على الرغم من التفاؤل الذي أعرب عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن التوصل إلى اتفاق حول أوكرانيا بات «أقرب من أي وقت مضى»، وأنه أجرى «محادثات مطولة جداً وجيدة جداً» مع الرئيس الأوكراني زيلنسكي وغيره من القادة الأوروبيين الذين اجتمعوا في برلين يوم الاثنين الماضي، بمشاركة مبعوثيه ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر، وعلى الرغم من قول زيلنسكي إن المحادثات كانت «غير سهلة» مع الموفدين الأمريكيين، وإشارته إلى «تقدم حقيقي» في ما يتصل بالضمانات الأمنية، وحديثه عن «حلول وسط» بشأن مقترحات السلام التي اقترحها الرئيس الأمريكي، فإن المعضلة الرئيسية التي ما زالت تحول دون الاتفاق تتمثل في التوصل إلى نقطة تقتنع فيها أوكرانيا باستحالة استرجاع الأراضي التي فقدتها في الحرب في منطقتي دونيتسك ولوغانسك من خلال استمرار الدعم الأوروبي، وهو ما أبلغته واشنطن لكييف مراراً التي وجدت نفسها أمام واقع مر يفرض عليها التنازل عن نحو 20 في المئة من أراضيها مقابل وقف الحرب وبدء محادثات سلام مع روسيا. لكن زيلنسكي رأى أن الانسحاب من المنطقتين اللتين استولت عليهما روسيا هو «خيار مجحف»، وأضاف: إن قضية الأراضي «لا تزال عالقة وشديدة الحساسية»، لكنه عبّر عن اعتقاده بأن الولايات المتحدة ستساعد كييف على التوصل إلى حل وسط، في حين رأى القادة الأوروبيون أن مسألة التنازل عن الأراضي مسألة يقررها الشعب الأوكراني.
ومن الواضح أنه باتت هناك قناعة بأن مسألة عدم انضمام أوكرانيا إلى حلف الأطلسي قد حسمت، وهو مطلب روسي أساسي، لكن بقيت التفاصيل المتعلقة بالضمانات الأمنية التي تطالب بها أوكرانيا مقابل عدم الانضمام إلى الحلف، إضافة إلى عدد القوات الأوكرانية، حيث تدعو الخطة الأمريكية المؤلفة من 20 نقطة، بأن تكون في حدود 600 ألف جندي في حين تطالب كييف والدول الأوروبية بأن تكون في حدود 800 ألف جندي.
خلال اجتماع برلين أكد المفاوضون الأمريكيون أن كييف سوف تحصل على ضمانات أمنية مماثلة لتلك المنصوص عليها في المادة الخامسة من معاهدة حلف الأطلسي، والتي تلزم الحلف بالدفاع عن أي عضو يتعرض للهجوم، وذلك بديلاً عن انضمام أوكرانيا للحلف، وطمأنتها في حال انسحبت من إقليم دونباس، وكتب رئيس الوفد الأوكراني المفاوض رستم أوميروف على منصة (إكس): «على مدى اليومين الماضيين، كانت المفاوضات الأوكرانية الأمريكية بناءة ومثمرة، مع إحراز تقدم حقيقي»، وأضاف: «يعمل الفريق الأمريكي بقيادة ويتكوف وكوشنر بشكل بناء للغاية لمساعدة أوكرانيا على إيجاد طريق لاتفاق سلام دائم».
هناك خطوات وجهود تبذل لوضع حد للحرب الأوكرانية، فأوروبا المثقلة بالأزمات تحاول إثبات وجودها في هذه الحرب من خلال ما تقدمه من دعم لا يفي بالغرض الذي يمكنه أن يلحق هزيمة استراتيجية بروسيا، وهي تحاول التعويض عن ذلك بتشكيل «ائتلاف الدول المستعدة للمشاركة» في إطار الضمانات الأمنية لأوكرانيا، أما الولايات المتحدة فمن الواضح أنها تنفض يديها من هذه الحرب، خصوصاً أن استراتيجية الأمن القومي الجديدة لإدارة الرئيس ترامب، تشير إلى أن روسيا لم تعد تشكل «تهديداً وجودياً» للولايات المتحدة، ودعت إلى إعادة الاستقرار الاستراتيجي مع موسكو.
إذا نجحت خطة ترامب، فإن ذلك سيكون أكثر بكثير من منعطف جيوسياسي، بل قطيعة تاريخية وإعلاناً لنهاية التحالف عبر الأطلسي.