د. ناصر زيدان
أقرَّ الكنيست الإسرائيلي ما أطلق عليه «قانون إعدام الأسرى» في نهاية شهر آذار/مارس المُنصرم، وهو يستهدف الفلسطينيين دون غيرهم، في قرار عنصري مرير واضح، لم يسبق أن حصل من قبل، بينما لا يُشبه هذا القانون أياً من اللوائح التشريعية التي سبقته، حتى إبان نظام الفصل العنصري الذي كان قائماً في جنوب إفريقيا قبل العام 1990. والقوانين تكاد تبكي دماً على ما لحق بها من عار بمناسبة التصويت الذي جرى على هذا المولود المُشوه.
يشوِّه القانون المشؤوم كل ما يُحكى عن ديمقراطية إسرائيلية، ذلك أن الديمقراطية لا تتعايش مع الظلم والإجرام، وهي وسيلة لتحقيق العدالة والانتظام. والتشريع الجديد لا يستند إلى أي اعتبار موضوعي، وهو مُجرَّد من الإنسانية، ويخالف المعاهدات الدولية وميثاق الأمم المتحدة وحقوق الإنسان، لأنه لا يتقيَّد بمبدأ المساواة، وهو مُخصص للاقتصاص من مجموعة من السكان دون غيرهم، لأنه ينطبق على الفلسطيني الذي يدافع عن نفسه، أو أنه يقاوم محتلّ أرضه، وميثاق الأمم المتحدة أجاز لهؤلاء استخدام كل الوسائل لتحرير أرضهم.
يمكن الإشارة إلى أهم ما يفضح مندرجات القانون الخبيث، بحيث أن القواعد العامة للقوانين لا تُجيز تشريع لوائح تُطبَّق على مواطنين لا يخضعون لسيادة الدولة، كما أن معاهدة أوسلو للعام 1993 التي وقعتها إسرائيل مع منظمة التحرير الفلسطينية اعتبرت أراضي الضفة الغربية خارج حدود الكيان، ولها استقلاليتها المعترف بها دولياً. والقرارات الدولية ذات الصلة تؤكد واقعة خضوع أراضي فلسطينية للاحتلال، لاسيما القرار 242/1967، ومعاهدة جنيف الرابعة للعام 1949 أكدت واجبات الدولة المحتلة بحماية المواطنين الواقعين تحت الاحتلال، ولا يجوز لهذا الاحتلال أن يمارس سلطته على هؤلاء.
القانون الجائر يطال الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، وعدد هؤلاء يقارب 10 آلاف معتقل، وقد تطبَّق عقوبة الإعدام اللعينة على جزء منهم. وقد اعتادت السلطات الإسرائيلية إلصاق التُهم بهذه الفئات من الفلسطينيين، بينما لا تطال روادعها أياً من المُرتكبين من المستوطنين المُدججين بالسلاح، والذين يمارسون عمليات القتل يومياً ضد الأبرياء من أبناء الأرض، فيما تشجع سلطات الاحتلال هؤلاء المستوطنين على استباحة المدن والقرى الفلسطينية وتتعمد الاستيلاء على أرضهم وممتلكاتهم وطردهم وقتلهم، وتقوم بتسليحهم لممارسة الإرهاب وبحماية قوات الأمن والجيش، من دون حساب أو عقاب، كما أن القانون لا يشير بالمطلق إلى الجرائم التي يرتكبها هؤلاء من قتل وتعذيب بحق الفلسطينيين.
في غمرة الهياج الحربي الخبيث الدائر في المنطقة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، والذي تطال فيه صواريخ ومسيرات المتحاربين منشآت ومدناً عربية ليس لها أي علاقة بالحرب الدائرة، استغلت قوى اليمين الإسرائيلي المتطرفة الموقف، ودفعت باتجاه إقرار القانون الجائر، ووافقها على ذلك رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بهدف إنقاذ الائتلاف الحكومي القائم. وصوَّت لصالح الاقتراح 62 نائباً وعارضه 48.
