لم تعد الدراجات الكهربائية أو ما يعرف ب «السكوتر» مجرد وسيلة ترفيهية عابرة، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى وسيلة نقل شائعة في المدن، يستخدمها كثيرون كخيار سريع واقتصادي لتجاوز الازدحامات المرورية، غير أن هذا الانتشار المتزايد ترافق مع سلوكيات استخدام غير مسؤولة، ما جعل هذه الوسيلة تصنف من قبل رواد الطرق ك «ضيف ثقيل» على الطرقات العامة، وأصبحت جزءاً من فوضى الشوارع، في ظل دخولها المفاجئ وغير المدروس إلى المشهد المروري.

«الخليج» بدورها ناقشت كون الدراجات الكهربائية تمثل نقلة في مفهوم التنقل الحضري، لكنها في غياب التنظيم تحولت إلى مصدر قلق وخطر يومي على الطرقات، وبينما تتزايد حوادثها عاماً بعد عام، تتضح الحاجة الملحة لوضع تشريعات وتخصيص مسارات آمنة تضمن سلامة المستخدمين والمارة على حد سواء، فالتعامل الجاد مع هذه الظاهرة بات ضرورة، قبل أن تتحول وسيلة المستقبل إلى عبء مروري دائم.

بينما يتزايد القلق من مخاطر هذه الدراجات الكهربائية، يطالب مستخدمو الطريق بضرورة وضع أطر قانونية صارمة تنظم استخدامها، وتحديد مسارات آمنة مخصصة لها تقي الجميع شر الحوادث وتعيد الانضباط للمشهد المروري، لا سيما أن بعض مستخدميها يسيرون بها وسط المركبات، أو على الأرصفة المخصصة للمشاة، من دون التزام بقواعد السلامة أو ارتداء خوذة واقية، وتبرز الإشكالية الأهم في كون محركاتها لا تؤهلها لمجاراة السرعات على الطرق، ما يسبب صدمات مميتة في حال وقوع حوادث.

ويرى محمد خلف الحمادي، أن هذه الدراجات تمثل تحدياً جديداً للسلامة المرورية في المدن، خصوصاً مع غياب تنظيم واضح لاستخدامها، قائلاً: «الكثير من مستخدمي السكوتر يجهلون القوانين أو يتجاهلونها، فيقودونه وسط المركبات السريعة أو في الشوارع الرئيسية غير المخصصة لهم، ما يشكل خطراً بالغاً عليهم وعلى الآخرين، كما أن معظمها لا تملك مواصفات السلامة الأساسية مثل الأضواء الخلفية أو العواكس، فضلاً عن أن محركاتها محدودة القدرة ولا تتحمل السرعات العالية، ما يجعل السائق في موقف ضعف أمام المركبات الأخرى».

وطالب بتحديث التشريعات المرورية لتشمل الدراجات الكهربائية، وإلزام مستخدميها بتسجيلها والحصول على ترخيص خاص، إضافة إلى تخصيص مسارات منفصلة كما هو معمول به في بعض الدول، مؤكداً أن وجود نظام واضح سيقلل من الفوضى ويضمن سلامة الجميع.

 

خطر على المشاة

أبدت حمدة المر انزعاجها من الانتشار العشوائي للدراجات الكهربائية في الأحياء السكنية والميادين العامة، قائلةً: «أصبحنا نخشى على الأطفال عند خروجهم من المنزل، فالسكوترات تمر بسرعة على الأرصفة من دون تنبيه، وكثير من قائديها مراهقون لا يدركون حجم الخطر، بعض سائقي السكوتر يستخدمون الطرق المخصصة للمشاة أو يتجاوزون الإشارات المرورية من دون اكتراث، ما يعرض المارة لخطر الدهس أو الاصطدام».

وأضافت: «أدعو الجهات المختصة إلى وضع ضوابط صارمة لاستخدامها، ومراقبة النقاط التي يكثر فيها الاستخدام، إضافة إلى فرض غرامات على من يقود بطريقة متهورة، نحن لا نرفض التطور، لكننا نطالب بالأمان».

وسيلة غير آمنة

يعتبر محمد عبيد هلال أن الدراجات الكهربائية تعد وسيلة نقل صديقة للبيئة، تساعد في تقليل الانبعاثات الكربونية وتخفيف الازدحام، لكن الجانب المظلم يكمن في سوء الاستخدام.

ويقول: «الفكرة في حد ذاتها ممتازة، لكن ما ينقصها هو التخطيط والتنظيم، لا يمكن السماح باستخدام «السكوتر» في طرق سريعة أو داخل الميادين المزدحمة، لأن ذلك يعرض مستخدمه للخطر».

وتابع: «أرى أن الحل يكمن في إنشاء مسارات خضراء آمنة داخل المدن، تشجع على استخدام وسائل التنقل المستدامة من دون الإضرار بالمارة أو المركبات، نحتاج إلى رؤية متكاملة تربط بين التشريعات والبنية التحتية، فالدراجات الكهربائية لن تختفي، لكن يمكن جعلها أكثر أمناً».

