الخليج ،صحيفة يومية تصدر عن دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر بمدينة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، أنشئت عام 1970 على يد الشقيقين المرحومين تريم عمران تريم وعبدالله عمران تريم | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
جيمي ماكغيفر
كاتب
أحدث مقالات جيمي ماكغيفر
12 أبريل 2026
سندات الخزانة.. بيعٌ أم إعادة تموضع؟

هل تُقدِم البنوك المركزية حول العالم على التخلص من حيازاتها من سندات الخزانة الأمريكية، في ظل الحرب التي تقودها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط؟ الإجابة الأقرب إلى الواقع: نعم... ولكن الصورة أكثر تعقيداً مما تبدو عليه.
من زاوية، تبدو الإشارات مقلقة. فقد تراجعت حيازات البنوك المركزية الأجنبية من سندات الخزانة المودعة لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك إلى أدنى مستوى لها في 16 عاماً، لتكسر حاجز 3 تريليونات دولار نزولاً. هذا التراجع يوحي بأن هذه البنوك تبيع السندات، وبوتيرة متسارعة.
وكما أشرتُ مؤخراً، كان انخفاض حيازات الاحتياطي الفيدرالي من هذه السندات منذ بدء الحرب الإيرانية في 28 فبراير/شباط لافتاً للنظر. ويقدّر محللو «دويتشه بنك» أن التراجع البالغ 75 مليار دولار خلال الأسابيع الأربعة المنتهية في 19 مارس/آذار، يعكس صافي مبيعات بنحو 60 مليار دولار من قبل البنوك المركزية، وهو مستوى يُعد من بين الأكثر حدة تاريخياً. لكن، ومن زاوية أخرى، تبدو الصورة أقل دراماتيكية. فبيانات تدفقات رؤوس الأموال الدولية لوزارة الخزانة، وهي المعيار الأدق لقياس حيازات الأجانب من السندات الأمريكية، تُظهر أن مبيعات البنوك المركزية خلال العام الماضي كانت محدودة للغاية، بل إن صافي مشترياتها في يناير/كانون الثاني كان الأكبر منذ 13 عاماً.
هنا يبرز السؤال: أي الروايتين أقرب إلى الحقيقة؟
بيانات «الحفظ» لدى الاحتياطي الفيدرالي تُعد مؤشراً مهماً، لكنها ليست كاملة الدقة. فهي لا تعكس فقط حيازات البنوك المركزية، بل تشمل أيضاً مؤسسات شبه رسمية مثل صناديق الثروة السيادية والهيئات متعددة الأطراف.
الأهم من ذلك، أن التغيرات في هذه البيانات لا تعني بالضرورة بيعاً أو شراءً مباشراً. فعلى سبيل المثال، تراجعت هذه الحيازات بنحو 238 مليار دولار العام الماضي، ما يوحي بعمليات بيع واسعة النطاق. لكن بيانات رسمية أظهرت أن صافي مبيعات البنوك المركزية لم يتجاوز 34 مليار دولار، أي نحو 1% فقط من إجمالي حيازاتها البالغة 3.5 تريليون دولار.
الجواب يكمن في عدة عوامل: تقلبات أسعار السندات، تغيرات أسعار الصرف، بل وحتى إعادة توزيع الأصول داخل الشبكات الاستثمارية نفسها. فبعض ما يبدو «بيعاً» قد يكون في الواقع مجرد نقل للحيازات إلى ولايات قضائية خارج الولايات المتحدة أو إلى كيانات استثمارية أخرى.
ويشير براد سيتسر، من مجلس العلاقات الخارجية، إلى أن تراجع الحيازات الرسمية للصين من سندات الخزانة إلى أدنى مستوى في 17 عاماً لا يعكس بالضرورة خروجاً فعلياً من السوق، بل تحويلاً جزئياً لهذه الأصول إلى بنوك الصين الحكومية. بعبارة أخرى، فإن الحيازات الحقيقية قد تكون أعلى بكثير مما تظهره الأرقام الرسمية.
سنحتاج إلى الانتظار حتى مايو/أيار لصدور بيانات تدفقات رؤوس الأموال الدولية لوزارة الخزانة الرسمية لشهر مارس، والتي ستحدد بشكل أوضح ما إذا كانت البنوك المركزية قد باعت فعلاً خلال تلك الفترة. وعلى الأرجح، حدث بعض البيع، في ضوء تراجع بيانات «الحيازات»، وضعف الطلب الأجنبي في مزادات السندات الأخيرة، وانخفاض الأسعار، فضلاً عن تقارير تشير إلى لجوء دول في الشرق الأوسط والأسواق الناشئة إلى تسييل أصولها لمواجهة تداعيات الحرب.
في المقابل، لعب القطاع الخاص دوراً محورياً في دعم سوق السندات الأمريكية، حيث ضخ المستثمرون نحو تريليون دولار في سندات الخزانة خلال عامي 2024 و2025، وهو ما عوّض بسهولة صافي مبيعات البنوك المركزية.
بل إن إجمالي ما يملكه الأجانب من سندات الخزانة، من بنوك مركزية ومستثمرين مؤسساتيين وصناديق تحوط وشركات تأمين، لم يكن يوماً أعلى مما هو عليه الآن. ففي نهاية العام الماضي، بلغت حيازاتهم 9.23 تريليون دولار، موزعة بين 7.78 تريليون في السندات والأذون، و1.45 تريليون في أذون الخزانة قصيرة الأجل، وهي جميعها مستويات قياسية.
لكن هذه الأرقام تُخفي حقيقة أكثر دلالة، النفوذ النسبي للأجانب في هذا السوق يتراجع تدريجياً. فقد انخفضت حصتهم إلى 32% في الربع الرابع من العام الماضي، وهو أدنى مستوى منذ 1997، رغم استقرارها عند نحو 33-34% منذ الجائحة.
نعم، البنوك المركزية تبيع سندات الخزانة الأمريكية، لكن بأحجام محدودة. وما نشهده ليس موجة خروج جماعي، بل إعادة تموضع حذرة في عالم يتغير بسرعة.
* كاتب صحفي متخصص في الاقتصاد وأسواق المال (رويترز)