إن عملية تطبيق القانون أشارت إلى عدم جواز منح العفو على هذه الاحكام العسكرية، ويجب تنفيذ العقوبات خلال 90 يوماً. وقد عبَّر وزير الأمن إيتمار بن غفير عن فرحته لصدور القانون، واعتبره إنجازاً طال انتظاره، وقام بالاحتفال داخل الكنيست بعد صدور القانون وتوزيع الشمبانيا على النواب الذين صوتوا إلى جانب القانون، في تعبير صريح عن عنصريته المقيتة وكرهه للفلسطينيين.
الدول العربية دانت صدور القانون الجائر، وطالبت بإلغائه. والاتحاد الأوروبي هدَّد إسرائيل بفرض عقوبات عليها إذا ما أقدمت على تنفيذه. لكن ذلك غير كافٍ، وعلى الأمم المتحدة اتخاذ تدابير أكثر قوة لإلغاء القانون، والقوى الدولية الكبرى مُطالبة بإشهار الاعتراض على تشريع القتل والإعدام، وإحالة الذين يطبقونه أمام محكمة الجنايات الدولية.
الأزمات الكبرى تختبر القادة، وما تعيشه المنطقة العربية ومحيطها اليوم، يشكِّل ميداناً واسعاً لمثل هذا الاختبار، حيث الحرب المجنونة تدور بين أطراف يفتقدون إلى العاطفة الإنسانية.
إن خلط الأوراق بالضرب يميناً ويساراً من دون تفرقة بين الشركاء بالحرب، وبين الرافضين لها، والداعين لإيقافها، بمثابة ذرٍّ للرمادِ في العيون للهروب من المسؤولية، لكن ذلك لن ينطلي على المعنيين والمتابعين، ومَن يرفض العدوان على شعبه حريٌ به ألا يعتدي هو على الشعوب الأخرى.
قديماً قيل «ويلاتها من أفلاكها وحكامها» في إشارة إلى ما يصيب الكوكب وناسه من نكبات وخراب. وقيل أيضاً «العقلُ قبل شجاعةِ الشُجعان» ومَن تولَّى شؤون الناس عليه أيضاً أن يحافظ على مصالحهم ويضمن سلامتهم. ومشروعية استخدام القوة لحفظ الاستقرار، تختلف عن شريعة الغاب المُتحلِّلة من كل القيم، حيث القوي يستفرِس ضد الأقل قوة. والذين يتجاهلون قوة الحق، ستصيبهم اللعنة ولو بعد حين، بينما الجار إذا جار على جاره لا يربح المُنازلة مهما طال الزمن، فالعدلُ أساس المُلك، وقوة القانون أشدُّ تأثيراً من جنوح القوة.
يمكن التأكيد أن الحرب الحالية، ضربت مقومات الأعراف والقيم، وبدا معظم الذين يقودونها مهووسون بالتسابق نحو تحقيق انتصاراتٍ واهية، ولو على أنقاض مقدرات شعوبهم ومكانة دولهم. وبعضهم يستند إلى ميثولوجيات قديمة واهية تعطي الحرب أبعاداً دينية، بعيداً عن المنطق والمشروعية.
كان يمكن لبعض أسباب الحرب أن تسوَّى بالطرُق الدبلوماسية وبالحوار، ومن خلال المؤسسات الأممية التي تتمتع بمشروعية دولية، وقيمة الخسائر بالأرواح وبالممتلكات التي أصابت إيران، تضاهي ألَم تنازلات كان يمكن القبول بها لتلافي المَقتلة، لا سيما منها تقييد خروج برنامجها النووي عن معاهدة حصر الأسلحة الذرية، وضبط الانفلاش غير المقبول للمجموعات التي تدور في فلكها وتُسبِّب أذى للعالم ولدول الجوار. وكان يمكن للإدارة الأمريكية استخدام المهارات القيادية بأفضل حال، وتجنُّب الدخول في هذه المعمعة المؤذية لها وللعالم. أما إسرائيل فبدا أن قادتها الذين ارتكبوا أفظع الجرائم في فلسطين ولبنان والبلدان المجاورة، ينتظرون الفرصة لتوسيع منسوب عدوانهم. أما إيران المُستهدفة، فقد انقضت على جيرانها الذين رفضوا الحرب منذ اللحظة الأولى، وقامت بعدوانٍ لا يقلُّ بشاعة.
