د. إدريس لكريني

تطرح الأزمات والكوارث تحديات كبيرة أمام صانعي القرار، تفرض التدخل بشكل سريع وفعال، ضمن خطوات محسوبة تسابق الزمن لأجل التحكم في الوضع والحيلولة دون خروجه عن نطاق السيطرة.
وأمام تعقد المخاطر الناجمة عن هذه المحطات القاسية في أبعادها الاقتصادية والبيئية والاجتماعية والأمنية، أصبح من اللازم البحث عن سبل أكثر استدامة ونجاعة للتعامل بشكل شمولي في مثل هذه الظروف على الصعيدين الوطني والدولي.
وفي هذا السياق، وأخذاً بعين الاعتبار للتطورات التكنولوجية والرقمية في الوقت الراهن، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يستأثر بأدوار مهمة ووازنة في هذا السياق على عدة مستويات.
يمكن توظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجال التنبؤ بالأزمات والكوارث، من خلال تحليل المعلومات المتحصل عليها بتقنيات متطورة، في مجالات التغيرات المناخية، وانتشار الأمراض والتطورات الاقتصادية وزحف الجراد وتمدد الحرائق.. بما يتيح للسلطات المعنية التدخل في الوقت المناسب باعتماد تدابير وقائية بشكل سريع.
وبناء على ذلك، يمكن التنبؤ بعدد من الكوارث قبل حدوثها، من قبيل الفيضانات والأعاصير واندلاع الحرائق وعوامل تمددها، عبر تحليل البيانات الواردة (درجات الحرارة وسرعة الرياح وعلو الأمواج..) من الأقمار الاصطناعية أو الطائرات المسيرة، بالإضافة إلى رصد الزلازل وارتداداتها.
وفي إطار تعزيز الجاهزية لمواجهة مخاطر هذه الكوارث والأزمات، تبدو أهمية الذكاء الاصطناعي بتقنياته المبتكرة والمتطورة في المساعدة فيما يتعلق بعملية اتخاذ القرار عبر تحليل التقارير والمعلومات الواردة، ووضع عدد من السيناريوهات الكفيلة بالتعامل مع هذه الظروف بقدر من الكفاءة.
كما لا تخفى أهميته (الذكاء الاصطناعي) أيضاً في تعزيز منظومة الاتصال التي تعدّ ركناً أساسياً ضمن مرتكزات تدبير الأزمة أو الكارثة ارتباطاً بالتواصل السلس والسريع بين خلية الأزمة وصانعي القرار من جهة، وبينها وبين المتضررين والمعنيين بالمخاطر المحتملة لهذه الأحداث والظروف من جهة أخرى.
وعلاوة على ذلك، يستأثر الذكاء الاصطناعي بإمكانيات مذهلة فيما يتعلق بالتدخلات العلاجية البعدية، من حيث رصد الخسائر البشرية والمادية في المناطق المنكوبة، وتوزيع المساعدات على المتضررين. بالإضافة إلى رصد نداءات الإغاثة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وتوجيه فرق الإنقاذ نحو المناطق المتضررة، من خلال مسارات آمنة وغير مكتظة.
بالإضافة إلى دوره المفترض في كشف الأخبار الزائفة والجرائم الرقمية التي تمثل خطراً على جهود تدبير الكارثة أو الأزمة، بما يضمن تفنيدها والرد عليها عبر مختلف القنوات الرقمية. واعتباراً لهذه المعطيات، يمكن القول إن اقتران الذكاء الاصطناعي بأسلوبي تدبير مخاطر الكوارث والأزمات، يمثل فرصة مهمة للتحكم في هذه المحطات عبر أساليب مستحدثة، وآليات متطورة.
يوفر الذكاء الاصطناعي فرصاً واعدة للتعامل بشكل عقلاني وأكثر فاعلية مع مخاطر الأزمات والكوارث، وتوفير هامش لاتخاذ قرارات سريعة وعلى قدر من الجودة على المستويين الوقائي والعلاجي وطنياً ودولياً، وهو ما يبرز أهمية الاستثمار في هذا الجانب من خلال تعزيز المنظومة القانونية الداعمة، وتوفير البنى التحتية اللازمة، وترسيخ التعامل في إطار من الجاهزية مع هذه التقنيات في أوساط صانعي القرار وبين أفراد المجتمع عبر ابتكار برامج متطورة لمحاكات الكوارث والأزمات وتنظيم دورات تدريبية منتظمة في هذا الخصوص، مع الانفتاح على التجارب الدولية الفضلى في هذا المجال.
ويتيح الذكاء الاصطناعي إمكانيات أخرى في هذا المجال، وبخاصة على مستوى التدخل بعد حدوث الكارثة أو الأزمة، عبر تحديد وتقييم الخسائر بسبل ذكية ودقيقة تتجاوز المقاربات التقليدية، وكذا المساعدة على تقديم الخدمات وتوزيع الإعانات من خلال تحديد المناطق الأكثر أولوية وتضرراً في هذا الصدد.
رغم الإمكانيات التي يزخر بها الذكاء الاصطناعي فيما يتصل برصد ومواكبة وتدبير الكوارث والأزمات، إلا أن الأمر لا يخلو من صعوبات وتحديات يمكن أن تظهر في أية لحظة، ويتعلق الأمر إجمالاً بالارتباك الذي قد يحدث على مستوى جمع أو تحليل البيانات الضخمة بشكل غير دقيق، أو فيما يتعلق بحدوث اختلالات أو مشاكل تقنية تعطل عمليات الرصد أو التواصل كانقطاع الكهرباء أو الإنترنت، أو استهداف التطبيقات بفيروسات تعرقل أداءها وتكشف المعلومات الشخصية للضحايا، أو وجود بنى تحتية مهترئة أو غير كافية، ما يمكن أن يؤثر سلباً في مسارات تدبير الكارثة أو الأزمة في مختلف المراحل، أو يساهم في خروجهما عن نطاق التحكم والسيطرة.
إن إدماج الذكاء الاصطناعي ضمن عمليات تدبير مخاطر الكوارث والأزمات، هو عامل مهم على طريق تعزيز الاستجابة والصمود في مواجهة مختلف المخاطر، وهذا لا يعني البتة إلغاء دور الإنسان، بل هو مدخل يدعم إرساء سبل متطورة للتعامل في مثل هذه الظروف بقدر من السرعة والدقة، ولذلك ينبغي تطوير كفاءات ومهارات المتدخلين في هذا الشأن، وإرساء ثقافة تدعم استجابة المجتمع بشكل عملي وسريع مع نظم الإنذار والسلامة التي تطلقها التطبيقات والنظم التقنية ذات الصلة، بالإضافة إلى تعزيز البنى التحتية، وضمان الأمن الرقمي بما يعزز الثقة في خدمات التطبيقات والبرامج التي يتيحها الذكاء الاصطناعي في هذا الشأن.

[email protected]