، انخفضت عقود النيكل الآجلة في بورصة لندن إلى أدنى مستوى لها، منذ نحو خمس سنوات في مايو/ أيار من هذا العام. وإغلاقها عند 15175 دولاراً للطن في الأسبوع الأخير من سبتمبر/ أيلول، يُمثل ثلث أعلى مستوى للعقود في 15 عاماً والذي بلغته في مارس/ آذار 2022.
يمتد نمط ضعف الأسعار وسط فائض العرض إلى معادن أساسية أخرى، ويضع المنتجين في موقف محرج، إذ يضطرون إلى محاولة احتواء الكُلف والصمود لفترة كافية لوصول الطلب المتوقع، مثلما حدث مع بعض شركات التعدين الكبرى في أستراليا والبرازيل، خلال العقد الماضي.
حينها وسّعت تلك الشركات إنتاجها من مادة الصلب الخام الرئيسية بوتيرة أسرع من نمو الطلب الصيني، لتنهار الأسعار إلى أدنى مستوياتها في عدة سنوات من ثم انتعشت الأسعار لتصل إلى مستويات قياسية، مع زيادة الصين إنتاجها من الصلب إلى مليار طن سنوياً، بحلول عام 2020 وهو مستوى حافظت عليه إلى حد كبير، ما يمنحها حصة تناهز 50% من الإنتاج العالمي.
يأمل منتجو المعادن الأساسية في مجال الطاقة الانتقالية على الأرجح في نمط مماثل لخام الحديد، لكنهم يواجهون أيضاً عوامل معقدة أخرى، مثل جهود الدول الغربية لتطوير سلاسل توريد خارج السيطرة الصينية. وإذا نجحت في مسعاها، فقد يؤدي ذلك إلى زيادة العرض في أسواق معينة وبالتالي مزيد من انخفاض الأسعار، أو إلى اتخاذ تدابير سياسية، لفرض استخدام معادن أعلى تكلفة من موردين غير صينيين.
* كاتب متخصص في أسواق السلع والطاقة الآسيوية- (رويترز)