لكن اللافت في هذا السياق الحِكمة التي تحلَّى بها قادة دول الخليج العربي، وهم لم يردوا على العدوان رغم امتلاكهم القدرة على ذلك، وقد تجنبوا جرّ بلدانهم لويلات الحرب، رغم الاستفزازات والاستهدافات العدوانية التي أصابت بلادهم انطلاقاً من القواعد الإيرانية، وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2817 وصَّف بدقة ما جرى، وأدان بوضوح الاعتداءات الإيرانية.
المفكر الكندي المعروف آلان دونو أصدر مؤخراً كتاباً بعنوان «نظام التفاهة» وقال فيه: يبدو أن التافهين بسطوا سلطانهم على غالبية دول العالم، وأمسكوا بمفاصل السلطة فيها، ووضعوا أيديهم على مواقع القرار، وقد تمدَّد نفوذهم إلى الميدان المالي والأكاديمي والإعلامي، وهو ما ينذرُ بأخطار جمَّة على البشرية.
إن تهميش الانتظام الدولي كارثةٌ معنوية كبيرة، وقد تجرُّ ويلات غير محسوبة على البشرية جمعاء. وتمسُّك قادة الاتحاد الأوروبي في قمتهم الأخيرة التي عُقدت ببروكسل في 19 مارس/ آذار ببقاء هيئة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة كأهم ركن من أركان النظام الدولي القائم، فيه إشارة واضحة إلى التهديد الذي يُصيب القانون الدولي، لصالح إرساء مقاربات فئوية لا يمكن لها أن تحلّ المشكلات المطروحة.
الحرب العبثية التي تدور في المنطقة، تعطي أهمية لقواعد الممارسة السياسية التي تعتمد على مهاراتٍ متوازنة، وعلى الحِكمة، وعلى القانون. أما الجنوح نحو الحروب والانفلاش والفوضى، فلن ينتج عنه سوى الخراب والدمار.
د. ناصر زيدان
يمكن وصف ما يجري في المنطقة بأنها حرب التهوُّر والمكابرة والعدوان، فهي مُتفلِّتة من القيود الأخلاقية، وليس لها أي مُبرر قانوني، وتستند إلى مغامرات تستهتر بمقدرات الشعوب وبحياة الناس، وهي تحولت إلى عدوان على أبرياء، وعلى دول ليس لها ناقة أو جمل بما يجري، وقد اختلط حابل الأطماع بالهيمنة والتسلُّط مع نابل الجنوح الذي لا يحسب أي حساب لمقتضيات الجيرة، ولا إلى مبدأ المعاملة بالمثل.
بصرف النظر على دوافع الحرب ومن دون الدخول في التفاصيل نسأل: ما علاقة دول الخليج العربي ولبنان والأردن والعراق فيها؟ وهي أعلنت رسمياً حيادها في المنازلة قبل بدء الحرب، وتحدثت إلى الأقربين قبل الأبعدين منهم عن عدم موافقتها على استخدام أراضيها كمنطلق لأي هجوم على أراضي أي طرف آخر.
في حالة الدول العربية الخليجية التي تتعرَّض للعدوان من الصواريخ والمُسيرات الإيرانية، كيف يمكن تبرير هذه الفعلة، وهي دول لم تألُ جهداً سياسياً لمنع نشوب هذه الحرب، وعملت على تشجيع تسوية الخلافات بالطرق الدبلوماسية بين المتنازعين، كما أنها بذلت مساعيَ كبيرةً لإيقاف هذه المقتلة التي أضرُّت بكامل شعوب المنطقة وعرَّضت الاستقرار الدولي للخطر. إضافة إلى ذلك، فقد امتنعت هذه الدول عن الرد على العدوان حفاظاً على التعاضد الإنساني وعلى أرواح الأبرياء وعلى التعاون الإسلامي، برغم أن القوانين الدولية تكفل لها الحق بذلك، ولديها الإمكانيات الوافرة للقيام بالرد فيما لو أرادت ذلك.