بنية غير مهيأة

تؤكد مروة آل رحمة، أن البنية التحتية الحالية في معظم المدن لم تصمم لاستيعاب هذا النوع من المركبات، وتقول: «الطرقات لم تهيأ لاستقبال وسائل تنقل صغيرة الحجم ك السكوتر، لذلك يحدث تضارب في المسارات بين المركبات والمشاة ومستخدمي الدراجات. إن إنشاء مسارات خاصة بالدراجات لم يعد ترفاً، بل ضرورة لتقليل الحوادث، فمن خلال تصميم مسارات آمنة ومنفصلة، يمكن تحقيق التوازن بين مختلف وسائل النقل، ويتطلب ذلك تنسيقاً بين الجهات المعنية لتحديد المواقع المناسبة، مع وضع لوحات إرشادية واضحة وسرعات محددة».

كما دعت إلى إطلاق حملات توعية تستهدف الشباب والمراهقين حول مخاطر الاستخدام الخاطئ لها، مشددةً على أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي، بل يجب أن ترافقها ثقافة مرورية مسؤولة.

 

حوادث مميتة

حول المخاطر الناجمة عن الحوادث المرورية الناجمة عن الاستخدام الخاطئ ل «السكوتر» في غير الأماكن المخصصة له، أكدت د. نورة سالم السويدي، أخصائية جراحة التجميل والحروق والليزر والعلاج بالأوكسجين عالي الضغط، أن انتشار هذا النوع من الدراجات أصبح ظاهرة واضحة في المجتمع، إذ يلجأ الكثير إلى استخدامها كبديل عن مركبات الأجرة أو المركبات الخاصة، نظراً لانخفاض كلفتها وسهولة توفرها، وفيما يتعلق بالإصابات الناتجة عن حوادث الدراجات. قالت: إن قسم الطوارئ يستقبل العديد من الحالات يومياً، ويعد الأطفال من الفئات الأكثر تعرضاً للخطر، خصوصاً مستخدمي السكوتر والدراجات الهوائية، إذ يسجل العديد من الحوادث المميتة بسبب عبورهم الطرق من دون انتباه، كما أن معظم الإصابات التي تصل إلى المستشفى تعد خطرة وتتطلب التنويم، وتشمل كسوراً، وحروقاً، وكشوطاً جلدية، وكدمات شديد، كما تعد نسبة الوفيات الناتجة عن حوادث الدراجات وخاصة السكوترات مرتفعة، مقارنة بعدد الإصابات، وتحدث أحياناً أيضاً بسبب انفجار بطاريات هذه الدراجات ما يسبب حروقاً خطرة، وغالباً ما تكون في الساقين.

وبينت أن الإصابات التي تطول الرأس لدى الأطفال قد تؤدي إلى فقدان الوعي أو المكوث لفترات طويلة في وحدة العناية المركزة، فيما يعاني بعض المصابين عاهات مستديمة بعد العمليات الجراحية، مثل صعوبة الحركة أو فقدان أحد الأطراف، لا سيما بين العاملين في خدمات التوصيل، إذ يعانون غالباً كسوراً وحروقاً بدرجات مختلفة، نتيجة السقوط على الأسفلت الحار أو بسبب الاحتكاك أثناء الحادث، مضيفةً أن أكثر الإصابات شدة تكون من الدرجة الثانية والثالثة، وغالباً ما يصاحبها كسور متعددة.

جهود متواصلة

أعلنت القيادة العامة لشرطة الشارقة أن تنفيذ الحملات الدورية لضبط الدرجات المخالفة لقانون السير والمرور في الإمارة، أسفر عن ضبط ما يقرب 6 آلاف دراجة مخالفة شهرياً، في إطار جهودها للحفاظ على سلامة مستخدمي الطرق والحد من السلوكيات الخاطئة.

وبينت أن الحملات تستهدف جميع أنواع الدراجات غير الملتزمة بالقوانين، خصوصاً الدراجات التي تُعرف محلياً باسم «بو شراع»، إلى جانب الدراجات الهوائية والكهربائية المستخدمة في غير الأماكن المخصصة لها، كونها لا يتوافر بها اشتراطات السلامة المرورية، ما يشكل خطراً على مستخدميها وعلى مستخدمي الطرق الآخرين، وأن استخدامها يعد مخالفة لقانون السير والمرور، ولذلك يتم تنفيذ حملات مستمرة لضبطها ومصادرتها، بالتعاون مع الجهات المعنية.

خطة شاملة

تعمل القيادة العامة لشرطة الشارقة على التنسيق الدائم مع الشركات والجهات المختصة ومنها شركة «بيئة» فيما يخص الدراجات المحتجزة، ليجري تسليمها للشركة التي بدورها تتعامل معها من خلال عمليات التدوير، لضمان عدم عودتها للأسواق أو إعادة بيعها، وبالتالي تفادي استخدامها مجدداً بشكل غير قانوني.

وتأتي هذه الإجراءات في إطار خطة شاملة وضعتها شرطة الشارقة بالتعاون مع الجهات المعنية، لتوفير بيئة مرورية آمنة ومنظمة، خاصة في ظل تزايد استخدام الدراجات بمختلف أنواعها، سواء لأغراض التنقل أو الترفيه، مؤكدةً الاستمرار في تنفيذ الحملات خلال الفترة المقبلة، داعيةً جميع أفراد المجتمع إلى الالتزام بالقوانين والتعليمات المرورية، والتقييد باستخدام الدراجات في الأماكن المخصصة لها، حفاظاً على سلامتهم وسلامة الآخرين.