31 أغسطس 2025
واردات الفحم.. صعود الصين وتراجع الهند

شهدت واردات الصين من الفحم الحراري المنقول بحراً قفزة كبيرة هذا الشهر، مسجّلة أعلى مستوياتها منذ بداية العام، في وقتٍ تتراجع فيه واردات الهند من المصدر نفسه إلى أدنى مستوى منذ ثلاث سنوات ونصف. مشهدٌ متناقض في أكبر مستوردَين عالميَين لهذا الوقود، يكشف كيف تتقاطع سياسات الطاقة المحلية مع التحوّل المتسارع نحو مصادر متجددة.
وبحسب بيانات «كبلر»، يُتوقع أن تصل واردات الصين من الفحم الحراري عبر البحر في أغسطس/آب إلى نحو 25.6 مليون طن متري، ارتفاعاً من 22.7 مليون في يوليو/تموز، وهو المستوى الأعلى منذ ديسمبر/كانون الأول الماضي. الجزء الأكبر من هذه الكميات يأتي من إندونيسيا المصدّر الأول عالمياً التي ارتفعت شحناتها إلى الصين لأعلى مستوى في خمسة أشهر عند 16.3 مليون طن، تليها أستراليا التي تواصل تعزيز حصتها للشهر الثالث على التوالي إلى 5.8 مليون طن.
قد يبدو هذا التوجه غريباً للوهلة الأولى، إذ تُظهر بيانات رسمية تراجع إنتاج الطاقة الحرارية من الفحم بنسبة 1.3% خلال الشهور السبعة الأولى من العام الجاري، نتيجة ارتفاع مساهمة الطاقة الكهرومائية والمتجددة. لكن الأرقام تكشف أن يوليو وحده شهد قفزة في إنتاج الكهرباء الحرارية بنسبة 4.3% مقارنة بالعام الماضي، في وقت انخفض فيه الإنتاج المحلي من الفحم إلى أدنى مستوى، وبنسبة 3.8% منذ إبريل/نيسان 2024. هذا المزيج بين الطلب المتزايد والإنتاج المتراجع فتح شهية بكين للاستيراد، خاصة مع تدنّي الأسعار العالمية.
في المقابل، انخفض سعر الفحم الإندونيسي، بطاقة 4200 كيلو كالوري لكل كيلوجرام، مطلع يوليو إلى أدنى مستوى في أربع سنوات عند 40.45 دولار للطن، قبل أن يرتفع مع تحسّن الطلب الصيني إلى 43.3 دولار للطن في أغسطس. وتكرر المشهد ذاته نفسه مع الفحم الأسترالي، بطاقة 5500 كيلو كالوري لكل كيلوجرام، الذي صعد إلى 71.9 دولار للطن، من 65.7 دولار في يونيو، وهو أعلى مستوى في خمسة أشهر.
بدورها، تشهد الهند تراجعاً حاداً في وارداتها من الفحم الحراري المنقول بحراً، وبحسب تقديرات «كبلر»، يُتوقع أن تبلغ الشحنات الواردة في أغسطس 9.7 مليون طن فقط، نزولاً من 12 مليوناً في يوليو/تموز، وبانخفاض يقارب النصف عن ذروة مايو التي بلغت قرابة 18 مليون طن.
يأتي هذا الهبوط مع تراجع حصة الفحم في مزيج الكهرباء الهندي إلى أدنى مستوى في خمس سنوات، بانخفاض 4.2% على أساس سنوي. في المقابل، قفز إنتاج الطاقة الكهرومائية بنسبة 22.4%، فيما ارتفعت مصادر الطاقة المتجددة 14.4%، وهي نسب كافية لتغطية الزيادة في إجمالي توليد الطاقة. يضاف إلى ذلك أن نيودلهي تمضي بخطى متسارعة نحو تعزيز إنتاجها المحلي من الفحم، مع دخول شركات خاصة جديدة على خط التعدين، وسط توقعات بأن يرتفع الإنتاج في السنة المالية الحالية إلى 1.15 مليار طن، متجاوزاً الرقم القياسي السابق، عند 1.05 مليار طن.
المغزى المباشر لهذا التباين أن السوق العالمية للفحم الحراري البحري لا تزال أسيرة الإنتاج المحلي في الصين والهند، حيث تمسك بكين بدفّة الأسعار. لكن الأبعد من ذلك أن البلدين يسيران معاً في مسار مزدوج، يستهدف توسيع الاعتماد على الطاقات المتجددة من جهة، وزيادة الإنتاج المحلي من الفحم من جهة أخرى.
هذا يعني أن اعتماد الصين والهند على الواردات مرشّح للتراجع على المدى الطويل، حتى لو شهدت السوق بين حين وآخر قفزات في الطلب عند انخفاض الإمدادات المحلية أو ارتفاع قدرات توليد الكهرباء بالفحم.
في المحصلة، ما نراه اليوم ليس مجرّد أرقام متقلبة في حركة الاستيراد، بل إشارة إلى تحوّل استراتيجي طويل الأمد في عالم يتّجه تدريجياً نحو تقليص الاعتماد على الفحم المستورد، ولو عبر مسارات متباينة بين بكين ونيودلهي.
* كاتب متخصص في أسواق السلع والطاقة الآسيوية
(رويترز)

