د. أمينة أبوشهاب

هنالك اليوم من يستعيد بقلق شديد عبارة جوليان آسانغ التي مفادها أن هذا الجيل هو آخر الأجيال الحرة، والمعني بهذه العبارة هو المجتمع الغربي. كلام عالي الإنذار ويشير إلى نكسة تاريخية مطلقة. فلطالما كانت «الحرية» هي الميزة الغربية التي روّج بها الغرب نفسه بإزاء الشعوب الأخرى.
هنالك من يهدد الحرية وهؤلاء أصبحوا من الثراء والسلطة والنفوذ وحالة القبض على العقل الإنساني بحيث أنهم لا يخفون هدفهم في تطويع المجتمعات والسيطرة عليها كلياً، وفي هذا فإن المجتمعات الإنسانية كلها معنية بالتهديد. وليس الأمر خيالاً علمياً وإنما هي حقيقة تتبدى متأخرة، بحيث أنها تدهم العقول وقدرتها على الاستيعاب. ومن السخرية أن مهددي الحرية ومحاصريها اليوم بواسطة جبروت قوتهم في التكنولوجيا هم من كانوا سابقاً وكلاء الحرية الذين فتحوا ما سموه فضاءاتها على شبكة الإنترنت، وهم من أوجدوا الشبكات الاجتماعية لينشغل بها الجميع مظهرين هوياتهم الفكرية والسياسية من دون قلق من وجود من يراقب ويسجل ما دام أن هنالك تعهداً بضمان حراسة الحرية بوجود مفهوم الخصوصية.
تتكشف الخصوصية علي تطبيق «الواتس آب» على أنها طرفة سمجة أطلقتها «ميتا» وتكررها كل مرة مع الذين يخشون علي خصوصياتهم ويترددون وهم على وشك الكتابة أو التسجيل الصوتي أو إرسال الصور. تقول لهم عبارة «ميتا» حينها: أسراركم محفوظة. وهي صدمت أصحاب الحسابات بإعلانها الجديد أنها بداية من الشهر الحالي سوف تستخدم ما يحلو لها من صور ومضمون في حسابات المستخدمين لأغراضها الخاصة.
الحرية على الانترنت والشبكات الاجتماعية ما هي إلا فخ، وهذه المحصلة يدلنا عليها بوضوح تام القرار التنفيذي الذي أصدرته إدارة دونالد ترامب قبل أيام قليلة والمطلوب فيه من السياح الزائرين لأمريكا إثبات سجل نظيف في استخدام الشبكات الاجتماعية ولمدة خمس سنوات لكي يحظوا بالموافقة على دخول أمريكا. حرية التعبير والقول الناقد لأمريكا (وبالتبعية إسرائيل) ممنوعة، وأكثر من سيسري عليهم القرار هم الكتّاب والصحفيون وبالذات العرب. القرار فيه تناقض صارخ مع الخطاب الأمريكي المنتقد بشدة لأوروبا «لتقييدها» حرية الرأي التي تتعلق هنا باليمين الأوروبي.
لكن التقييد الموازي والحقيقي في الواقع في عواصم أوروبية مهمة كان عن التعبير عن الرأي حول حرب الإبادة في غزة. مواطنون أوروبيون شقر يساقون من الشوارع إلى السجون لحملهم لافتات تدين الإبادة وظاهرة المحرمات التعبيرية وتكميم الأفواه والأصوات الحرة التي كانت كلها معبرات عن حال الحرية فيما عرف عالمياً أنها «قلاع الحرية». ولم يكن ذلك ضربة لتصورات غير الغربيين عن أوروبا بل للمواطنين الأوربيين أنفسهم الذين اختبروا لأول مرة ضيق أفق الحرية وهشاشتها وإمكانية فقدانها، وكذلك كيفية تسليط التكنولوجيات التواصلية كوسيط لجمع ومحاصرة الرأي والتفكير.
والأدهي هو الإنذارات الخطرة عما تحمله التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي من عواقب على الأجيال والمجتمعات الغربية في انفكاك ارتباط هويتها بالحرية، فالذكاء الاصطناعي لا يهدد أسس الحرية الإنسانية فقط، بل يهدد العقل في علاقته بالمعرفة، وكذلك حرية القرار والخيار الإنساني الحر في أسلوب الحياة والتعليم والعمل. يشطب الإنسان من مجال العمل لأن الذكاء الاصطناعي سيحل محله في غضون السنوات القادمة. هذا ما قاله إيلون ماسك مؤخراً في السعودية وفسره معلقون عرب خطأً على أنه يبشر بالماركسية، بينما القصة هي شطب الملايين الذين سيهبطون إلى أدنى مستويات الفقر.
أباطرة شركات التكنولوجيا هم من القوة والثراء بحيث يتجاوزون الدول والحكومات، والغريب أن مؤسسات الديمقراطية ممثلة في هيئة مثل الكونغرس لا تتخذ موقفاً من هذه الشركات ولا من أهدافها التي أصبحت معلنة وهي حكم الكرة الأرضية بالذكاء الاصطناعي وإقصاء الإنسان عن هذه المهمة التكليفية منذ الخليقة. ومن أكثر التصريحات وقاحة مؤخراً عن السيطرة على المجتمعات وحبسها في بيت الطاعة من قبل ملاك الذكاء الاصطناعي تصريح لاري أليسون مالك شركتي«أوراكل» و«تيك توك» والذي قال فيه إن المجتمعات ستكون في أحسن حال من سلوكها بسبب المراقبة والتقارير عنها، وستسجل الكاميرات حتى وإن تم إطفاؤها.
تصريح لا يحمل وداً ولا احتراماً للمجتمعات من صاحب شركة مؤدلجة بالكامل مثلها مثل أغلب أخواتها من شركات الذكاء الاصطناعي. أيديولوجيا هذه الشركات تعني أن عقدة شبكاتها الأساسية وقبلتها وعواطفها وبالتالي ملياراتها وقوتها التكنولوجية هي لكيان معين هو إسرائيل. شركة«بالانتير» التي يقودها بيتر تيل والتي لها قاعدة كبيرة من المعاداة في الشارع الأمريكي نظراً لطموحاتها المعلنة في تحويل طبيعته وصفتها «الغارديان» بأنها أكثر الشركات في العالم«إثارة للخوف» هي إسرائيلية الهوى كذلك، وإلى جانب «أوراكل» و«غوغل» و«أمازون» كانت شريكة بتقنيات الذكاء الاصطناعي في حرب غزة.

[email protected]