أما في حالة لبنان الجريح، فقد تأكد للقاصي والداني أنه يستخدم لأهداف ليس له علاقة بها، وقد جرَّه حزب الله إلى ميدان القتال من دون أي مسوِّغ، وبما يتعارض مع موقف الحكومة اللبنانية التي تحظى بتأييد الأغلبية الساحقة من اللبنانيين. وبهذه الفعلة استدرج الحزب العدوان الإسرائيلي، ومنحه مبررات ربما كان ينتظر مثلها لتحقيق أطماعه التاريخية، وتنفيذ أجندة مُدمرة تستهدف احتلال الأرض، وتقويض الدولة، وإنتاج التوتر بين المكونات المجتمعية اللبنانية.
لقد أوصلت سياسة التهوّر والمكابرة والعدوان المنطقة برمتها إلى مخاطر مؤلمة، وسببت دماراً فادحاً، ودفع الأبرياء ثمناً غالياً من أرواح بعضهم، ومن مقدرات بعضهم الآخر، بينما اهتزَّ العالم أجمع من جراء هول الكارثة الاقتصادية التي سببتها الحرب، لا سيما الأزمة الخانقة في قطاع الطاقة والناتجة عن إغلاق الممرات واستهداف الناقلات والمنشآت الحيوية التي تؤمِّن خدمة الإمدادات الضرورية من النفط والغاز لعدد كبير من الدول.
إن العدوان على دول الخليج العربية، هو بمثابة العدوان على كل الدول العربية مجتمعةً، كما أكد على ذلك بيان مجلس الجامعة، واستهداف لبنان والعراق والأردن، أو استخدام ساحاتهم لتأجيج الصراع مرفوض. بالمقابل، فإن إسرائيل تستفيد من حالة الفوضى لخدمة مآربها العدوانية الخاصة، وهي لا ترد على مصادر الخطر فقط، بل تستهدف المدنيين والمنشآت الحيوية، وبعض أعمالها تؤكد على نواياها لجرّ بلدان المنطقة برمتها إلى أتون المعركة، وهي تغار بطبيعة الحال من الاندفاعة التنموية الكبيرة التي حققتها بعض الدول العربية، لا سيما في الخليج، لأن في ذلك صناعة لمقدرات قوة ناعمة لا يمكن تجاهل تأثيراتها المستقبلية على مكانة الأمن القومي العربي.
يشكِّل قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2817 تاريخ 11/3/2026 تعبيراً صريحاً عن إرادة المجتمع الدولي الذي دان من دون أي مواربة شمول الحرب لدول غير معنية فيها، واستهداف العدوان الإيراني لبنى تحتية ومنشآت مدنية في الدول الخليجية، والقرار حصد تأييد 13 دولة في مجلس الأمن وامتناع الصين وروسيا عن التصويت من دون أن يستخدما الفيتو لإجهاض القرار، وقد ساندت 136 دولة عضوة في الأمم المتحدة مضمون القرار من خلال توقيع عريضة تؤكد على ذلك.
إن تجاوز القانون الدولي، وشنّ الحروب العبثية، كما استهداف أطراف ليست شريكة في هذه الحروب، يتعبرُ إخلالاً بالأعراف واستهتاراً بسيادة الدول ومقدراتها.
الحرب العبثية الدائرة جريمة بحق الإنسانية، ويجب أن تتوقف اليوم قبل الغد.
