* د.خليل حسين
تعتبر المفاوضات وجهاً من وجوه الحلول الممكنة بين الدول، وعادة ما تأتي بعد نزاعات وصراعات ممتدّة، تستعمل فيها وسائل مختلفة، وهي عادة ما تكون نتاجاً لتوصل الأطراف إلى قناعة تامة بجدوى المفاوضات، أو أنها تفرض عنوة بعد فرض موازين قوى جديدة، تستعمل لتكريس مسارات متنوعة، لتحقيق ما عجزت عنه مسارات النزاع.
وتكتسي المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية واقعاً خاصاً، نظراً للظروف الذاتية والموضوعية التي يعيشها لبنان، فعند التدقيق نجد أن الموضوع لم يكن سهلاً، ولا يخضع لقوانين محدّدة متعارف عليها بين الدول، وإنما تتداخل فيها ظروف داخلية مؤثرة باتجاهات مختلفة، إما داعمة، وإما رافضة، على خلفيات متعدّدة، منها الأيديولوجي، ومنها تحالفات خارجية لأطراف داخلية لبنانية، ومنها في الجهة المقابلة إسرائيلياً، ارتباطها ببرامج وطروحات استراتيجية يفوق حجم آفاقها وتداعياتها قدرة لبنان على استيعابها، وتحمّل نتائجها.
وفي الواقع، لا تعتبر المفاوضات القائمة حالياً بين لبنان وإسرائيل مسألة مستجدّة، بل لها سوابق ممتدّة، بدايتها بعد الحرب العربية - الإسرائيلية الأولى، في عام 1948، والتي أدت بلبنان إلى توقيع اتفاقية الهدنة في آذار/ مارس، عام 1949، التي رعاها مجلس الأمن، وانتجت اتفاقية خضعت للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، والتي ظلت، حتى اليوم بشكل عام، قاعدة يرتكز عليها لبنان في أيّ إطار للمفاوضات، علاوة على بيئات تفاوضية لاحقة أجريت بين الطرفين، اللبناني والإسرائيلي، بظروف مختلفة، من بينها مفاوضات عام 1983 التي أجريت بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان، في يونيو/ حزيران، عام 1982، والتي انتجت اتفاقية 17 أيار/ مايو، التي ألغيت في عام 1984 من الجانب اللبناني، نتيجة رفض داخلي.
وشكّل انهيار الاتحاد السوفييتي مناسبة للمضي في مسارات تسوويّة في الشرق الأوسط، حيث انطلقت مفاوضات مباشرة في إطار مؤتمر مدريد للسلام، الذي انتج اتفاقيات سلام بين إسرائيل، والأردن، والسلطة الفلسطينية، فيما لم تصل المفاوضات مع الجانبين، اللبناني والسوري، إلى نتائج محدّدة، وتوقفت المفاوضات بعد رعاية أمريكية، فيما ضغطت إسرائيل لمتابعتها عبر عمليات عسكرية واسعة في لبنان، من بينها في العامين 1993 و1996، وانتجت، هذه الأخيرة، اتفاقاً سمي «تفاهم نيسان»، الذي وضع إطاراً لإدارة الأزمة، وليس حلاً شاملاً، بين لبنان وإسرائيل.
محطة أخرى من التفاوض بين الجانبين، اللبناني والإسرائيلي، أدت في عام 2022 إلى اتفاق حول ترسيم الحدود البحرية على قاعدة تقاسم الموارد، الغازية والنفطية، في المياه الإقليمية والاقتصادية لكلا الطرفين، وقد حدّدتها ورعتها الولايات المتحدة. إلا أن حرب غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وانهيار النظام السوري في ديسمبر/ كانون الأول 2024، والحرب على لبنان، أعادت خلط الأوراق من جديد بين لبنان وإسرائيل، ما أدى إلى انطلاق مفاوضات لبنانية إسرائيلية مباشرة عبر لجنة «الميكانيزم» التي ضمت أيضاً الولايات المتحدة، وفرنسا، والأمم المتحدة، عبر «اليونيفيل»، وهي مفاوضات انطلقت في إطار تقني، ما لبثت أن تحولت إلى مفاوضات سياسية، بعد ضغوط إسرائيلية، حيث أدخل في عدادها مفاوضون مدنيون - دبلوماسيون من الطرفين، اللبناني والإسرائيلي.
ويعتبر مسار المفاوضات الحالي عبر لجنة «الميكانيزم»، إطاراً تهدف إسرائيل من خلفه للتوصل إلى مسائل محدّدة لطالما سعت إليها، من بينها التوصل إلى اتفاقية سلام، وتطبيع كامل، وهو أمر حاذره لبنان سابقاً نتيجة ظروفه، الداخلية والخارجية، ويبدو أنه مضطر اليوم إلى التعامل مع مفردات المفاوضات بطرق مختلفة عن السابق، نتيجة المتغيرات التي فرضتها إسرائيل.
في الواقع، ثمة تحدّيات كثيرة تواجه المفاوضات، وبخاصة الجانب اللبناني، حيث يخضع لضغوط متعدّدة الأوجه والمصادر، وهو مطالب بالسير في مفاوضات منتجة، وقابلة للحياة كما تريدها إسرائيل، في وقت لا يملك لبنان أوراقاً ذات شأن قابلة للبناء عليها. لا سيّما وأن الواقع اللبناني الحالي صعب جداً، فهو يرزح تحت ضغوط العمليات العسكرية الإسرائيلية، والضغوط الدبلوماسية، الإقليمية والدولية، للمضي في مسار تفاوضي محدّد الأهداف.
*رئيس قسم العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية