تآكل المجتمعات من الداخل يفقدها القدرة على حماية نفسها من الانفجار

يشهد العالم اليوم موجة من القلق الفكري حول مستقبل الدول الحديثة، وقدرتها على البقاء في عصر تتفاقم فيه الأزمات الاقتصادية، والبيئية، والسياسية. وفي كتابه الجديد «لعنة جالوت: تاريخ ومستقبل انهيار المجتمعات»، يقدّم الباحث لوك كيمب قراءة موسّعة ومُقلِقة لمسار الحضارات من أقدم العصور، حتى الوقت الراهن، مستنداً إلى قاعدة بيانات ضخمة تشمل مئات حالات الانهيار. ويطرح المؤلف أطروحة بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة التأثير: المجتمعات لا تنهار بسبب صدمة واحدة، بل لأنها تتآكل من الداخل، إلى أن تفقد القدرة على حماية نفسها من الانفجار الأخير.
يفنّد كيمب الرواية الشائعة التي تربط سقوط الدول بالكوارث المفاجئة، أو بالغزو الخارجي، مؤكداً أن هذه التفسيرات لا تلامس جذور الانهيار. فالأزمات الكبرى، كما يرى، لا تصنع السقوط بقدر ما تكشف هشاشة تراكمت لعقود، وربما لقرون. ويشير المؤلف إلى أن اللحظة الحاسمة التي تبدأ فيها الحضارات بالتراجع تحدث عندما تستولي نخبة صغيرة على السلطة، وتحتكر الموارد، وتفصل نفسها تدريجياً عن المجتمع الواسع. وفي ظل احتدام اللامساواة، وتآكل الثقة العامة، وتراجع شرعية الدولة، يدخل النظام في حلقة مفرغة تنتهي إلى الانهيار.
وتتبدّى خطورة هذا المسار حين يترافق احتكار السلطة مع صعود سلوكات عدوانية داخل النخبة نفسها، حيث تتحول المنافسة على النفوذ إلى معركة للبقاء. يووضح كيمب أن الكثير من القادة الذين حكموا الأنظمة المتداعية تمتعوا بسمات شخصية تدفعهم إلى التوسع والهيمنة، ما يسرّع الإنهاك المؤسسي، ويقوّض آليات الإصلاح. ومع مرور الوقت، تتضخم البيروقراطيات، وتتصلب الهياكل، وتنشأ فجوة واسعة بين الناس وحكّامهم، فتختفي القدرة على امتصاص الأزمات، أو إصلاح الأعطاب.
نماذج من التاريخ
ويكشف الكتاب أن هذه الدورة لم تكن استثناء في التاريخ. فالحضارات القديمة، من المايا والآشوريين، إلى الرومان وسلالات شرق آسيا، واجهت الانهيار عبر المسار ذاته: توسع سريع، يعقبه جمود مؤسسي، ثم ارتفاع غير مسبوق في معدلات اللامساواة، وصولاً إلى مرحلة تفقد فيها الدولة تماسكها الداخلي. وبحسب كيمب، لا تختلف المجتمعات الحديثة كثيراً عن أسلافها، لأن العوامل البنيوية التي تحكم صعود الحضارات وسقوطها لا تزال تعمل بالطريقة ذاتها، وإن اتخذت أشكالاً جديدة.
ويلفت المؤلف إلى أن الدول التي نجحت في تجنب الانهيار لم تكن الأكبر أو الأكثر ثراءً، وإنما تلك التي استطاعت الحفاظ على توازن دقيق بين السلطة والمشاركة، وبين المركز والأطراف، وبين النخبة والمجتمع. ويؤكد أن الديمقراطية التشاركية والشفافية وتوزيع الثروة هي آليات بقاء، وليست شعارات أخلاقية فقط. فالمجتمع الذي يشعر بأنه «جسد واحد» يمتلك قدرة أكبر على الصمود أمام الأزمات، بينما المجتمعات المنقسمة سرعان ما تنزلق نحو مسار لا عودة منه.
يستهلّ المؤلف كتابه باستعادة مثال كاهوكيا، المدينة الواقعة قرب شيكاغو، اليوم، والتي شكّلت قبل الغزو الأوروبي مركزاً حضارياً واسعاً بأهرامها الترابية وساحاتها الاحتفالية. وتكشف مدافنها الضخمة عن طبقات اجتماعية حادّة، حيث دُفن الحكّام بطقوس مهيبة، إلى جانب ضحايا قُدّموا كقرابين، ما يعكس اندماج السلطة الدينية والسياسية وسط مجتمع بالغ المركزية. ويستخدم الكاتب هذا النموذج لتوضيح أن تاريخ الإنسان هو تاريخ صراع على القوة: السيطرة على القرار والموارد والعنف والمعلومات، وأن الانهيار يحدث حين تفشل هذه المنظومات في إدارة السكان والحفاظ على شرعيتها، فتتداخل أزمات الحكم والاقتصاد والسكان في مسار واحد يؤدي إلى تفكك كامل.
