د. أيمن سمير
عندما تم الإعلان عن «المبادرة الرباعية» لوقف الحرب في السودان خلال سبتمبر الماضي اعتقد البعض أنه سوف يكون «للدبلوماسية» فرصة كبيرة أمام خيار «البندقية» الذي ظل الخيار الوحيد لحكومة الإخوان منذ اندلاع الحرب في السودان 15 إبريل عام 2023
لكن فوجئ أغلب السودانيين بإعلان الفريق عبد الفتاح البرهان صباح يوم الجمعة 14 نوفمبر الجاري من ولاية الجزيرة «التعبئة العامة» من جديد، ليقول بكل وضوح «لا للدبلوماسية»، و«لا للحلول السياسية»، ونعم فقط «للرصاص والبندقية»
رغم فشل عدد من «التعبئات العامة» السابقة التي أعلنها البرهان في 2023 و2024 في تحقيق نصر كاسح أو القضاء ب«الضربة القاضية»على قوات «الدعم السريع»، إلا أن حسابات حكومة بورتسودان تتعلق فقط بالقتل والكراهية وإطالة زمن الحرب، فجزء كبير من السودانيين تمنى أن توافق حكومة البرهان على «خطة السلام الرباعية» التي طرحتها الولايات المتحدة ودولة الإمارات العربية المتحدة ومصر والسعودية من أجل وقف الحرب لوضع حد للمعاناة والمآسي التي يعانيها جموع السودانيين منذ 30 شهراً، وأدت إلى مقتل مئات الآلاف، ونزوح 13 مليون شخص، وهروب نحو 4 ملايين من أتون الحرب إلى دول الجوار.
الدعوة «للتعبئة العامة» والإصرار على مسار أثبت فشله على مدار 30 شهراً من الحرب دفع السودانيين إلى اتهام حكومة بورتسودان أنها «منفصله عن الواقع»، ولا تهتم لمعاناة الأطفال والنساء الذين دفعوا ثمناً فادحاً لحرب ليس لهم فيها ناقة ولا جمل، وزاد من حيرة السودانيين حيال قرار «التعبئة العامة» أنه تزامن مع رفض حكومة البرهان وصول «لجنة تقصي الحقائق» التي أوصى بها المجلس الدولي لحقوق الإنسان في المناطق التي يسيطر عليها جيش البرهان، وهو ما يعني أن الإعلان عن التعبئة العسكرية العامة سوف يقطع الطريق على أي جهد سياسي أو قانوني لوقف الحرب، لكن الذي تسبب في غضب أغلب السودانيين من «قرار التعبئة العامة» هو يقين الشعب السوداني أن المجموعات العسكرية المحيطة بالبرهان «غير قادرة» على حسم المعركة عسكرياً، فلماذا الإصرار إذاً على الخيار العسكري رغم أن كل المؤشرات تقول إن انتكاسات عسكرية جديدة تنتظر حكومة البرهان في با بنوسة وكردفان وربما يصل الأمر بعدها إلى أم درمان وكل مناطق الخرطوم؟، وما هي الدوافع الحقيقية وراء إعلان «التعبئة العامة»؟ وما هي الرسائل التي أراد البرهان أن يرسلها من «ولاية الجزيرة»؟ وإلى أي مدى سوف تغير هذه الدعوة «للتعبئة العامة» من مسارات الحرب والسلام في السودان خلال الفترة المقبلة؟

أسباب
لم تأتِ دعوة البرهان «للتعبئة العامة» من فراغ، فالدعوة جاءت بعد انتكاسات عسكرية متلاحقة منذ مايو الماضي خسر فيها الجيش 3 مناطق هامة واستراتيجية وهي «مثلث الحدود» على الحدود بين ليبيا والسودان وتشاد، وخسر كل ولايات دارفور الخمسة وفقد مدينة بارا الاستراتيجية على أبواب «الأبيض» عاصمة كردفان، وتتعرض مواقعه يومياً لغارات لا تنتهي من الدعم السريع في الخرطوم، وقاعدة مروي في الشمال، وحتى مقر حكومته في بورتسودان، لهذا أعلن «التعبئة العامة» لتحقيق مجموعة من الأهداف وهي:
أولاً: رفع الروح المعنوية