29 مارس 2026
النفط لن يكسر ظهر المستهلك الأمريكي

جيمي ماكغيفر*

لا أحد يحب النفط مرتفع الأسعار، لا سيما في الولايات المتحدة، حيث تتسع رقعة الاعتماد على السيارات، ويقود الإنفاق الاستهلاكي النشاط الاقتصادي، وتُستهلك الطاقة على نطاق هائل. ومع ذلك، وعلى عكس المخاوف السائدة، يبدو أن المستهلك الأمريكي اليوم أكثر قدرة من أي وقت مضى على التكيّف مع نفط يبلغ سعره 100 دولار للبرميل.
هذه الفرضية قد تبدو صادمة للوهلة الأولى، خاصة في ظل الذاكرة الجماعية التي تربط ارتفاع أسعار النفط بتباطؤ اقتصادي وارتفاع في التضخم. لكن قراءة متأنية للبيانات الاقتصادية الراهنة تكشف واقعاً مختلفاً: الأسر الأمريكية لم تكن يوماً أكثر ثراءً من حيث القيمة الاسمية، كما أن أوضاعها النسبية تبدو قوية مقارنة بالماضي. يضاف إلى ذلك أن معدلات البطالة لا تزال عند مستويات تاريخية منخفضة، وهو عامل حاسم في دعم القدرة الشرائية.
الأهم من ذلك ربما، أن الإنفاق على الوقود والطاقة لم يعد يشكّل العبء الذي كان عليه سابقاً. فوفق بيانات مكتب التحليل الاقتصادي، لم تتجاوز حصة سلع البنزين والطاقة 2% من إجمالي إنفاق المستهلكين في الربع الأخير من العام الماضي، وهي من أدنى النسب المسجلة خلال ثمانية عقود، باستثناء فترة جائحة كورونا التي شهدت تشوهات استثنائية.
هذه الحقيقة قد تفسر جزئياً لماذا تفوقت الأسهم الأمريكية على نظيراتها العالمية منذ الضربات المشتركة التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في 28 فبراير، والتي فجّرت حرباً في الشرق الأوسط وأدت إلى إغلاق مضيق هرمز، متسببة في واحدة من أعنف صدمات إمدادات الطاقة منذ عقود.
صحيح أن مؤشري «إس آند بي 500» و«ناسداك» خسرا نحو 5% منذ ذلك الحين، وهو تراجع كبير محا أكثر من 3 تريليونات دولار من قيمة الأسهم الأمريكية. لكن بالمقارنة، تبدو الخسائر أشد وطأة في أوروبا وآسيا والأسواق الناشئة، حيث تراجعت المؤشرات الرئيسية بنسب تتراوح بين 8% و10%.
لفهم الصورة بشكل أدق، يكفي النظر إلى تطور حصة الطاقة من إنفاق المستهلك الأمريكي عبر الزمن. ففي عام 2022، عندما بلغ سعر النفط الأمريكي ذروته عند 130 دولاراً، استحوذت الطاقة على نحو 3% من الإنفاق. أما في عام 2008، حين اقترب النفط من 150 دولاراً، فقد تجاوزت النسبة 4%. وفي أوائل الثمانينات، بلغت الذروة نحو 6%.
اليوم، حتى مع ارتفاع الأسعار، لا تزال هذه النسبة عند مستويات منخفضة تاريخياً. صحيح أنها مرشحة للارتفاع إذا استمر جموح الأسعار لفترة طويلة، لكن حتى في هذه الحالة، تشير المعطيات إلى أن معظم الأمريكيين قادرون على استيعاب الصدمة.
