الناشر: دار روايات
بعض الأعمال الروائية تكتسب خلودها من كونها قريبة جداً من الواقع، رصدت تلك التحولات العميقة في دواخل البشر نتاج الاصطدام ببؤس الحياة، وعمقت من ضرورة البحث عن أفق للإنسانية عبر طرح الأسئلة والتأمل في الوجود والذهاب بعيداً في التاريخ من أجل اكتشاف الراهن والمستقبل، وعقدت تلك المواجهة التي تظل مؤجلة على الدوام بين الإنسان وذاته.
رواية «المملكة المتسامية: من قاع الاكتئاب تولد قوة الاكتشاف»، للكاتبة يا جسي، من الإصدارات الحديثة لدار روايات، وهي من الأعمال السردية التي تعلق كثيراً في ذهن القارئ بحيث لا يستطيع أن يتخلص من أسئلتها أو أحداثها وشخوصها، والأهم من ذلك القضية التي تطرحها، حيث تحتشد الرواية بعدد من الثيمات مثل الفقد والوحشة والعزلة والصمت والهجرة، وجميعها تقود إلى محاولة الإنسان المستمرة في البحث عن ذاته، أو من أجل اكتشاف نور يبدد ليالي الظلمة القاتلة والموحشة، هي رواية الصبر والخلاص والتفكير العميق في البشر ومصائرهم منذ لحظة الأسرة والعائلة التي هي، وعلى الرغم من ما نراه، ليست نسيجاً موحداً، فكل فرد فيها له عالمه ومشاكله ولحظة توهانه وشروده الخاصة جداً التي تجعله عضواً مغترباً عن جوهر معنى الأسرة والجماعة.
*عقل وروح
جاء في التعريف بعوالم الرواية من قبل دار روايات: «هي روايةٌ آسرة تتناول بعمقٍ وشاعرية أسئلة الإيمان والعلم والحزن والمعنى الإنساني في مواجهة الفقد، تتبع الرواية شخصية غيفتي، طالبة دكتوراه لامعة في علم الأعصاب بجامعة ستانفورد، تبحث في سلوك المكافأة لدى الفئران في محاولةٍ لفهم إدمانٍ دمّر حياة شقيقها والاكتئاب الذي شلّ والدتها. وبينما تغوص في العالم المنطقي البارد للبحث العلمي، تطاردها ذكريات طفولتها كابنةٍ لمهاجرين غانيين في ولاية ألاباما، ممزّقةً بين يقين العقل ونداء الإيمان، وبأسلوبٍ دقيقٍ وحنون، تستكشف يا جسي التداخل المعقّد بين العقل والروح، العلم والمعتقد، الهوية والإرث العائلي».
يبحث العمل في سيادة روح الفردانية في عالم بارد لا قلب له، عندما يجد المرء نفسه في مواجهة الصعاب الكبيرة التي لا يستطيع أن يحتملها، خاصة تلك المتعلقة بالعلاقات مع أقرب الناس إلى قلبك وروحك ممن يربطك بينهم رباط الدم الأبوي من جد وأب وأم وأخ وأخت، وكيف يتفتت ذلك الرباط المقدس في رحلة الوصول إلى عالم جديد مختلف من حيث الثقافة والعلاقات الاجتماعية، في تلك اللحظة فإن متغيرات كبيرة تطرأ ليس على مستوى العلاقات فقط، بل وكذلك ما تحمله الروح من مشاعر والعقل من ثوابت وإيمان، لينهض فجأة في روحك الماضي بكل ثقله وتحاصرك فيوض الذكريات من العالم الذي قدمت منه.
كل شيء في هذه الرواية رائع، فالقصة منسوجة بشكل متقن عن امرأةٍ تحاول النجاة من حزنِ شقيقٍ فقدته بسبب الإدمان، وأمٍّ عالقةٍ في الاكتئاب، وذكريات عن جدة لاقت ذات المصير، ففضاء العمل السردي محاصر بروح الكآبة والبؤس، لكن الكاتبة تفتح للأمل باباً، وهو المتمثل في ذلك الطموح الذي يجعل بطل القصة تبحث عما هو أفضل، لتبرز لحظة النجاة في ذلك الرهان على المستقبل على شيء قد يأتي أو لا يأتي لكنه يمثل في المحصلة الأخيرة طوق النجاة الوحيد، ولكن هل يستطيع الزمن أن يمحو تلك الأحزان الثقيلة، أن يمرر حمولة البؤس الفائضة أن يجعل الشمس تشرق من جديد؟
*تفكيك العنوان
لا سبيل غير الانتظار، ولا خلاص بغير خوض التحدي كاملاً، وهذا ما يحمله عنوان العمل السردي البديع من دلالات، فمن قلب العتمة يولد النور ومن قاع الاكتئاب تولد قوة الاكتشاف، فالذي لا شك فيه أن تلك الحياة، وما تسود فيها من مشاعر قاتمة هي بئر بعيد القرار، مهما حاولت أن تصرخ فلن تسمع سوى صدى صوتك يرتد إليك ليأتيك بنبأ أنك لا تزال في قاع الجب ولابد من الاكتشاف الذي يتطلب القوة والتحدي وذلك هو «التسامي»، فوق الجراح والألم من أجل البحث عن نهاية للأوجاع، فالعنوان الذي اختارته الكاتبة هو بالفعل يمثل عتبة نصية مهمة تفضي إلى عوالم وفضاءات السرد وأحداثه.