بعد الانكسارات الكثيرة التي تعرضت لها التنظيمات العسكرية التابعة لحكومة البرهان في مختلف الجبهات «اهتزت الثقة» في أداء جيش البرهان، وتوقع البعض أن تحدث انهيارات جديدة في صفوف الجيش، وبالفعل بدأ الحديث في وسائل الإعلام السودانية وغير السودانية عن «فقدان الثقة» بقدرة جيش بورتسودان على حماية المناطق التي تحت سيطرته خصوصاً في كردفان وولاية الجزيرة والولاية الشمالية، كما أن الكثير من المواطنين السودانيين يتحدثون عن «هزائم جديدة» قد تلحق بمجموعات البرهان، ولهذا بدأت حكومة بورتسودان حملة لرفع الروح المعنوية للمقاتلين على خطوط التماس بزعم أن هناك دعم وعناصر جديدة سوف يلحقون بهم حتى لا تنهار الجبهة الأمامية، وثانياً من أجل طمأنة «البيئة الحاضنة» لإخوان السودان سواء في الداخل والخارج بما يضمن استمرار الدعم الإعلامي والسياسي والمالي وتدفق السلاح، لأن معركة الفاشر كشفت عجز المجموعات العسكرية التابعة للبرهان عن مواصلة «حرب المدن» التي تتسم بها الحرب السودانية.

ثانياً: حتى آخر سوداني
المعروف عن «الجماعات الثيوقراطية» ذات الأفكار الأيدلوجية المغلقة أنها لا تؤمن بالواقعية، ولا تكترث للخسائر المادية والبشرية، بل هي جماعات وتنظيمات مستعده للقتال حتى آخر شخص، وسبق للفريق البرهان أن علق على الخسائر البشرية التي لحقت بالمجموعات العسكرية التابعة له بالقول إن هناك «ملايين السودانيين المستعدين للتضحية بأرواحهم»، كما أن مساعده ياسر العطا قال في تصريح شهير في إبريل 2024 أنهم سوف يقاتلون «حتى آخر سوداني» دون الاكتراث للتدمير الهائل الذي تسبب فيه قرار الحرب، وهناك تقديرات تقول إن جيش البرهان خسر نحو 60 ألف عنصر في معارك الفاشر ودارفور التي استمرت نحو 500 يوم، ومن يدقق في البيانات الإعلامية الصادرة عن حكومة بورتسودان يتأكد له أنها تحاول التقليل من الخسائر المادية والبشرية، فكل التقديرات تؤكد أن الخسائر أكبر بكثير مما هو معروف أو موثق، فعدد 150 ألف قتيل ورد منذ 30 أغسطس 2024 في تقرير منظمة «جينوسايد»، وبعد أكثر من 14 شهراً من القتال تحرص حكومة بورتسودان على تكرار نفس الرقم رغم أن أكثر من 14 شهراً من القتال بعد 30 أغسطس 2024 شهدت خسائر فادحة في الأرواح والبنية والتحتية وممتلكات المواطنين، وحتى أواخر أغسطس 2024 ذهبت الكثير من التقديرات الغربية إلى خسارة نحو 20% من الرصيد الرأسمالي للاقتصاد السوداني الذي يقدر بنحو 600 مليار دولار، وتآكل أكثر من نصف الناتج القومي الإجمالي الذي يبلغ متوسطه السنوي نحو 33 مليار دولار، وفقدان السودان لنحو 80% من القدرة الإنتاجية الصناعية حيث وصلت الخسائر إلى نحو 600 مصنع منها 400 في الخرطوم وحدها، وفق بيانات اتحاد أصحاب العمل السوداني، وكل ذلك يرجح خسارة السودان مع الإنفاق العسكري لنحو 800 مليار دولار، وكلما رفض البرهان «مبادرات وقف الحرب» تعمقت الخسائر البشرية والمادية للسودان، ولهذا جاء الإعلان عن «التعبئة العامة» باعتبارها «هروباً للأمام»، فبدلاً من الانصياع لصوت العقل، والتحلي بالحكمة، والإنصات لروح الإنسانية، ومناقشة «المبادرة الرباعية» تهرب مجموعات بورتسودن إلى الأمام عبر الإصرار على السيناريو العسكري والدعوة إلى«التعبئة العامة» التي تؤكد كل الشواهد أنها سوف تفشل في إنقاذ سفينة إخوان السودان من الغرق.