وتدعم بيانات الاحتياطي الفيدرالي هذا التقييم، إذ تظهر أن ميزانيات الأسر الأمريكية في وضع قوي نسبياً. فقد بلغ صافي ثروة الأسر في الربع الأخير من العام الماضي نحو 794% من الدخل الشخصي المتاح، وهو مستوى يقترب من أعلى درجاته التاريخية، ولا يتجاوزه إلا ما سُجل خلال فترة الجائحة بين عامي 2021 و2022.
مع ذلك، لا يعني هذا أن الأمريكيين محصنون بالكامل من آثار ارتفاع أسعار الطاقة. فقد ارتفع متوسط سعر البنزين إلى نحو 4 دولارات للغالون، بزيادة تصل إلى 35% خلال شهر واحد، وفق بيانات جمعية السيارات الأمريكية. وتشير تقديرات إدارة معلومات الطاقة إلى مستوى أقل قليلاً عند 3.72 دولار، لكنه لا يزال الأعلى منذ عامين ونصف.
ورغم أن هذه المستويات ليست بجديدة، إذ تجاوزت الأسعار 4 دولارات لعدة أشهر عقب الحرب الروسية في أوكرانيا، ولامست 5 دولارات في يونيو من العام ذاته، فإن العبء يظل متفاوتاً بين شرائح المجتمع.
هنا تبرز إشكالية «عدم المساواة في الطاقة». فالأسر ذات الدخل المنخفض تخصص نسبة أكبر بكثير من إنفاقها للوقود والطاقة مقارنة بالأسر الأكثر ثراءً. وتشير دراسة للفيدرالي إلى أن واحدة من بين كل خمس أسر أمريكية تعاني ما يُعرف ب«عبء الطاقة»، حيث تصل نسبة الإنفاق على الطاقة إلى 25% من الدخل المتاح، مقابل 7% فقط لدى الأسر الأخرى. وغالبية هذه الأسر تقع ضمن أدنى شريحتين من حيث الدخل.
سياسياً، لا يمكن التقليل من حساسية هذا الملف. فبالنسبة لإدارة الرئيس دونالد ترامب، سيكون انتحاراً سياسياً تقديم ارتفاع أسعار الطاقة على أنه أمر إيجابي، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، والتي قد تفتح الباب أمام سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس. إلى جانب ذلك، لا تقتصر آثار النفط المرتفع على أسعار الوقود فقط، بل تمتد إلى مختلف مفاصل الاقتصاد، من النقل والتصنيع إلى الأسمدة والبلاستيك والكيماويات، وصولاً إلى أسعار الغذاء. وهذا ما يفسر سعي الإدارة الأمريكية الحثيث لاحتواء الأسعار، بما في ذلك قرار تأجيل الضربات العسكرية على البنية التحتية للطاقة في إيران.
لا شك في أن الوضع لا يزال هشاً وقابلاً للتغيير بسرعة، خاصة إذا واصلت أسعار النفط ارتفاعها إلى مستويات أعلى. ومع ذلك، تشير المعطيات الحالية إلى أن المخاوف من أن يؤدي نفط ال100 دولار إلى «كسر» المستهلك الأمريكي تبدو مبالغاً فيها، على الأقل في المدى القريب.
* كاتب صحفي متخصص في الاقتصاد وأسواق المال (رويترز)