*صراع
لعل أهم ما يلفت الانتباه في هذه القطعة السردية هو الصراع الذي يعتمل في الدواخل بشكل أساسي، حيث يبرز صراع الإنسان مع إيمانه والخوف من أن يفقده، وتلك هي اللحظة التي يطلق فيها السرد سيلاً عاتياً من الأسئلة حول المصير والإنسان والوجود، فالبعد الفكري في العمل عميق ومتجذر مع حفاظ مبدع على الأبعاد الجمالية المتمثلة في أدوات تمكنت منها الكاتبة، بحيث لا تتحول الرواية إلى كتاب في الفلسفة أو علم النفس تنفي طبيعتها الجمالية السردية، فنجحت باقتدار كبير في خلق عوالم مثيرة ومشوقة.
وربما من أهم العوامل التي ساعدت في نجاح هذه الرواية هو تلك اللغة الأنيقة والجمل البلاغية والمقدرة على صناعة الصور والمشاهد الحية بشكل مؤثر، فالكتابة عبارة عن دفق وجداني بعبق عاطفي يتورط معه القارئ في حب الشخوص والأحداث، ويتعلق بشكل خاص ببطلة العمل صاحبة التفكير المختلف والعاطفة الجياشة تجاه أخيها وأمها وأفراد عائلتها، والمتعة الأكبر في ذلك التجوال الرائع بين الماضي والحاضر، وفي الأمكنة ما بين البقاع التي شهدت المولد والنشأة في قلب إفريقيا، وبين التي احتضنت القادمين في الولايات المتحدة.
وبصورة عميقة ومعقدة تحدثنا الرواية كذلك عن العرق والثقافات المتباينة المختلفة في الولايات المتحدة، ومحنة الإنسان الإفريقي مع الهجرة والترحال الذي يجعله مغترباً عن جوهره، فما تريد الرواية أن تخبرنا عنه أن إنسان إفريقيا يعيش كآبة كبيرة عندما يفارق أرض الأجداد، فتحاصره أشباح تدعوه للعودة إلى الجذور.
*وصف
تعتبر القدرة المميزة على الوصف أهم تقنيات الكاتبة، سواء المتعلق بالأمكنة أو الأزمنة والارتداد في الماضي، أو وصف دواخل الإنسان، فهي تغوص عميقاً داخل النفس البشرية لتبرز ما فيها من مشاعر وصراع، وكذلك علاقة المرء بالآخر من خلال قوة وصف ما عاشه الأخ نانا، الذي كان رياضياً موهوباً فتوفي بجرعة زائدة من الهيروين بعد إصابة في الركبة جعلته مدمناً، وما عاشته الأم، التي تُفكر في الانتحار تعيش في فراشها، وبشكل أكبر، تلك الحياة والتقلبات التي مرت بها بطلة العمل غيفتي، ومعاناتها الرهيبة، ومحاولتها الدؤوبة في اكتشاف الأساس العلمي للمعاناة التي تراها أمامها.
*اقتباسات
«عندما نتعلم شيئاً صغيراً، يضيء ضوء خافت في ممر مظلم».
«بالنسبة لمعظمنا، ميكانيكياً وجسدياً، الموت أصعب من الحياة».
«ذكريات من لا تكاد تعرفهم غالباً ما تُمنح نوعاً من البهجة».
«نحن البشر مهملون مع حياتنا، لأننا لا نريد أن نعرف ما سيحدث».
«لسنا بحاجة لتغيير أدمغتنا إطلاقاً. فالزمن يُفرغها من ذاكرتنا».
«عش طويلاً وستنسى كل ما ظننت أنك ستتذكره دائماً».
«أريد كل شيء، وأريد أن أتخلى عن كل شيء».
صدر في الشارقة
«المملكة المتسامية».. الرواية باب الأمل
30 نوفمبر 2025 15:15 مساء
|
آخر تحديث:
30 نوفمبر 15:15 2025
شارك
المملكة المتسامية - يا جسي