الشارقة: رضا السميحيين
يشهد المشهد الثقافي في الآونة الأخيرة حضوراً متزايداً للكتب عبر المنصات الرقمية في ما يعرف ب«مراجعات الكتب» عبر الإنترنت، وتحول الكتاب، برغبة مؤلفه أو دونها، إلى مادة قابلة لإعادة التدوير والعرض البصري بأشكال متعددة، سواء كان ذلك عبر مقاطع قصيرة على «تيك توك»، أو فيديوهات تعتبر أطول نسبياً على «يوتيوب»، مروراً بالمراجعات السريعة على «إنستغرام» و«سناب شات»، وهكذا أصبح الكتاب منافساً جديداً في عالم «المنتجات» في سوق رقمي عشوائي تتجاور فيه صور وعروض الأطعمة، مع مقتطفات التنمية الذاتية، وأخبار المشاهير، ضمن فضاء واحد.
عربياً، نشهد بوضوح خلال السنوات الأخيرة موجة متصاعدة من «اليوتيوبرز القراء»، والذين يعرضون الكتب بأساليب جذابة تجمع بين العرض البصري والسرد الشخصي، في تصاعد يمكن تفسيره كنتيجة لعدة أسباب، من بينها ضعف منصات النقد التقليدي، إلى جانب البحث عن وسائط أسرع للتأثير في جيل يعيش على الإيقاع السريع للمنصات الرقمية. لكن هذه الصيغة الجديدة «للعرض الرقمي» لا تكتفي بمجرد التعريف بالكتاب، بل تضيف إليه بعداً ترفيهياً، في بعض الأحيان، فالقارئ في الحقيقة لم يعد يبحث عن «النقد الأدبي» بمفهومه المعهود، وإنما يبحث عن تجربة رقمية سريعة، أو نصيحة من شخص يثق بذائقته بالنسبة للكتب، وبهذا المعنى، تحّل العرض إلى ما يشبه، إن جاز التعبير، «التوصية الثقافية»، وهي أقرب إلى تسويق المنتجات منه إلى ممارسة نقدية فعلية.
ديمقراطية ثقافية
بفضل الصورة والإنتاج البصري، أصبحت عروض الكتب في اليوتيوب وتيك توك وغيرها من المنصات، إحدى وسائل «الإقناع الثقافي» الجديدة، فالجمالية في هذه المنصات تقوم على المؤثرات البصرية، وترتيب الإضاءة، ونبرة الصوت المثقفة لمن يراجع الكتاب، وأيضاً العنوان الجاذب، كل هذه العناصر التشويقية، خلقت أجواء يتنافس فيها العارضون على خطف انتباه الجمهور في الثواني الأولى، وهو ما يجعل الكتاب في هذه الحالة يقدم خارج سياقه الفكري أو الأدبي، ليختصر أحياناً في جملة واحدة أو مشهد تعبيري أو اقتباسات مشوهة.
هنا تبرز مفارقة مهمة، فبينما يفترض بالكتاب أن يكون وسيلة تحرض على التأني والتفكير، تجبره خوارزميات المنصات على التكيف والتلون مع سرعة المشاهدة ومزاج «التمرير السريع»، ما خلق واقعاً ثقافياً جديداً قد يتم معه إعادة تعريف علاقة الفرد بالقراءة، وربما يفرغها من بعدها التأملي والاستكشافي.
تشريح الواقع يؤكد أن ظاهرة «عرض الكتب» على المنصات الرقمية لم تكن نتيجة لتطور التكنولوجيا فقط، وإنما تعتبر دلالة على تحولات أعمق في مفهوم «السلطة الثقافية»، إذ لم يعد الناقد أو الأكاديمي هو المرجع الأساسي الذي يوجه الذائقة العامة في اختيار الكتب، فقد ظهر «المؤثر الرقمي» الذي يملك قدرة على الوصول والتأثير في جمهور واسع.
هذه «الديمقراطية الثقافية»، يمكننا قراءتها من زاويتين متعاكستين، من جهة، أتاحت الفرصة لقرّاء شباب كي يعبّروا عن آرائهم ويعيدوا تعريف طرق التواصل مع الأدب، ولكنها من جهة أخرى، نقلت مركز الثقل من «المعرفة» إلى «الشخصية المؤثرة»، فالكتاب هنا يصبح وسيلة لبناء هوية رقمية، وليس وعاء للتفكير أو التحليل النقدي.