3 مارس 2026
اندفاع الأسواق الناشئة

الارتفاع الصاروخي الذي تشهده أسواق الأسهم في الاقتصادات الناشئة يثير الإعجاب بقدر ما يثير القلق، فحين تقفز أسهم كوريا الجنوبية بنسبة 50% خلال الشهرين الأولين فقط من عام 2026، لا يكون الأمر مجرد موجة صعود عابرة، بل ظاهرة تستحق التوقف عندها، السؤال الذي يفرض نفسه: هل يمكن لهذا الزخم أن يستمر، أم أننا أمام فقاعة تتشكل على مهل؟
الأرقام الآتية من كوريا الجنوبية تكاد تكون مذهلة. فقد تضاعف مؤشر كوسبي القياسي خلال الأشهر الستة الماضية، وارتفع بنسبة 175% منذ القاع الذي بلغه إبّان فوضى الرسوم الجمركية التي رافقت ما عُرف ب«يوم التحرير» الذي أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إبريل الماضي، ويأتي هذا بعد مكاسب بلغت 75% في عام 2025 وحده.
وعند التعمق أكثر، نجد أن أسهم عملاق التكنولوجيا الكوري «سامسونغ إلكترونيكس»، أكبر مُصنّع لرقائق الذاكرة في العالم، قد تضاعفت هذا العام، وتجاوزت ثلاثة أضعاف قيمتها في ستة أشهر فقط. هذه ليست حركة سوق عادية، بل إعادة تسعير شاملة لدور كوريا في الاقتصاد الرقمي العالمي.
التدفقات الرأسمالية إلى سيول لم تأتِ من فراغ. إصلاحات ضريبية وتنظيمية صديقة للأسواق، طفرة في صناعة أشباه الموصلات، وتقدم متسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، جميعها عوامل جذبت المستثمرين. ونتيجة لذلك، بلغ الوون الكوري أعلى مستوياته مقابل الدولار في أربعة أشهر، كما دفعت القفزة شبه الرأسية لمؤشر كوسبي الأوضاع المالية إلى أكثر مستوياتها تيسيراً منذ أن أطلق بنك غولدمان ساكس مؤشره للأوضاع المالية في كوريا الجنوبية قبل 24 عاماً.
سرعة الارتفاع قد توحي بمضاربات محمومة، وربما لعب عامل «الخوف من فوات الفرصة» دوراً ما، لكن الصورة أعمق من ذلك، فالمؤشر الكوري يتداول حالياً عند أدنى مضاعف ربحية متوقعة خلال 12 شهراً منذ يونيو. بعبارة أخرى، كثير من المستثمرين لا يراهنون على موجة عاطفية، بل على نمو قوي في الأرباح مستقبلاً.
صحيح أن كوسبي يبدو حالة استثنائية من حيث حجم المكاسب، لكنه ليس شاذاً من حيث الاتجاه. فمؤشرا الأسواق الناشئة وآسيا (باستثناء اليابان) التابعان ل«إم إس سي آي» ارتفعا بنحو 15% هذا العام، فيما صعدت مؤشرات تايوان والبرازيل بنحو 25% و20% على التوالي.