د. ناصر زيدان
لقاء وزراء خارجية الدول العربية أو ممثليهم مع القيادات الهندية في نيودلهي (30 - 31 يناير/كانون الثاني 2026) مُنطلق واعد لتعاون له أبعاد استراتيجية نافعة، وهو الثاني بعد المؤتمر الذي عقد في المنامة على هذا المستوى عام 2016. لكن الزيارات الثنائية والمؤتمرات المتخصصة لم تنقطع بين الجهتين، وهي شملت توقيع اتفاقيات تجارية مختلفة، وأرست برنامجاً ثقافياً وعلمياً وسياحياً كبيراً، والطرفان راغبان في تعزيز العلاقات، وهذه العلاقات لا تُثير أية التباسات، وقائمة على أساس المنفعة المشتركة بين أمتين جارتين، وتفعيل الشراكة ليس موجهاً ضد أحد.
رئيس وزراء الهند نارندرا مودي الذي التقى المشاركين في الملتقى، أعرب عن ثقة واضحة بأن العلاقات بين الجهتين اللتين تربطهما علاقات جيرة تاريخية، قادرة على إنتاج فوارق مهمة في النواحي التكنولوجية والابتكار والطاقة، وفي تفعيل التجارة البينية والدولية، والارتقاء إلى مستويات متقدمة تخدم شعوب الهند والعالم العربي، ولها فائدة عالمية جامعة. بينما أكد أمين عام جامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط في اللقاء مع مودي على وجود رغبة جامعة لدى 22 دولة عربية بتطوير الصداقة مع الهند، وتأطير العلاقات في مختلف النواحي والمجالات.
من الواضح أن العلاقات بين الدول الخليجية العربية والهند مُتقدمة جداً، ولها خصوصياتها الوازنة، وهذه الدول تستضيف ما يقارب 9 ملايين من الوافدين الهنود يعملون في مختلف القطاعات، بينما التبادل التجاري والسياحي بينهم كبير جداً، نظراً للتقارب الجغرافي بين الجهتين، ولأن قواعد التعاون مبنية على أساس من الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة، من دون مُقيدات تحالفية قد تثير حساسيات إقليمية أو دولية، وخصائص الجانبين العربي والهندي تبقى ملكاً لهما، ولا يتدخّل أي طرف منهما في الشؤون الداخلية للطرف الآخر.
وقفت الهند إلى جانب القضايا العربية العادلة طوال ما بعد تحررها من الاستعمار في عام 1947، وكانت رائدة في إرساء قواعد عدم الانحياز الدولي أيام الاستقطاب القطبي الثنائي قبل عام 1990، وهذه الميزة أعطت دفعاً للعلاقات العربية- الهندية على المستويات كافة، خصوصاً في السياق الدبلوماسي، وفي المنتديات الدولية وفي أروقة هيئة الأمم المتحدة، والبحث بضرورة تطوير قواعد العمل في مجلس الأمن الدولي.
في أجواء السخونة الدولية الراهنة تبرز أهمية التفاهمات الإقليمية كضمانة لعدم انفلات الوضع إلى فوضى كبيرة، لا سيما في ظل أجواء شديدة التوتر تُلقي بتبعاتها السلبية على الاستقرار العام. والهند نقطة ارتكاز على المستوى الإقليمي وفي السياق الدولي، ولها تأثيرات الوازنة في أكثر من ملف ساخن، وللهند دور أساسي في المباحثات التي تجري ضمن مجموعتي «بريكس» و«شنغهاي» لإنتاج نظام جديد للتعاملات التجارية العالمية.
والهند التي تربعت على عرش أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، لديها مقومات تقنية وعلمية وإنتاجية كبيرة، وقد برزت في المدة المنصرمة من بين أهم الدول التي تتعاطى في مجال تحويل المشتقات النفطية، وإعادة تصديرها، بينما تنامى منسوب إنتاجها للطاقة الكهربائية المُتجدِّدة بشكل واسع، لا سيما من خلال توفير جزء كبير من حاجاتها الكهربائية من خلال تقنية الألواح الشمسية ومراوح الهواء الضخمة.