ثالثاً: تعويض الخسائر
«عدم قناعة» المواطن السوداني بأهداف الحرب التي أعلنتها حكومة البرهان دفعت الآلاف من الشباب السوداني للهروب من الذهاب إلى معركة بلا هدف، وقتال بلا نهاية، ولهذا هرب الآلاف وربما الملايين من الشباب إلى مناطق آمنة داخل السودان أو الفرار إلى خارج البلاد، وبعد الخسائر البشرية الفادحة التي لحقت بجيش البرهان الذي يعتمد على الزج بأكبر عدد من العناصر القتالية حتى لو كان الهدف العسكري لا يستحق كل هذه الخسائر البشرية، تراجعت «القوة القتالية» للمجموعات العسكرية الداعمة لجيش بورتسودان، ولهذا جاءت الدعوة للتعبئة العامة «بهدف رفد وتعزيز الجبهات القتالية وتعويض الخسائر الفادحة التي تعرض لها جيش البرهان خلال الشهور الماضية، وتترافق هذه» الدعوة للتعبئة العامة «مع محاولات مستميته من أجل إقناع الشعب السوداني بأن مجموعات البرهان قادرة على تعويض الخسائر السابقة ومواصلة الحرب، ولهذا زعمت «كتيبة البراء» بأنها بصدد تجهيز 60 ألف عنصر قتالي خلال الفترة المقبلة لوقف زحف قوات «الدعم السريع».

رابعاً: عقدة كردفان
خلال 18 شهراً و500 يوماً فشل جيش الإخوان في عبور كردفان لفك الحصار عن عناصره في الفاشر بسبب تمركز قوات الدعم السريع شمال كردفان، مما منع تقدم الإخوان نحو الفاشر، لكن بعد السيطرة على الفاشر بدأت قوات «الدعم السريع» التحرك ناحية كردفان بشكل هجومي وليس دفاعياً فقط، في محاولة لتوسيع نطاق السيطرة إلى مناطق جديدة مثل بابنوسة والرهد والحاج أحمد وأمدام وسيالة، وهناك اتفاق أن مدينة «الأبيض» عاصمة ولاية كردفان هي الاختبار الحقيقي للتحول الكبير نحو انهيار المجموعات العسكرية لحكومة الإخوان، فسقوط الأبيض لن يمكن تبريره باعتباره انسحابا تكتيكياً كما زعم جيش البرهان عقب خسائر دارفور والفاشر، فالأبيض ليست مدينة كبيرة فحسب، بل عقدة استراتيجية تتحكم بخطوط الإمداد التي تربط غرب السودان بالشرق والوسط، وحال سيطرة الدعم السريع عليها فإنها تفتح الطريق نحو «مثلث العاصمة» الذي يضم الخرطوم، والخرطوم بحري، وأم درمان، بل يمنح وقتها الأفضلية للدعم السريع في السيطرة على ولايتي الجزيرة والنيل الأبيض، خصوصاً أن الأبيض قريبة جداً من حقول النفط التي تنتج نحو 35 ألف برميل يومياً، كما أنها مركز لتلاقي عدد من خطوط السكك الحديدية التي تربط شرق وغرب السودان بدولة جنوب السودان، ولهذا ترى مجموعات الإخوان أن الدفاع عن الأبيض هو دفاع عن مشروع الإخوان في السودان.