تؤدي تايوان، موطن أكبر مُصنّع للرقائق المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، شركة «تي إس إم سي»، دوراً محورياً في سلسلة التوريد العالمية لشركات مثل «إنفيديا» و«أبل»، وليس من المستغرب أن ترفع تايوان توقعاتها لنمو الناتج المحلي الإجمالي لعام 2026 إلى 7.7% بعد أن كانت 3.5% فقط في نوفمبر، تعديل مذهل في أشهر معدودة.
هذه التطورات تقوض، تدريجياً، سردية «الاستثنائية الأمريكية» التي قامت على تفوق الولايات المتحدة في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، الفجوة تضيق، آسيا تصعد بسرعة. والمستثمرون يعيدون توزيع أموالهم تبعاً لذلك.
وأظهر أحدث استطلاع لمديري الصناديق العالميين لدى «بنك أوف أمريكا» تسارعاً ملحوظاً في التحول من الأسهم الأمريكية إلى أسهم الأسواق الناشئة في فبراير، حيث باتت مراكز المستثمرين في هذه الأسواق عند أعلى مستويات زيادة الوزن النسبي منذ خمس سنوات.
وذهب محللو «تي إس لومبارد» أبعد من ذلك، برفع مخصصاتهم لأسهم الأسواق الناشئة إلى أعلى مستوى على الإطلاق، وهي الآن تعادل ضعف مخصصاتهم للأسهم الأمريكية، تفاؤلٌ لم يُسجل منذ أكثر من عقدين.
هل نحن أمام فقاعة جديدة؟ ربما، فالتفاؤل المفرط غالباً ما يكون نذير تصحيح قاسٍ، لكن إن كان التحول العالمي نحو الذكاء الاصطناعي ما يزال في بداياته، ومبيعات وتوقعات إنفيديا الأخيرة تعزز هذا الطرح، فإن إعادة توزيع الاستثمارات بعيداً عن الولايات المتحدة تبدو منطقية استراتيجياً.
من الناحية المالية أيضاً، تبدو الحجة قائمة، فعلى الرغم من تقلص الفارق في التقييم بين مؤشر «إس آند بي 500» ومؤشر «إم إس سي آي» للأسواق الناشئة هذا العام، فإنه لا يزال مرتفعاً تاريخياً. بمعنى آخر، لا تزال أسهم الأسواق الناشئة رخيصة نسبياً رغم تفوقها في الأداء مؤخراً.
يضاف إلى ذلك سياق اقتصادي عالمي داعم: دولار أضعف، استقرار في سوق سندات الخزانة الأمريكية، واحتياطي فيدرالي يميل إلى التيسير. في ظل هذه البيئة، قد تظل التدفقات الرأسمالية نحو الأسواق الناشئة مستمرة.
نعم، التحول كان حاداً وسريعاً، لكن الحكم عليه بأنه بلغ مداه قد يكون سابقاً لأوانه، فطالما بقيت قصة الذكاء الاصطناعي في طور التوسع، واستمرت الاقتصادات الآسيوية في ترجمة التفوق الصناعي إلى أرباح حقيقية، فإن موجة الصعود، رغم سخونتها، قد لا تكون سوى بداية إعادة تموضع هيكلية في خريطة الاستثمار العالمي.