سطحية
المتابع لهذه الظاهرة يلاحظ أن هذه العروض ترتكز بشكل أساسي على التفاعل المباشر مع الجمهور عبر التعليقات والبث المباشر، ما يجعلها مساحة حيوية للحوار حول القراءة والكتاب، إلا أن هذا التفاعل غالباً ما يميل نحو الانطباعية والتفضيلات الشخصية، وليس النقاش التحليلي أو النقد المنهجي الرصين، فالمتعاملون مع هذه الوسائط لا يملكون بالضرورة أدوات التحليل الأدبي أو الفلسفي، بل يتعاملون مع النص برؤية انطباعية خاطفة.
ومن اللافت تركيز العديد من هذه المنصات على عناوين مثل «كتب غيرت حياتي» أو «كتاب يجب أن تقرأه» وهكذا، بحيث أصبحت هذه العناوين من أكثر الصيغ رواجاً في تلك المنصات، وذلك لأنها تلبّي رغبة الجمهور في تعبئة «القوائم السريعة»، لا في الأفكار الدقيقة المركبة والمعقدة، وهكذا يتحول الكتاب من تجربة معرفية إلى محتوى رقمي قابل للمشاركة والاستهلاك، تماماً كما يحدث مع وصفات الطعام أو مراجعات الأفلام.
نرجسية
من أخطر الأمور التي يجب التركيز عليها في تشكيل هذه الظاهرة، ما يمكن تسميته «النرجسية الثقافية الجديدة»، حيث يوظف بعض مقدمي المحتوى القراءة كجزء من بناء الذات أمام الجمهور، وفعل القراءة هنا يصبح جزءاً من الصورة العامة للشخص المقدم في المنصة، وليس تجربة معرفية خاصة، حيث يظهر في بعض القنوات هذا «القارئ المؤثر»على الكاميرا محاطاً بالكتب، ويتحدث بثقة، ويقدم رأيه كمصدر موثوق، ويخلق حول نفسه مجتمعاً رقمياً من المتابعين الذين يشاركونه الاهتمام ذاته.ورغم أن هذا الجانب لا يخلو من الإيجابية، لأنه يروّج لفعل القراءة ولو بشكل غير مباشر، إلا أنه في المقابل يقزم الكتاب، ويحوله إلى أداة لإبراز الذات أكثر من كونه وسيلة لتوسيع الفهم.
وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن بعض القنوات العربية تقدم نماذج جيدة لعروض الكتب، وتحاول الموازنة بين جاذبية الإطار البصري وجودة المضمون، وتأتي العروض على شكل مبادرات قراءة منظمة أو مراجعات أكاديمية مختصرة، لكن هذه المبادرات تبقى محدودة، لأن النظام الرقمي بطبيعته يفضل الإيقاع السريع والمحتوى الخفيف.
وهنا تبرز الحاجة لخطاب نقدي جديد، قادر على قراءة الظاهرة الرقمية بلغتها الخاصة، أي نقد للوسائط نفسها، لا للمحتوى فقط، من أجل إعادة تعريف «النقد الأدبي» في فضاء الخوارزميات، ومن أجل توجيه محتوى القراءة الرقمي ليبقى امتداداً للثقافة بشكل عام.
ترتيب أدوار
ربما يعيش العالم اليوم مرحلة انتقالية مشابهة لتلك التي شهدها القرن العشرون مع ظهور التلفزيون، حين خاف الكثيرون من اندثار الكتاب الورقي، لكن الواقع أثبت أن الوسائط لا تلغي بعضها، بل تعيد ترتيب أدوارها، فكما لم ينه التلفزيون الصحافة، لن تنهي المنصات الرقمية الكتاب، لكنها بالتأكيد ستعيد تعريف كيفية الوصول إليه، وكيفية توجيه الذوق العام.
من هنا يجب إدراك أن المطلوب اليوم استيعاب هذه الظاهرة والاشتغال على تطوير معايير نقدية جديدة تواكبها، فالتحدي الحقيقي في أن يبقى الكتاب ومحتواه بالنسبة للجيل الرقمي الجديد، قادراً على إحداث الأثر العميق نفسه الذي يتركه في القارئ التقليدي.
بكل الأحوال هذه الظاهرة «عروض الكتب» أو مراجعات الكتب في المنصات الرقمية تضع الثقافة العربية أمام تحديات جديدة، تكشف مدى استعدادها للتكيف مع تطور تكنولوجي سريع التغير والتغيير، وهي لحظة اختبار للوعي النقدي العربي، وللقدرة على تحويل أدوات الترفيه إلى وسائل معرفة، وإذا لم تواكب هذه الموجة المتصاعدة بخطاب نقدي جديد، فقد نجد أنفسنا أمام «مكتبة رقمية» تخلو من القراءة بمعناها الحقيقي، وتكتفي بإعادة تدوير الأغلفة اللامعة، مع صوت يملي علينا ما نقرأ حسب ذوقه، ويتهافت عليه المعلنون، وتصبح الفكرة سلعة في «بورصة الكتب».