10 يونيو 2025
آسيا تُعيد تموضعها في سوق الفحم

كلايد راسل*

هناك بعض المؤشرات الأولية، على أن انخفاض أسعار الفحم الحراري، بدأ يعزز الطلب على الواردات بين كبار المشترين في آسيا، الصين والهند، إذ ارتفعت واردات آسيا المنقولة بحراً من الوقود المستخدم بشكل رئيسي في توليد الكهرباء إلى أعلى مستوى لها في خمسة أشهر عند 74.12 مليون طن متري في مايو/ أيار، وفقاً لبيانات جمعتها شركة «كبلر» لتحليل السلع. وهذا يمثل نمواً من 68.56 مليون طن في إبريل/ نيسان، على الرغم من أنه لا يزال أقل من 78.3 مليون طن المسجلة في مايو 2024.
وخلال الأشهر الخمسة الأولى من العام، بلغت واردات آسيا من الفحم الحراري المنقول بحراً 346.96 مليون طن، بانخفاض قدره 7.0% عن الفترة نفسها من عام 2024، ويعزى هذا الانخفاض بشكل كبير إلى ضعف الطلب من الصين والهند، أكبر مستوردَين للسلعة في العالم.
بلغت واردات الصين من الفحم الحراري المنقولة بحراً 116.62 مليون طن، في الفترة من يناير/ كانون الثاني إلى مايو/ أيار، بانخفاض 13.6%، عن نفس الفترة من عام 2024، فيما سجلت واردات الهند 71.07 مليون طن، أي ما يعادل انخفاضاً بنسبة 4.7%.
وتضاءل إقبال الصين على الفحم، حتى الآن في عام 2025، بعد أن بلغ رقماً قياسياً في عام 2024، حيث أدى الإنتاج المحلي القوي وارتفاع الطاقة الكهرومائية والطاقة المتجددة، إلى الحد من توليد الطاقة باستخدامه.
وأظهرت أحدث البيانات المتاحة أن الصين أنتجت 389.31 مليون طن في إبريل/نيسان، بزيادة 3.8% عن الشهر السابق، في حين بلغ إنتاج الأشهر الأربعة الأولى من العام، 1.58 مليار طن، بزيادة 6.6%.
كما شهد إنتاج الفحم المحلي في الهند اتجاهاً تصاعدياً، حيث أظهرت البيانات الرسمية إنتاجاً بلغ 86.24 مليون طن، الشهر الماضي، بزيادة عن 83.96 مليون طن، في نفس الشهر من عام 2024. وانخفضت أسعار الفحم المنقول بحراً في آسيا استجابةً لارتفاع الإنتاج المحلي في الصين والهند، حيث وصلت درجات الفحم من أكبر مُصدّرين، إندونيسيا وأستراليا، إلى أدنى مستوياتها في أربع سنوات.
وتراجع سعر الفحم الإندونيسي، بطاقة 4200 كيلو كالوري لكل كيلوجرام، إلى 46.2 دولار للطن في الأسبوع المنتهي في 30 مايو، من 47.46 دولار في الأسبوع السابق، وهو أدنى سعر له منذ إبريل/نيسان 2021، وفقاً لتقديرات وكالة «أرغوس» لتقارير أسعار السلع الأساسية. ويشهد هذا النوع، الذي يُفضّله كل من المشترين الصينيين والهنود، انخفاضاً منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وقد انخفض الآن بنسبة 25%، خلال تلك الفترة.
كما انخفض سعر الفحم الأسترالي، بطاقة 5500 كيلو كالوري لك كغ، المفضل لدى شركات المرافق في اليابان وكوريا الجنوبية، إلى 66.84 دولار للطن في نفس الفترة، وهو أدنى سعر له، منذ أواخر مايو 2021، وبانحسار قدره 37% عن أكتوبر/تشرين الأول 2023، عندما بدأ اتجاهه الهبوطي الحالي.
ومن المؤكد أن واردات الصين من الفحم الحراري الأسترالي، ارتفعت بشكل طفيف في الأشهر الأخيرة، حيث تُظهر بيانات «كبلر» وصول 6.39 مليون طن، في مايو، و7.01 مليون طن، في إبريل، بزيادة عن 4.17 مليون طن في مارس/ آذار، و3.63 مليون طن في فبراير/ شباط. ومن المحتمل أن يكون طلب الصين على الواردات قد استجاب لانخفاض أسعار الشحن البحري، وهناك أيضاً نمط موسمي لارتفاع الواردات، مع ذروة استهلاك الكهرباء بالصيف.
في المقابل، ارتفعت واردات الهند من الفحم الحراري إلى 17.84 مليون طن في مايو، وهي الأحجام الأقوى، منذ أكتوبر 2023، بزيادة عن 15.31 مليون طن عن الشهر الذي قبله. ويُعزى ذلك بشكل كبير إلى زيادة الواردات من إندونيسيا، وهي التي ضخت في السوق الهندي 10.24 مليون طن في تلك الفترة.
وتجدر الإشارة أيضاً، إلى أن واردات الهند من الفحم الحراري الروسي بلغت أعلى مستوى لها في عامين عند 1.39 مليون طن، في مايو، مرتفعةً من 1.14 مليون طن في إبريل. وهذا يعني عودة الفحم الروسي إلى منافسة الأنواع الأسترالية، من حيث السعر، مرة أخرى في أسواق المحيط الهادئ.
* كاتب متخصص في أسواق السلع والطاقة الآسيوية