15 يناير 2026
صعود اليوان وطفرة صادرات الصين

جيمي ماكغيفر *

على الرغم من الارتفاع المستمر في قيمة اليوان الصيني، تبدو شهية بكين لتعزيز نمو الصادرات في أعلى مستوياتها، في مشهد يسلّط الضوء على العلاقة المعقّدة وغير المستقرة دائماً بين أسعار صرف العملات وحركة التجارة العالمية.
ومنذ شهر إبريل الماضي، وجّه بنك الشعب الصيني عملته نحو ارتفاع تدريجي بلغت نسبته نحو 3%، ليصل اليوان إلى مستوى 7.07 مقابل الدولار، وهو أقوى مستوى له منذ أكثر من عام. وتشير توقعات عدد كبير من المحللين إلى أن الدولار قد ينخفض إلى ما دون حاجز 7.00 يوان خلال 2026، وربما إلى مستوى 6.60 يوان، ما يعني ارتفاعاً إضافياً بنحو 7%، ويعيد العملة الصينية إلى مستويات عام 2022.
ومع ذلك، كان أحد أبرز الاستنتاجات التي خرج بها الاجتماع التخطيطي للحزب الشيوعي الصيني في أكتوبر الماضي، هو تردد بكين الواضح في التخلي عن نموذج النمو القائم على الصادرات. وهذا الموقف يبدو منطقياً في ظل استمرار معاناة الاقتصاد المحلي من تداعيات انفجار فقاعة العقارات، وضغوط انكماش الأسعار، وضعف الطلب الداخلي.
وبحسب تقديرات بنك «غولدمان ساكس»، أسهمت الصادرات بأكثر من نصف نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للصين خلال العامين الماضيين، ما يجعلها المحرك الأهم للاقتصاد في المرحلة الراهنة.
هل يضر ارتفاع العملة بتنافسية الصادرات؟
من الناحية النظرية، يفترض أن يؤدي ارتفاع قيمة العملة إلى جعل السلع المصدّرة أكثر كلفة في الأسواق العالمية، وبالتالي أقل قدرة على المنافسة. غير أن الواقع الصيني يبدو أكثر تعقيداً.
فعملياً، لا تشير البيانات إلى أن قوة اليوان الحالية تُعيق تدفق الصادرات الصينية. ويشير براد سيتسر، الزميل الأول في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي وأحد أبرز المتابعين للاقتصاد الصيني، إلى أن حجم الصادرات الصينية ارتفع بنحو 40% منذ نهاية عام 2019، في حين لم تزد الواردات سوى بنسبة 1% فقط.
وهذا يعني أن الصين لا تزال تضخ كميات ضخمة من السلع إلى الأسواق العالمية، على الرغم من تحسن سعر عملتها.
ولا يزال اليوان قريباً من أضعف مستوياته منذ 15 عاماً، وذلك على على أساس سعر الصرف الحقيقي الفعّال، الذي يأخذ في الحسبان فروق التضخم بين الدول. وقد تراجع بنحو 20% منذ أوائل 2022، وبنحو 50% مقارنة بعام 2012.
ويُعزى هذا التراجع في السنوات الأخيرة إلى عوامل عدة، أبرزها أزمة العقارات، والتباطؤ الاقتصادي، وخروج رؤوس الأموال، إضافة إلى الفجوة في أسعار الفائدة مع الأسواق العالمية. ويجمع كثير من المحللين على أن العملة الصينية لا تزال أقل من قيمتها العادلة.
والأهم من ذلك، أن الصين لم تعد مجرد مصنع العالم للسلع الاستهلاكية الرخيصة؛ بل أصبحت لاعباً رئيسياً في سلاسل الإمداد العالمية المتقدمة، وهي تهيمن على صناعات استراتيجية مثل السيارات الكهربائية، والألواح الشمسية، والبطاريات.
ويقول مارك تشاندلر، المدير الإداري في «بانكوكبيرن كابيتال ماركتس» إن الحجم الهائل للاقتصاد الصيني يجعل من الصعب جداً زعزعة موقعه التنافسي.
وبالنظر إلى هذا الحضور الكبير في القطاعات المتقدمة، يتبيّن أن صادرات الصين ليست شديدة الحساسية لتقلبات سعر صرف اليوان، على عكس ما قد توحي به النظريات التقليدية.
ويبقى سعر الصرف عاملاً مهماً، لكنه ليس العامل الوحيد المحدد للميزان التجاري لأي دولة. فهناك أيضاً الطلب المحلي، ونمو الاقتصاد العالمي، وأسعار السلع الأساسية، والسياسات التجارية، إضافة إلى الرسوم الجمركية والإجراءات الحمائية التي تزداد حضوراً في المرحلة الحالية.
وعلى الجانب الآخر، تعاني اليابان ضعفاً مزمناً في الين، الذي يقترب من أدنى مستوياته تاريخياً، ومع ذلك سجلت البلاد فائضاً تجارياً في كل عام من الأعوام الخمسة الماضية.
وتــشير هــذه المعــطــيات إلــى أن بكيـــن ستواصل اتباع سياسة «الرفع المُدار» لقيمة اليوان، وهي استراتيجية قد تُسهم تدريجياً في تهدئة التوترات التجارية مع الولايات المتحدة، وتخفيف حدة الانتقادات الموجهة إليها من دول آسيوية منافسة تتهم الصين بإغراق أسواقها بالسلع الرخيصة.
لكن في جوهر الأمر، فإن الدخول بقوة إلى الأسواق العالمية هو ما تسعى إليه الصين بالفعل، ويبدو أن قوة اليوان لن تكون عائقاً حقيقياً أمام هذه الاستراتيجية.
* كاتب صحفي متخصص في الاقتصاد وأسواق المال (رويترز)