والعالم العربي المتربع على أهم جغرافيا سياسية، يعتبر مكاناً مثالية للهند لمساعدتها في مختلف المجالات، وهو بالتحديد مصدر للطاقة الأحفورية التي تحتاج إليها نيودلهي، وسوق استهلاكية لبعض الإنتاج الهندي، خصوصاً الزراعي والتكنولوجي، واليد العاملة الهندية تستفيد من الأسواق العربية على شاكلة واسعة، وهناك تقارب تقافي موروث بين الشعبين اللذين اعتادا على بعض القيم المشتركة منذ القِدم.
والملتقى العربي- الهندي على مستوى وزراء الخارجية الذي انعقد في نيودلهي، أعطى صورة عن سياقات هادئة من التعاون المشترك، بعيداً عن ضجيج الاستقطابات المحورية الدولية القائمة، وهو ينشد السلام والاستقرار لمنطقة غرب آسيا التي تحفل بتوترات كبيرة ومُقلِقة، وقد أكد المجتمعون حق الشعب الفلسطيني بإقامة دولته المستقلة، وعلى تأييد المبادرة العربية للسلام التي أطلقتها قمة بيروت العربية لعام 2002.
د. ناصر زيدان
وسط تسارع التطورات على أكثر من ساحة في العالم، تبرز زيارة وزير خارجية أرمينيا أرارات ميرزويان إلى واشنطن، وتوقيعه تفاهماً مع نظيره الأمريكي ماركو روميو على بدء تنفيذ مراحل تأهيل وتشغيل ممر زانجزور، أو «طريق ترامب للسلام والازدهار الدوليين» الذي يمتد من تركيا إلى باكو عاصمة أذربيجان مروراً بإقليم ناخيتشيفان وجنوب أرمينيا في مرحلته الأولى، والأساسية، ومن ثمَّ يصل إلى غالبية دول وسط آسيا من الشرق، وإلى أوروبا من الغرب.
واتفاقية إنشاء الممر وقِّعت في آب/ أغسطس الماضي بين الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان برعاية وحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وكانت المناسبة تصالحية بامتياز، أنهت سنوات من الخصام والقطيعة والحروب بين البلدين حول ملفات حدودية. وإنشاء الممر ينهي عزلة إقليم ناخيتشيفان الأذري إلى الجانب الجنوبي الشرقي، ويساعد على التواصل السلس مع إقليم ناغورنو كاراباخ الذي تقطنه أغلبية أرمنية داخل أذربيجان.
إعلان انطلاقة تنفيذ المشروع من لقاء الوزيرين بواشنطن له دلالاته، ويحمل رسائل سياسية في اتجاهات متعددة، كما أنه يحصل في لحظة سياسية حساسة تمرّ فيها المنطقة المحيطة، خصوصاً ما يجري في إيران، لأن الطريق يعزلها من الناحية الشمالية كونه يعبر بالقرب من حدودها، إضافة لتأثيراته التجارية السلبية عليها، ويُضعف مكانة «طريق الحرير» الصيني الذي يعبر أراضيها.
في المرحلة الأولى التأهيلية للمشروع ستضخ الشركات الأمريكية ما بين 4 إلى 5 مليارات دولار على البنى التحتية للممر، لإنشاء خطوط متطورة لسكك الحديد وكابلات للاتصالات، إضافة لتوسيعه وتأمينه لسلوك السيارات والشاحنات بطريقة سلسة وآمنة، وبناء نقاط مراقبة حدودية عصرية تساعد على العبور بسهولة من دون تعقيدات بيروقراطية. على أن تستكمل المراحل اللاحقة بتوصيلات استراتيجية لخطوط نقل الغاز والنفط والبضائع من غالبية دول وسط آسيا.
ربما يكون من أهم الأهداف الاستراتيجية «لممر ترامب» منافسة «طريق الحرير» الصيني، ولكنه أقل حجماً واتساعاً من هذا الأخير، وهو لا يعبر في كافة الدول التي يمرّ فيها طريق الحرير، وقدرته الاستيعابية السنوية أقل بكثير منه، وقد لا تتجاوز قدرته نقل 40 مليون طن سنوياً تقريباً، لكن ربما يكون أحد أهدافه هو إيجاد حاجز طبيعي بين إيران وجيرانها في الشمال، وتعزيز المشاركة مع دول كانت في غالبيتها محسوبة على الفضاء السياسي والأمني الروسي، وهي قريبة من الصين المُنافس التجاري الأبرز للولايات المتحدة الأمريكية.