خامساً: الالتفاف على التحقيقات الدولية
تزامن إعلان «التعبئة العامة» في السودان من جانب الفريق البرهان مع رفض واضح من سلطة بورتسودان «للمبادرة الرباعية» لوقف إطلاق النار، لكنه جاء أيضاً في أعقاب مطالبة المجلس العالمي لحقوق الإنسان بالإجماع بتشكيل «لجنة تقصي حقائق» حول انتهاكات حقوق الإنسان في المناطق التي يسيطر عليها الطرفان، وفي الوقت الذي قبلت فيه قوات «الدعم السريع» العمل مع لجنة تقصي الحقائق، واستعدادها لاستقبالها وتسهيل مهمتها رفضت سلطة الإخوان في بورتسودان التعامل أو التعاطي مع لجنة «تقصي الحقائق».
سادساً: نحن من يمسك بالخيوط
بعد اهتزاز صورة حكومة وجيش الإخوان في الخارج أراد الفريق البرهان أن يقول من خلال «التعبئة العامة» أنه وحكومته ومجموعاته العسكرية هم من يمسكون بزمام الأمور في البلاد، وأن انهيار الجيش أو حكومته أمر بعيد المنال على الأقل في الأيام المقبلة.

3 سيناريوهات:
في ظل الدعوة «للتعبئة العامة»، والاستجابة الضعيفة لها من جانب الشباب السوداني هناك 3 سيناريوهات تنتظر السودان وهي:
أولاً: التقسيم
لأن رفض مبادرات وقف الحرب من جانب الإخوان، وفي ظل امتلاك كل طرف مقومات وموارد ضخمة ومناطق قريبة من بعضها البعض حيث يوجد الدعم السريع في الغرب، والإخوان في الشرق، فإن السيناريو الأقرب للإخوان في السودان هو تقسيم البلاد، وهو سيناريو يتفق من رؤيتهم التي ترى أن حكم «متر واحد» أفضل من القبول بالتعايش مع الآخرين في دولة واحدة وموحدة.
ثانياً: التفتيت
إعلان التعبئة العامة يمكن أن يدفع بالسودان إلى «حرب أهلية شاملة» لأن التعبئة العامة، وتسليح المدنيين خارج سيطرة الدولة قد يعقد أي حلول سياسية مستقبلية، ويقود إلى تمزيق النسيج الاجتماعي والسياسي للبلاد، وفي ظل وجود جيوش كثيرة في السودان بخلاف مجموعات البرهان والدعم السريع فإن هذا السيناريو ليس بعيداً، وهو السيناريو الأكثر دموية، ويفترض تحول الحرب إلى حرب مدن شاملة، وتحول الصراع من خطوط مواجهة واضحة إلى فوضى أمنية شاملة حيث تختلط القوات بالمدنيين وتتحول الأحياء السكنية إلى ساحات قتال.
ثالثاً: التجميد
في ظل المؤشرات على فشل «التعبئة العامة» هذه المرة كما هي المرات السابقة فإن هذا الوضع قد يدفع مجموعات الإخوان إلى تبني «استراتيجية دفاعية» عن المناطق التي يسيطرون عليها، ويتوقف الدعم السريع عن مهاجمة تلك المناطق حتى لا يسقط مزيد من الضحايا، ويمكن وقتها «تجميد الصراع» عند الحدود الحالية لتصبح كردفان (منطقة عازلة) بين مناطق الدعم السريع في الغرب، وجيش البرهان في الشرق.
المؤكد أن مد يد السلام، وتسهيل عمل المؤسسات الأممية هو الطريق لحل الصراع في السودان، وليس (التعبئة العامة) ودعوة الآخرين إلى خطوط القتال بما يجعل الملايين من السودانيين أسرى للفوضى والخراب والجوع والأمراض.