25 ديسمبر 2025
مسار الدين الاستهلاكي الأمريكي

جيمي ماكغيفر*

سنوات من ارتفاع تكاليف الاقتراض والتضخم المستمر، أسفرت عن أزمة في القدرة على تحمل التكاليف في الولايات المتحدة، لكن بعض مؤشرات التعثر الاستهلاكي قد تشير إلى أن الصورة الاقتصادية قد لا تكون قاتمة كما يُعتقد.
واليوم، هناك الكثير من الحديث عن الاقتصاد: الأغنياء يزدادون ثراءً، بينما يكافح الباقون للبقاء على قيد الحياة. ويشدد المؤيدون لهذا التحليل على ملايين المستهلكين الذين يعانون صعوبة في الوفاء بديونهم، سواء كانت ديون بطاقات الائتمان أو القروض الطلابية أو قروض السيارات أو غيرها من الديون.
وإذا استمر تدهور سوق العمل، فإن الدخل سوف ينخفض، وستتسارع حالات التعثر، وسيتباطأ النمو الاقتصادي. وفي أسوأ الحالات، قد يتجه الاقتصاد نحو الركود التام.
ومع ارتفاع معدل البطالة إلى أعلى مستوى له في أربع سنوات، فإن هذه الحجة تبدو مقنعة، خاصةً في ظل تباطؤ التوظيف الذي يهدد بالتحول إلى تسريحات جماعية.
ومن الصحيح أن معدلات التعثر الاستهلاكي، بحسب بعض المقاييس، قد ارتفعت، كما تشير بيانات بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. لكن بحسب مقاييس أخرى، فهي إما منخفضة أو بدأت في الاستقرار بعد الارتفاع الثابت الذي أعقب جائحة «كوفيد-19».
و كتب جوزيف بريغز، الخبير الاقتصادي في «غولدمان ساكس»، أن مستوى مديونية الأسر وتكاليف خدمة الدين لا يزالان منخفضين مقارنة بالمعايير التاريخية، كما واصلت معدلات التعثر في بطاقات الائتمان الاستقرار خلال الربع الثالث من عام 2025.
فعلى المستوى الإجمالي، استقرت المدفوعات المتعلقة بخدمة الديون الأسرية كنسبة مئوية من الدخل الشخصي المتاح في الفترات الأخيرة عند حوالي 11%، وهو مستوى أقل من المستوى الذي كان عليه قبل الركود الناتج عن «كوفيد-19»، وأقل بشكل كبير من المستويات التي سبقت الركودات الثلاثة السابقة التي بدأت منذ عام 1990.
وبمقارنة هذه الأرقام مع احتمالية انخفاض أسعار الفائدة والتحفيز المالي في العام المقبل، فإن النظرة المستقبلية للمستهلك الأمريكي ومن ثم للاقتصاد بشكل عام، قد تكون أكثر إشراقاً مما كان يُخشى، حتى بالنسبة للطبقات ذات الدخل المنخفض.
وفيما يتعلق بديون بطاقات الائتمان، التي تقدر بحوالي 1.23 تريليون دولار في الولايات المتحدة، أو حوالي ربع إجمالي ديون الأسر، فإن معدلات التعثر قد تراجعت. وفي نهاية سبتمبر، بلغ المعدل الإجمالي 2.98% وفقاً لبيانات الاحتياطي الفيدرالي، وهو انخفاض من 3.22% في يونيو من العام الماضي، وهو أعلى مستوى منذ عام 2011.
وعند النظر إلى التفاصيل، هناك إشارات إيجابية حتى بالنسبة للطبقات ذات الدخل المنخفض، كما يشير جون سيلفيا، الرئيس التنفيذي والمؤسس لشركة الاستشارات «ديناميك إيكونوميك ستراتيجي». ويقول سيلفيا إنه في حال استثناء أكبر 100 بنك الذين يخدمون في الغالب العملاء الأثرياء، فإن معدلات التعثر في بطاقات الائتمان لدى حوالي 4000 بنك تجاري أمريكي أخرى أقل من 7%، وهو انخفاض عن ذروتها التي بلغت حوالي 8% في السنوات الماضية.
وأضاف سيلفيا أن التعثر في بطاقات الائتمان هو مؤشر حساس لدورة الائتمان.
ومن المهم أيضاً أن أسعار الفائدة المنخفضة في الأفق ستساعد على تخفيف عبء خدمة الديون، وهو ما سيعود بالنفع على جميع المقترضين، ليس فقط الأثرياء.
من الواضح أن نمو الأجور يعتبر أمراً حاسماً في السيطرة على التعثر، ويبدو أن هناك إشارات مشجعة في هذا الصدد، على الأقل في الوقت الحالي. ووفقاً لبنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا، لا يزال نمو الأجور السنوي الاسمي فوق 4%، وهو ما يعني أنه ما زال إيجابياً في المقاييس الحقيقية.
لكن من جهة أخرى، لا يزال التضخم مرتفعاً، مع تباطؤ خلق الوظائف، ويمكن العثور على حجج قوية ضد صحة حالة المستهلك بناءً على بيانات الديون والتعثر.
وعلى سبيل المثال، ارتفعت حالات التخلف عن سداد القروض الطلابية بعد انتهاء فترة التوقف التي استمرت 12 شهراً في أواخر العام الماضي. وهذه القروض تمثل 1.65 تريليون دولار، أو حوالي ثلث ديون الأسر غير المرتبطة بالرهن العقاري، وعبء هذه الديون يتزايد.
*كاتب صحفي متخصص في الاقتصاد وأسواق المال (رويترز)

