الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

قبس من معجم الأمة

14 أغسطس 2026 22:29 مساء | آخر تحديث: 14 أغسطس 22:52 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
قبس من معجم الأمة
icon الخلاصة icon
المعجم التاريخي يوثق تطور ألفاظ العربية؛ يشرح دَعِجَ سواد العين، وناشَ نهض/مشى/أصاب/تعلّق، ومتن الظهر عبر العصور
المعجم التاريخي للغة العربية، هو في العمق معجم الأمة الذي يدون مفرداتها، ويوثق تطور كل كلمة بمعناها ودلالتها وسياق استخدامها وفضاء تداولها، وعندما نفتحه فنحن في الحقيقة لا نطل على اللغة وحسب، ولكننا نشاهد تاريخ العرب يتحرك أمامنا من خلال شعرهم ونثرهم، أيامهم وملاحمهم، أمثالهم وحكمهم، ومع كل هذا نشعر بآمالهم وطموحاتهم وأمنياتهم وما فكروا فيه، وما حلموا به..
ونظراً لفرادة المعجم في معناه ومبناه نقتبس منه في هذه الزاوية في كل أسبوع قبساً يضيء جانباً من روح الأمة التي يحق لها أن تفرح وتفخر بهذا المعجم.

دَعِجَ

يقال دَعِجَتْ(بِكَسْرِ العَيْنِ) عَيْنُ فُلانٍ تَدْعَجُ (بِفَتْحِ العَيْنِ) دَعَجًا، ودُعْجَةً: اشْتَدَّ سَوادُها واتَّسَعَتْ، مَعَ اشْتِدادِ بَياضِها. فَهُوَ أَدْعَجُ، وَهِيَ دَعْجاءُ (ج) دُعْجٌ.
وأذا ما تتبعنا شواهد هذه المفردة الجميلة سنجد حضورها في عصر قبل الإسلام في قول امْرُؤُ القَيْسِ يَصِفُ صائِدًا:
وَأدْعَجُ العَيْنِ فيها لاطِئٌ طَمِرٌ
ما إِنْ لَهُ غَيْرَ ما يَصْطادُ مُكْتَسَبُ
ويستمر المعنى ذاته في العصر الإسلامي، قالَ النَّبيُّ يُبَيِّنُ سُنَّةَ الْمُتَلاعِنَيْنِ:
«انْظُرُوها، فَإِنْ جاءَتْ بِهِ أَسْحَمَ أَدْعَجَ الْعَيْنَيْنِ، عَظيمَ الْأَلْيَتَيْنِ، فَلا أَرَاهُ إِلّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْها، وَإِنْ جاءَتْ بِهِ أُحَيْمِرَ، كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ، فَلا أَراهُ إِلّا كاذِبًا»
وأيضاً في قول يَزيدُ بْنُ مُعاويةَ يَتَغَزَّلُ:
فَلا فَخْرَ إِنْ شَبَّهْتَ بِالبَدْرِ مَبْسَمي
وَبِالسِّحْرِ أَجْفاني وَبِاللَّيْلِ مَدْعَجي
وفي العصر العباسي العباسي يقول الأَوْزاعيُّ يَصِفُ بَلْقيسَ:
«كُسِرَ ‌بُرْجٌ ‌من ‌أَبْراجِ تَدْمُرَ فَأَصابوا فيْهِ امْرَأَةً حَسْناءَ دَعْجاءَ مُدْرَجَةً مُدْمَجَةً، كَأَنَّ أَعْطافَها طَيُّ الطَّواميرِ المُدْرَجَةِ».
وفي عصر الدول والإمارات يقول لقَرافيُّ:
«وإِنِ اشْتَدَّ سَوادُ العَيْنَيْنِ فَأَدْعَجُ، وامْرَأَةٌ ‌دَعْجاءُ».
وفي العصر الحديث، يستمر المعنى في تسجيل حضوره في قول البُجَيْرَميُّ يَذْكُرُ شُروط العَقْدِ:
«فَإِذا شُرِطَ كَوْنُهُ أَدْعَجَ أَوْ أَزَجَّ أَوْ أَكْحَلَ اشْتُرِطَ مَعْرِفَةُ مَدْلُولِ هَذِهِ الْأَلْفاظِ مِنْ الْعاقِدَيْنِ وَعَدْلَيْنِ».