بذور الانهيار في الداخل
ويمدّ الكاتب هذا المنظور على امتداد التاريخ، موضحاً أن المجتمعات الكبرى كثيراً ما تحمل بذور انهيارها في داخلها، وأن الانهيارات قد تطال شبكات كاملة، كما حدث مع منظومة دول العصر البرونزي المتأخر، أو مع الإمبراطوريتين، الرومانية والهان، اللتين تفككتا تدريجياً تحت ضغط عوامل داخلية متراكمة. ويبرز كيف يمكن لدولة قوية أن تنحدر سريعاً نتيجة اضطرابات صغيرة تتضخم، أو ببطء عبر سلسلة من التصدعات التي لا تلتئم.
ومن هنا يصل إلى مفهوم «جالوت»، أي النموذج الهرمي الذي يُخضع فيه القليلون الأغلبية عبر العنف، وتنظيم العمل والموارد. ويبيّن أن ما يُسمّى «حضارة» ليس سوى شبكة معقّدة من علاقات السيطرة التي نشأت مع الزراعة، والمدن، والكتابة، وأن الدولة، بصفتها جهازاً مركزياً للجباية والإدارة، كانت دائماً كياناً هشّاً لا يتجاوز عمره في المتوسط بضعة قرون، مهما اتسعت رقعته. ويرى أن التسمية ذاتها مضلّلة، فالكثير من هذه الأنظمة بنى قوته على الإخضاع والقسر، وأن الانهيار الاجتماعي يحدث عندما تفقد هذه البنى القدرة على إدارة الموارد، وضبط العنف، والحفاظ على الشرعية، فتسقط من الداخل، مهما بلغت قوتها الظاهرة.
ونظراً لثراء قاعدة البيانات التي يعتمد عليها الكتاب، يحاول كيمب رسم خريطة دقيقة لما يسبق الانهيار عادة: هشاشة مالية متفاقمة، استنزاف للموارد البيئية، فقدان الثقة بين المواطنين ومؤسسات الحكم، واستقطاب سياسي يتحول إلى صراع وجودي. ويرى أن هذه المؤشرات تتراكم تدريجياً إلى أن تصل إلى مستوى يعجز فيه النظام عن معالجة مشكلاته حتى لو أدركها.
هيكلة الكتاب
يمتد كتاب «لعنة جالوت» عبر ثلاثة أقسام كبرى ترسم خريطة شاملة لتاريخ الانهيار. يبدأ المؤلف ب«بدايات ونهايات» حيث يفكك في فصول مثل «وهم هوبز»، و«الانهيار في 99% من التاريخ البشري» الروايات التي ترى الدولة الحديثة ذروة التنظيم، قبل أن يعود إلى جذور المجتمعات الأولى في «من الصيد والالتقاط، إلى أن نكون نحن الصيد»، ويعاين التجارب البشرية المبكرة في فصول «تجارب مهجورة: الفلاحون الفاشلون» و«تجارب مهجورة 2: التصويت بالأقدام والنار»، ليبيّن كيف كانت النظم الصغيرة أكثر مرونة من الإمبراطوريات الهرمية. ومع انتقاله إلى فصول «صعود جالوت» و«لعنة جالوت»، يقدّم الإطار النظري الذي سيبني عليه تحليله لاحقاً: كل قوة مفرطة تخلق في داخلها بذور سقوطها.
أما القسم الثاني «المسيرة الإمبراطورية والسقوط» فيجسّد سرداً حياً لمسار القوى العظمى عبر فصول مثل «حروب العصابات»، و«البرونز المحطَّم»، و«السبج المتشظي»، وصولاً إلى دراسات أكثر تفصيلاً في «صعود وسقوط جالوت الصيني»، و«سقوط روما». ويواصل كيمب تتبع أثر الهيمنة في فصول «الخوف من الصعود»، و«الاستعمار والانهيار»، لينتهي ب«الانهيار في العالم الحديث»، قبل أن يدخل في القسم الثالث «النهاية» حيث يناقش أثر التكنولوجيا في فصل «مورس إكس ماشينا»، وصراع الإنسان والأنظمة العملاقة في «غايا ضد جالوت»، ثم ينتقل إلى سلسلة من الفصول الختامية مثل «متلازمة نجم الموت»، و«السلم بلا درجات»، و«جذور نهايتنا»، و«مصائر جالوت»، و«بعد السقوط»، وصولاً إلى الفصل الحاسم «لتتحقق العدالة كي لا يهلك العالم»، تليه خاتمة بعنوان «قتل جالوت» التي تختزل رسالة الكتاب: لا ينهار العملاق لأنه ضُرب من الخارج، وإنّما لأنه تجاهل شقوقه الداخلية.
يخلص كيمب إلى أن انهيار المجتمعات عملية يمكن فهمها وتوقعها إذا ما فُحِصت ديناميات السلطة والثروة والثقة العامة. وما يجعل الكتاب مهماً اليوم، أنه مرآة للقرن الحادي والعشرين. فعندما تتسع الفجوات، وتتراجع الثقة، ويشعر الناس بأنهم خارج القرار، تبدأ لعنة جالوت بالعمل.