جيمي ماكغيفر *
تتبنّى كلٌّ من الولايات المتحدة واليابان نهجاً غير مألوف لمكافحة التضخم، هو التحفيز المالي. ففي وقت تُحاصَر فيه الأسر بارتفاع تكاليف المعيشة، يلجأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيسة الوزراء اليابانية سناي تاكايتشي إلى تقديم دعم مالي سخي للناخبين الغاضبين. لكن منح هبات مالية لتهدئة التضخم أشبه بمحاولة إخماد الحريق برشّ مزيد من الوقود عليه.
مطلع الشهر الجاري مُني الحزب الجمهوري بخسائر انتخابية مهمّة في مناصب حكام الولايات ورؤساء البلديات، حيث لعبت المخاوف بشأن غلاء المعيشة دوراً رئيسياً في قرار الناخبين. ويبدو أن البيت الأبيض التقط الرسالة بوضوح، والرئيس ترامب عازم، حسبما نشر على منصته «تروث»، على منح شيك بقيمة 2000 دولار إلى معظم الأسر الأمريكية، كعائدات تعريفات جمركية جرى تحصيلها نتيجة زيادة الرسوم على الواردات. وقال وزير الخزانة سكوت بيسنت، إن الأمر قيد النقاش.
لكن السؤال الذي يُطرح هنا، ألم تكن مئات مليارات الدولارات من الإيرادات الجمركية مخصّصة لتقليص عجز الموازنة؟ من الواضح أن هذا الهدف لم يعد أولوية.
فقد تبيّن ذلك حين مرّر ترامب، في وقت سابق هذا العام، مشروع قانون «ون بيغ بيوتيفُل»، الذي حفل بتخفيضات ضريبية من المتوقع أن تضيف 2.4 تريليون دولار إلى عجز الموازنة خلال العقد المقبل، وفقاً لمكتب الموازنة في الكونغرس.
بمعنى آخر، تضع إدارة ترامب النمو قبل أي شيء، حتى لو كان الثمن استمرار التضخم فوق المستوى المستهدف. فالمسؤولون، وإن لم يصرّحوا بذلك علانية، يبدو أنهم يقبلون بتضخم قريب من 3% بدلاً من هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%، طالما أن ذلك سيكون مُجدياً لرفع معدلات النمو الاسمي.
على المقلب الآخر، من الواضح أن رئيسة الوزراء اليابانية الجديدة ارتأت المضي في الطريق نفسه. فقد لعبت زيادة تكاليف المعيشة في بلادها دوراً محورياً في الهزيمة التاريخية التي مُني بها الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم هذا الصيف، وهو ما مهّد لصعود تاكايتشي المفاجئ إلى السلطة.
لكن بدلاً من اللجوء إلى تشديد السياسة لكبح التضخم، تتجه تاكايتشي، على غرار ترامب، نحو تخفيف القيود المالية على الإنفاق. ولأجل ذلك، تُعد حكومتها الجديدة حزمة تحفيز اقتصادي يُرجّح أن تتجاوز قيمة الحزمة السابقة البالغة 92 مليار دولار، وتهدف إحدى ركائزها الثلاث إلى تخفيف أثر ارتفاع الأسعار على الأسر.
كما تعمل تاكايتشي على تعيين مؤيدين للسياسة المالية التوسعية في اللجان الاقتصادية الحكومية، وفتح الباب لتخفيف الالتزامات طويلة المدى المتعلقة بإعادة ترتيب أوضاع المالية العامة.
وفي الوقت ذاته، وجّه ترامب وتاكايتشي رسائل صريحة إلى البنك المركزي في بلديهما، بالإبقاء على السياسة النقدية التيسيرية، وهو أمرٌ لا يتفق معه كثير من صانعي السياسات النقدية. بعبارة أخرى، يحاول القادة في واشنطن وطوكيو كبح جماح التضخم بسياسات قد تؤدي إلى تحفيزه.
لا شك أن التحفيز المالي أداة قوية، خصوصاً حين يُوجَّه نحو ذوي الدخل المنخفض الذين يُنفقون كل دولار يصل إليهم. وقد أثبتت التجارب، من الأزمة المالية العالمية إلى جائحة كورونا 2020، أن الإنفاق الحكومي السخي ضروري حين ينهار الطلب وتواجه الاقتصادات خطر الانكماش الحاد.
لكن الوضع اليوم مختلف تماماً، فلا الولايات المتحدة ولا اليابان تعيشان أزمة اقتصادية. النمو ما زال إيجابياً ولو بوتيرة معتدلة لديهما، والبطالة عند مستويات تاريخية متدنية، في حين يقف التضخم فوق الهدف الرسمي بنقطة مئوية أو أكثر.
كما أنه من غير الواضح إلى أي مدى سيعزز هذا الإسراف المالي النمو، إذ لا يوجد إجماع واضح حول حجم «المضاعف المالي»، أي مقدار الزيادة في النمو الاقتصادي الناتج عن الإنفاق الحكومي الإضافي أو التخفيضات الضريبية. لكن الاقتصاديين يتفقون على أن المعدّل يكون أعلى في فترات الركود، وحين تكون نسبة الدين إلى الناتج منخفضة، وحين تكون السياسة النقدية أقل نشاطاً. أي في ظروف تختلف جذرياً عن تلك الموجودة اليوم في كلا البلدين. ولهذا، فإن موجة الإنفاق ذات الطابع الشعبوي قد تكون مغرية سياسياً لواشنطن وطوكيو، لكنها في سياق خفض التضخم، تُعد نهجاً غير تقليدي، وربما غير فعّال، وقد تزيد من صعوبة هذا الصراع.
* كاتب متخصص في الاقتصاد وأسواق المال (رويترز)