ولا يمكن إغفال أهمية الممر من الناحية التي تتعلَّق بتوفير النفط والغاز لأوروبا، ومن منطقة واعدة، وبذلك قد تخرج بعض الأسواق الأوروبية من الحاجة الملحة للغاز الروسي، وتؤثر الإمدادات السهلة من المنطقة المحيطة ببحر قزوين نحو الشمال على توفير منافسة تجارية تضبط أسعار السلعة الضرورية لكل الأسواق العالمية.
الولايات المتحدة التي حصلت على امتياز الإشراف على الطريق لمدة 99 سنة، ترغب بطبيعة الحال في ربطه مستقبلاً بالأسواق الهندية من الجنوب الشرقي وصولاً لكل الأسواق في القوقاز والشرق الأوسط وأوروبا، وسيتم توسيع قدراته الاستيعابية ليتمكن بالفعل من منافسة «طريق الحرير» وهو سيوفر ما بين 10 إلى 15 يوماً من زمن إيصال الشحنات التجارية، وسيقلِّص كلفة النقل إلى ما يزيد على 30 في المئة من الأثمان التي تتكبدها الشركات لنقل منتجاتها بواسطة طُرق أخرى.
أما في السياسة والأمن، فالواضح أن موسكو التي تتضرَّر تجارياً من المشروع، تلقت ضمانات بأن لا يكون له مفاعيل سياسية وأمنية تؤثر عليها، وقد يحصل بعض التعاون بين مسارات الطريق ووسائل الإمداد الروسي إلى الجنوب وإلى غرب آسيا. بينما إيران عبَّرت عن مخاوفها من المشروع، لأنه سيكون سبباً لوصول قوات أجنبية إلى حدودها الشمالية كما قالت، وسيشكل حاجزاً يفصلها عن جيرانها في الشمال. أما الصين، فإنها ليست مرتاحة للممر بطبيعة الحال، وتعرف أنه يقوِّض من حركية خطة الحزام والطريق التي أطلقتها في عام 2013.
في المقابل، فإن الممرّ ليس بمنأى عن المخاطر، فقد يواجه اعتراضات مستقبلية من الدول المتضررة منه.
د. ناصر زيدان
صحيح أن سوريا خرجت من حقبة بعد سقوط النظام السابق قبل ما يزيد عن السنة، ولكنها لم تلِج مرحلة التعافي على ما كان منتظراً، فالشعب السوري ما زال يعاني من مشكلات عدة، وبعضه لم يتمكن من العودة إلى بلداته وقراه المُهدمة، بينما الغيوم السياسية والأمنية الداكنة تحوم في أجوائها، ربما لأنها تتمتع بخصائص جيوسياسية مهمة.
لعلَّ أبرز ما تواجهه حكومة سوريا الجديدة اليوم هو التحديات الأمنية والاستراتيجية، برغم وجود صعوبات معيشية وإدارية وقضائية تُتعِب الواقع القائم، وانسياب أعمال الدولة العادية ليس على أفضل حال. وقد تسارعت الأحداث منذ مطلع العام الجديد، بسبب نفاذ المهلة الزمنية التي كانت مقررة لتنفيذ مندرجات اتفاق 10 آذار/مارس الذي وقعه الرئيس أحمد الشرع مع قائد قوات سوريا الديمقراطية «قسد» مظلوم عبدي لدمج إدارة شمال – شرق سوريا بالإدارة المركزية، وخصوصاً إلحاق قوات «قسد» بالجيش العربي السوري، وهذا لم يحصل حتى الآن، وبوادر الانفجار تلوحُ في مدينة حلب.