ناشَ

هذه المفردة لاتزال تستخدم حتى يومنا هذا خصوصاً في اللهجة المحلية الإماراتية، وهنا نأتي على بيان معناها، إذ يرد في المعجم بيان ذلك، حيث يرد معنى ناشَ: أي أَسْرَعَ في النُّهوضِ،
وهنا يتوافق المعنى مع استخدامه في اللهجة الدارجة المحلية، في قولنا «نش من النوم»، أي بمعنى نهض
ويقال أيضاً ناشَ فُلانٌ وغَيْرُهُ يَنوشُ نَوْشًا: أي بمعنى مَشى.
يقول ابْنُ عَبّادٍ في العصر العباسي:
«‌وناشَ ‌يَنوشُ نَوْشًا، فهُوَ نائِشٌ، أَيْ: مَشى مَشْيًا». (وهَذِهِ الدَّلالَةُ سَجَّلَتْها المَعاجِمُ في بَقِيَّةِ العُصورِ)
وفي العصر العباسي يقول الرّاجِزُ مِن شَواهِدِ ابْنِ فارِس، يَصِفُ ناقَةً:
باتَتْ تَنوشُ العَنَقَ انْتِياشا
كما نجد معنى من معاني ناشَ في قولنا ناشَ مِنَ الطَّعامِ: أي أَصابَ مِنْهُ.
والشاهد على ذلك نجده في العصر العباسي في قول أبو زَيْدٍ الأَنْصاريُّ:
«يُقالُ: نُشْتُ مِن الطَّعامِ أَنوشُ نَوْشًا، وقَرَشْتُ مِنْهُ: أَصَبْتُ مِنْهُ». (وهَذِهِ الدَّلالَةُ سَجَّلَتْها المَعاجِمُ في بَقِيَّةِ العُصورِ)
كما يسجل المعجم معنى من معاني ناشَ في قولنا ناشَ بِفُلانٍ وغَيْرِهِ: أي بمعنى تَعَلَّقَ بِهِ.
وعلى ذلك شاهد من عصر الدول والإمارات، فيقول الفَتَّنيُّ الهِنْديُّ:
«وناشَ ‌بِهِ: تَعَلَّقَ». (وهذه الدلالة سجلتها المعاجم في العصر الحديث).

مَتْنُ

المَتْنُ: هو الظَّهْرُ، وهو بصيغة الجمع مُتونٌ.
وهي من المفردات التي ظهرت واستمرت في اللغة العربية على مدى العصور في ذات المعنى والدلالة، ونجد على ذلك شاهداً في عصر ما قبل الإسلام
فيقول امْرُؤُ القَيْسِ الكِنْدِيُّ يَصِفُ شَعْرَ امْرَأَةٍ بِالطّولِ:
وفَرْعٍ يَزينُ المَتْنَ أَسْوَدَ فاحِمٍ
أَثيثٍ كَقِنْوِ النَّخْلَةِ المُتَعَثْكِلِ
وفي العصر العباس نجد شاهداً في قول أبو نُخَيلَةَ الحِمّانِيُّ يَصِفُ ارْتِفاعَ النَّخْلِ:
وأَضْحَتْ تَغالى بِالنَّباتِ كَأَنَّها
عَلى مَتْنِ شَيْخٍ مِنْ شُيوخِ الأَعاجِمِ
وهكذا يستمر المعنى أيضاً في عصر الدول والإمارات، فيقول ابْنُ الأبّارِ يَمْدَحُ فارِسًا:
مَتْنُ الجَوادِ النَّهْدِ آثَرُ فُرْشِهِ
لا يُؤْثِرُ الخودَ الكِعابَ فَريشا
ويستمر المعنى وصولاً للعصر الحديث، فيقول ابْنُ عَجيبَةَ يُفَسِّرُ قَوْلَ اللهِ: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدى مِّن رَّبِّهِم﴾ «أَيْ: راكِبونَ ‌عَلى ‌مَتْنِ الهِدايَةِ، مُتَمَكِّنونَ مِنْها».

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة