د.أمينة أبوشهاب

من يقرأ ما تكتبه الأقلام اليهودية والصهيونية، وفي المقابل ما تبثه الجهة المقابلة في الميديا الرقمية، سيجد أنه لأول مرة يظهر المشروع المسيحي والمشروع اليهودي في أمريكا، وهما على مفترق طرق، وتبدو اليدان اللتان انعقدت أصابعهما معاً، وتعاهدتا على مرّ عقود، على وشك الانفكاك. ولعل الظاهرة الواضحة للعيان التي تدل على ذلك، من بين دلائل أخرى، هي العلنية في انتقاد النفوذ اليهودي، السياسي والاقتصادي، في المجتمع الأمريكي، ورموز هذا النفوذ، والهجوم على إسرائيل بلا تحفظ، ولا رحمة، بل وتجريمها على لسان شخصيات مسيحية مؤثرة، وأخرى ذات توجه وطني، من مثل تلك المنضوية تحت شعار «أمريكا أولاً». هذا الانقضاض الإعلامي على إسرائيل، من اليمين بخاصة، هو تاريخي بكل المعايير، فهي بقيت لعقود من المحرّمات الدينية التي تحرسها بنود التحالف بين المسيحية الأنجليكانية (الصهيونية المسيحية بالتحديد)، حيث إنها كانت فوق النقد، أو حتى طرح الأسئلة. وقد بلغ الانحسار في التأييد لإسرائيل في الوسط المسيحي الأمريكي لدرجة الهجوم على شريحة الصهيونية المسيحية، والتشنيع عليها، لتحالفها مع إسرائيل، والولاء لها بشكل مطلق.

هذا في ساحة اليمين، أما اليسار ممثلاً في الحزب الديمقراطي بشكل أساسي، فالخسارات الصهيونية هي بالجملة. علماً بأن المقولة السائدة دائماً هي أن اليهود الأمريكان هم ديمقراطيو الهوى، وتتمركز قوتهم الأساسية وتأثيرهم في هذا الحزب. ويصف المفكر السياسي الصهيوني المعني بالعلاقة التحالفية الأمريكية الإسرائيلية، يورام هازوني، وضع ما آلت إليه هذه العلاقة حالياً على المستويين، الشعبي والحزبي، بأنه «سيئ جداً». وعن الحزب الديمقراطي يصف الأمور بأنها من السوء بحيث إن أصدقاء يهوداً له في الحزب قد وصلوا إلى قناعة بأنه «لا مستقبل لهم في هذا الحزب».

المفارقة أن يحدث هذا التغيير الهائل في ظل ولاية دونالد ترامب، أكثر الرؤساء الأمريكيين تأييداً لإسرائيل، وفي ظل إدارته التي حظي فيها اليهود بأكبر حضور، مقارنة بالإدارات السابقة. لكن هذا التموقع الصهيوني رسمياً، لم يمنع بالطبع ما يحدث في المؤسسات الحزبية المنظمات الجماهيرية، من تحوّل ضد إسرائيل، هذا التحوّل الذي طال كذلك ذراع إسرائيل في أمريكا، وهي منظمة «الآيباك». هذه المنظمة التي تشتري ولاء السياسيين الأمريكان، وتجندهم لخدمة مصالح دولة إسرائيل، أصيبت، مؤخراً، بالشلل، وفقدان السطوة التي كانت تمتلكها. وكان دونالد ترامب أوّل من تحدث عن اضمحلال دور «الآيباك».

حين تدور الدائرة على إسرائيل في أمريكا، وتحاول الأقلام الصهيونية تحليل هذا الحدث، فإن ما لا تقوله صراحة هو أن وحشية حرب إسرائيل على غزة، واستمرار تلك الحرب المنفلتة من كل حدود، أو قانون إنساني، بما يكفي، كان هو السبب. وأن هذا السبب كان العامل الحي في تغيير قناعات، وصياغة وعي جديد عن إسرائيل. وحشية الحرب الصارخة كانت كفيلة بانبثاق فيضان من مشاعر التعاطف الإنساني مع الغزيّين، والفلسطينيين عامة، وتفنيد الرواية الإسرائيلية عن فلسطين، والانقلاب عليها. وإذا كانت غزة قد غيّرت قواعد اللعبة في أمريكا لإسرائيل، أو عنها، فإن من أشعل نار خطاب الوعي، ونقله من هوامش الحياة السياسية الأمريكية إلى المركز، هو الجيل الشاب المتمرّد على سابقيه، والمتمرّد على سجنه في قفص الحقائق الكاذبة، والمتمرّد كذلك على النخب التي يحتل المرتبطون بإسرائيل فيها مكان الصدارة. وتتحدث المصادر عن أن من بين ما تتم مساءلته ومراجعته من هذا الجيل، هو الأناجيل التي تم من خلالها إيجاد مكان لدولة إسرائيل في ما يتعلق بنهاية العالم.

وضع دونالد ترامب ثقله كلّه للحيلولة دون فوز زهران ممداني، وكذلك فعل الإعلام المتحيز لإسرائيل، والممول من البليونيرات. وأن يفوز التيار اليساري الشاب بمدينة نيويورك، على الرغم من خطابه الواضح بتجريم نتنياهو بارتكاب الإبادة في غزة، والتعهد بالقبض عليه إن وطئت قدماه نيويورك، فإن هذا الفوز يشكل قطيعة هامّة للغاية مع الوضع في السابق، وما كان لدى إسرائيل من إمكانات للتأثير في السياسة الداخلية الأمريكية، حيث ما كان ممداني ليمرّ من حاجز التدقيق الصهيوني، وتشويه السمعة.

ولكن قوة التيار الشبابي المناوئ لإسرائيل، وللنخب، قد أسس لقواعد لعبة جديدة هي وبال على إسرائيل. يعلق كينيث روث المدير التنفيذي السابق لمنظمة «هيومان رايتس ووتش»، وابن نيويورك، بالقول إذا كانت نيويورك التي تم فيها الظفر لليسار المعادي لإسرائيل، فإن واشنطن قد تكون غداً. فعلاً، ما المانع أن تكون واشنطن غداً؟

ويردّد البعض من المؤثرين الشباب عبارة جديرة بالتفكير وهي: «عشر سنين من الآن على الأكثر، وستكون هنالك أمريكا أخرى لا تدعم إسرائيل».