25 نوفمبر 2025
عندما يفاقم العلاج العلة

جيمي ماكغيفر *

تتبنّى كلٌّ من الولايات المتحدة واليابان نهجاً غير مألوف لمكافحة التضخم، هو التحفيز المالي. ففي وقت تُحاصَر فيه الأسر بارتفاع تكاليف المعيشة، يلجأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيسة الوزراء اليابانية سناي تاكايتشي إلى تقديم دعم مالي سخي للناخبين الغاضبين. لكن منح هبات مالية لتهدئة التضخم أشبه بمحاولة إخماد الحريق برشّ مزيد من الوقود عليه.
مطلع الشهر الجاري مُني الحزب الجمهوري بخسائر انتخابية مهمّة في مناصب حكام الولايات ورؤساء البلديات، حيث لعبت المخاوف بشأن غلاء المعيشة دوراً رئيسياً في قرار الناخبين. ويبدو أن البيت الأبيض التقط الرسالة بوضوح، والرئيس ترامب عازم، حسبما نشر على منصته «تروث»، على منح شيك بقيمة 2000 دولار إلى معظم الأسر الأمريكية، كعائدات تعريفات جمركية جرى تحصيلها نتيجة زيادة الرسوم على الواردات. وقال وزير الخزانة سكوت بيسنت، إن الأمر قيد النقاش.
لكن السؤال الذي يُطرح هنا، ألم تكن مئات مليارات الدولارات من الإيرادات الجمركية مخصّصة لتقليص عجز الموازنة؟ من الواضح أن هذا الهدف لم يعد أولوية.
فقد تبيّن ذلك حين مرّر ترامب، في وقت سابق هذا العام، مشروع قانون «ون بيغ بيوتيفُل»، الذي حفل بتخفيضات ضريبية من المتوقع أن تضيف 2.4 تريليون دولار إلى عجز الموازنة خلال العقد المقبل، وفقاً لمكتب الموازنة في الكونغرس.
بمعنى آخر، تضع إدارة ترامب النمو قبل أي شيء، حتى لو كان الثمن استمرار التضخم فوق المستوى المستهدف. فالمسؤولون، وإن لم يصرّحوا بذلك علانية، يبدو أنهم يقبلون بتضخم قريب من 3% بدلاً من هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%، طالما أن ذلك سيكون مُجدياً لرفع معدلات النمو الاسمي.
على المقلب الآخر، من الواضح أن رئيسة الوزراء اليابانية الجديدة ارتأت المضي في الطريق نفسه. فقد لعبت زيادة تكاليف المعيشة في بلادها دوراً محورياً في الهزيمة التاريخية التي مُني بها الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم هذا الصيف، وهو ما مهّد لصعود تاكايتشي المفاجئ إلى السلطة.
لكن بدلاً من اللجوء إلى تشديد السياسة لكبح التضخم، تتجه تاكايتشي، على غرار ترامب، نحو تخفيف القيود المالية على الإنفاق. ولأجل ذلك، تُعد حكومتها الجديدة حزمة تحفيز اقتصادي يُرجّح أن تتجاوز قيمة الحزمة السابقة البالغة 92 مليار دولار، وتهدف إحدى ركائزها الثلاث إلى تخفيف أثر ارتفاع الأسعار على الأسر.
كما تعمل تاكايتشي على تعيين مؤيدين للسياسة المالية التوسعية في اللجان الاقتصادية الحكومية، وفتح الباب لتخفيف الالتزامات طويلة المدى المتعلقة بإعادة ترتيب أوضاع المالية العامة.
وفي الوقت ذاته، وجّه ترامب وتاكايتشي رسائل صريحة إلى البنك المركزي في بلديهما، بالإبقاء على السياسة النقدية التيسيرية، وهو أمرٌ لا يتفق معه كثير من صانعي السياسات النقدية. بعبارة أخرى، يحاول القادة في واشنطن وطوكيو كبح جماح التضخم بسياسات قد تؤدي إلى تحفيزه.
لا شك أن التحفيز المالي أداة قوية، خصوصاً حين يُوجَّه نحو ذوي الدخل المنخفض الذين يُنفقون كل دولار يصل إليهم. وقد أثبتت التجارب، من الأزمة المالية العالمية إلى جائحة كورونا 2020، أن الإنفاق الحكومي السخي ضروري حين ينهار الطلب وتواجه الاقتصادات خطر الانكماش الحاد.
لكن الوضع اليوم مختلف تماماً، فلا الولايات المتحدة ولا اليابان تعيشان أزمة اقتصادية. النمو ما زال إيجابياً ولو بوتيرة معتدلة لديهما، والبطالة عند مستويات تاريخية متدنية، في حين يقف التضخم فوق الهدف الرسمي بنقطة مئوية أو أكثر.
كما أنه من غير الواضح إلى أي مدى سيعزز هذا الإسراف المالي النمو، إذ لا يوجد إجماع واضح حول حجم «المضاعف المالي»، أي مقدار الزيادة في النمو الاقتصادي الناتج عن الإنفاق الحكومي الإضافي أو التخفيضات الضريبية. لكن الاقتصاديين يتفقون على أن المعدّل يكون أعلى في فترات الركود، وحين تكون نسبة الدين إلى الناتج منخفضة، وحين تكون السياسة النقدية أقل نشاطاً. أي في ظروف تختلف جذرياً عن تلك الموجودة اليوم في كلا البلدين. ولهذا، فإن موجة الإنفاق ذات الطابع الشعبوي قد تكون مغرية سياسياً لواشنطن وطوكيو، لكنها في سياق خفض التضخم، تُعد نهجاً غير تقليدي، وربما غير فعّال، وقد تزيد من صعوبة هذا الصراع.
* كاتب متخصص في الاقتصاد وأسواق المال (رويترز)