د. ناصر زيدان
أقرَّ مجلس الدولة الصيني في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 كتاباً جديداً أطلق عليه تسمية «الكتاب الأبيض للرقابة على التسلُّح ونزع السلاح ومنع انتشاره في العصر الحديث»، وهو تضمَّن مجموعة من التوجهات الحديثة، هدفها إبراز رغبة الصين في استثمار التطور التقني والرقمي والفضائي في مجالات التنمية التي تُعزِّز السلام والاستقرار، وتلافي الأخطار التي تُهدِّد البشرية من جراء تفلُّت المبتكرات الحديثة عن الضوابط والقيود.
وفي مندرجات الكتاب دعوة صريحة لمنظمة الأمم المتحدة لكي تلعب دوراً في تنظيم الإنفلاش السيبراني، وتوجيه التقدُّم الحاصل نحو أهداف تنموية تستفيد منها اقتصادات العالم، وتُخفِّف الأعباء عن الناس الذين يتكبدون مشقات مُتعبة للحصول على وسائل الديمومة للعيش الكريم، وتأمين التعليم والأمن والرفاه، كذلك لوقف المآسي المؤلمة التي تعيشها بعض الشعوب جراء الحروب والاضطرابات، أو جراء الاختلال الهائل بين الغنى الفاحش لدى القلَّة، وبين الفقر المُدقِع الذي يتزايد عند كثيرين لا يستطيعون تأمين لقمة قوتِهم.
في التقديم الذي سبق الإعلان عن مضمون الكتاب، أعلنت الصين أن نواياها المستقبلية تركز على استثمار الذكاء الاصطناعي والتقدم السيبراني في التنمية، ومن أجل تحسين الإنتاجية الاقتصادية، وليس لبكين نوايا عدوانية من جراء ولوجها المُتقدم في مجال تطوير العالم الرقمي، وهي لا تستثمر في السياق العسكري سوى ما يتعلَّق بتطوير الوسائل الدفاعية، لرد أي خطر عن البلاد، ومن أجل توفير بيئة مناسبة للاستقرار والسلام في العالم.
في البيان الختامي الذي صدر مع انتهاء زيارة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الى الصين مطلع الشهر الحالي، ركَّز الجانبان على أهمية التعاون لتعزيز استخدام الطاقة الخضراء، وعلى حماية البشرية من مخاطر استخدام الذكاء الاصطناعي لغير الأغراض السلمية. وفي هذه الإشارات دلالة واضحة على انهماك الدول الكبرى في العودة الى سباق تسلُّح سيكون أكثر خطورة هذه المرة من السباق الذي حصل في ثمانينات القرن الماضي.
من المؤكد أن بكين لا تبني توجهاتها الجديدة من فراغ، أو استناداً الى توقعات افتراضية، بل إنها تشعر بالتهديدات الكبيرة الناتجة عن سباق التسلُّح على الاستقرار العام، وعلى التجارة الدولية، كما أنها تشعر بتحدٍّ كبير من جراء التوتر البارد القائم في شرق وجنوب آسيا، وهي تعرف أنها الهدف الأساسي للولايات المتحدة، والمناورات التي حصلت في المدة الأخيرة بين القوات العسكرية البحرية الأمريكية والقوات اليابانية والفلبينية. بينما العرض العسكري الصيني الكبير الذي حصل مطلع أكتوبر الماضي في بكين، وتمرينات القوة البحرية الصينية، لم تكُن تحركات روتينية، بل حملت رسائل تهديدية واضحة، وهي أشارت الى القدرة الدفاعية المتنامية للقوات الصينية.
القوى الكبرى تتهيب الموقف، وهي تدرك مخاطر أي توتر، وتنظيم الخلافات بين واشنطن وبكين أضفت ارتياحاً عاماً على المستوى الدولي، ونتائج اجتماع الزعيمين دونالد ترامب وتشي جين بينغ نهاية شهر تشرين الأول/اكتوبر الماضي في كوريا الجنوبية، كانت مهمة، وخفَّضت من منسوب التنافس، وأكدت الرغبة في التعاون لحلّ المشكلات الكبيرة العالقة، والرئيس الأمريكي وعد بزيارة الصين في نيسان/إبريل القادم.
التطور في مجال الذكاء الاصطناعي، وفي العالم الرقمي، وفي الفضاء السيبراني، تجاوز كل التوقعات، من دون أن توضع ضوابط دولية أمام هذا التطور، وتغلُب على السباق - كما على الاستخدامات المتنوعة - سِمة الفوضى، برغم الفائدة الكبيرة التي تجنيها البشرية من جراء هذا التطور في المجالات المختلفة، لاسيما في القطاعات الصناعة وفي عالم الاتصالات وفي الطب والطيران..
الكتاب الصيني الأبيض – الذي هو عبارة عن عقيدة أمنية جديدة – لحظ أهمية نزع السلاح الخطِر، والحدّ من انتشار السلاح النووي، لأن المسار القائم منذ فترة، خصوصاً بُعَيد الإعلان عن إعادة التجارب الصاروخية النووية الروسية، وإعادة إطلاق التجارب الأمريكية، إضافة الى المؤشرات المُقلقة الناتجة عن الزيادات الكبيرة التي لحظتها موازنات الدفاع في اليابان والصين وفي الدول الأوروبية الكبيرة، كلها تُنذر بالتفلُّت من القيود، وقد تدفع اللاعبين الكبار الى الدخول في المربعات الأكثر خطورة، وبالتالي تهديد الاستقرار الدولي.