ويبدو أن الصعوبات الشمالية الشرقية المُرشحة للتفاقُم؛ ليست الوحيدة التي تُربك الوضع في سوريا، فتحديات الساحل بعد الاعتراضات الشعبية التي ظهرت على أثر دعوة الشيخ غزال غزال كانت مؤثرة وواسعة، والراديكاليون في «قسد» يحاولون الاستفادة من هذه الأحداث لوقف مسار التفاوض بين عبدي وحكومة دمشق.
و يمكن اعتبار ما يجري في الجنوب السوري مُقلقاً للغاية أيضاً، ويسترعي اهتماماً كبيراً عند المتابعين، حيث يتمدَّد الاحتلال الإسرائيلي على أراضٍ جديدة استراتيجية في المنطقة، إضافة إلى العدوان ضد السكان، ويمنع أي تحرك عسكري لقوات الحكومة في المنطقة، بينما الوضع في محافظة السويداء مُضطرِب، وفصائل «الحرس الوطني» التي يقودها الشيخ حكمت الهجري والمدعومة من إسرائيل وقسد- تفرض سيطرة مشدَّدة على بلدات المحافظة، وتستغل الارتكابات الشنيعة التي حصلت ضد المدنيين في تموز/يوليو الماضي، لمنع أي تواصل بين أبناء المحافظة والإدارة المركزية، وهي طالبت بالانفصال عن حكومة دمشق. وجنوب سوريا يتمتع بأهمية جيوسياسية كبيرة في الإقليم، كونه ممراً لأهم خطوط التواصل والنقل من خلال الحدود الأردنية المفتوحة على الواحة الخليجية برمتها.
وما يزيد الإرباكات الأمنية أكثر فأكثر- هو حصول عمليات قتل وتفجير مشبوهة من قبل مجموعات قد تكون من مخلفات «داعش» الإرهابية، حصلت في تدمر وفي ريف حمص وفي ضواحي دمشق، وقد أُعلن عن قسم من هذه الأعمال، بينما بقي القسم الآخر طي الكتمان لأسباب أمنية - كما قالت السلطات المختصَّة – وهي اكتفت بالقول أنها أفشلت مخططات إرهابية كانت تستهدف احتفالات عيد رأس السنة الميلادية. وعمليات القصف التي نفذتها طائرات حربية أمريكية وبريطانية وفرنسية في منطقة تدمر الصحراوية، تؤكد وجود مجموعات مُتفلِّته لديها نوايا إجرامية في المنطقة المذكورة.
تحتاج سوريا الجديدة إلى العناية المركَّزة، وإلى دعم غير مشروط من قبل جيرانها والقوى الفاعلة. والتسهيلاتُ التي مُنحت لها من الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي – خصوصاً رفع العقوبات – ومن روسيا التي تتمتع بحضور عسكري وسياسي وازن في البلاد- غيرُ كافية إذا لم يضغط هؤلاء - وواشنطن بالتحديد - على الحكومة الإسرائيلية لوقف عملياتها العدوانية ضد سوريا، وكبح جماح تدخلها في الشأن السيادي السوري، وما نُشر من معلومات في هذا السياق؛ كافٍ لتأكيد هذه الوضعية غير السويَّة، وتقصير الإدارة الجديدة في أدائها بحماية بعض المكونات، أو بعدم نجاحها في منع عمليات تهريب، لا يعطي أي مبرر لإسرائيل بالتمادي في أعمالها العدوانية التخريبية.
الاحتضان العربي للإدارة السورية الجديدة كان كبيراً ومهماً، وقد بذلت بعض الدول العربية مجهودات لمساعدة دمشق في الآونة الأخيرة، بما في ذلك التوسُّط لفكّ العُزلة الدولية عنها، والجامعة العربية مطالبة بزيادة العناية بسوريا، لاسيما في مجال الضغط للجم التمادي الإسرائيلي ولوقف التدخلات الخارجية في شؤونها، ولتصويب بعض الاعوجاج في مسيرة الإدارة الجديدة، بحيث لا يُترك للمتطرفين، أو قليلي الخبرة بالشأن العام التحكُّم في مسيرة التعافي.