في قراءة ما يجري في العالم من صراعات عسكرية واقتصادية وتقنية وسيبرانية يتضح أن ما يحمله عام 2026 سوف يكون استكمالاً لهذه الصراعات، ولكن بصورة أشد وطأة، لكن من دون أن يتجه العالم إلى حرب كبرى شاملة على غرار الحربين العالميتين الأولى والثانية في القرن العشرين، إنما سوف يقف العالم على حافة تصعيد واسع عبر بؤر توتر متفرقة قد تتداخل وتمتد، من دون اللجوء إلى الأسلحة النووية، لأن القوى التي تمتلك هذه الأسلحة تدرك تماماً مخاطر فنائها، لذلك سوف تحجم عن استخدامها وتلجأ بدلاً من ذلك إلى «حافة الهاوية» في الضغط الأقصى بما تملك من وسائل قوة تقليدية.
هناك مناطق مشتعلة، وأخرى قابلة للاشتعال قد تقود إلى مواجهات إقليمية، أو صدام عالمي، كما الحال في الحرب الأوكرانية- الروسية، والأزمة المتصاعدة بين الصين وتايوان، والصراع في الشرق الأوسط، والحروب في إفريقيا، أو في حال غزو الولايات المتحدة لفنزويلا، حيث ستبقى الأوضاع فيها محتدمة مع احتمال أن تتحول أية شرارة عشوائية، أو خطاً في الحسابات إلى تصعيد أوسع، حيث تشكل كل ساحات المواجهة هذه صراعاً على النفوذ ورسم موازين القوة من جديد في إطار السعي لإقامة نظام دولي جديد متعدد الأقطاب بديلاً للنظام الحالي الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة منفردة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي في ديسمبر (كانون الأول) 1991.
إذاً، نحن أمام عام جديد في عالم مضطرب لن يتحقق فيه السلام والأمن، بل سيشهد مزيداً من الصراعات أشد قوة واتساعاً إلى حين تستكمل صورة النظام الدولي الجديد الذي تسبقه عادة حروب وصراعات متفاوتة القوة، كما كان الحال في «معاهدة وستفاليا» عام 1648 التي أنهت بشكل أساسي حربي الثلاثين عاماً والثمانين عاماً في أوروبا، وأرست مبادئ السيادة الوطنية وعدم التدخل والتوازن الأوروبي، ما شكل ميلاد نظام دولي قائم على أساس سيادة كل دولة على أراضيها وشؤونها الداخلية، مع الاعتراف بالتعددية الدينية، أو ما جرى بعد الحرب العالمية الأولى(1914) التي قتل فيها نحو 16 مليون جندي ومدني مع انتشار الأمراض والمجاعة، وأعقبها قيام «عصبة الأمم» التي تشكل فيها نظام دولي جديد لحل النزاعات سلمياً، والحد من التسلح، لكنها فشلت في منع الحرب العالمية الثانية (1939-1945) التي كانت الأكثر دموية في التاريخ حيث بلغت الخسائر البشرية نحو 80 مليون إنسان، إضافة إلى الدمار الهائل الذي لحق بعشرات المدن، وقيام الولايات المتحدة بإلقاء قنبلتين نوويتين على مدينتي هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين، أدتا إلى مقتل أكثر من مئتي ألف ياباني.
إننا نعيش مرحلة انتقالية بين نظام دولي يلفظ أنفاسه ويرفض الاستسلام، ونظام دولي جديد يحاول فرض نفسه، وكل هذه الفوضى والاضطرابات ما هي إلا جزء من عملية تحّول قد تكون صعبة ومريرة وقاسية على العالم، ذلك أن النظام الدولي الذي قام بعد الحرب العالمية الثانية وإنشاء الأمم المتحدة سقط، وفقد قدرته على إدارة الأزمات العالمية، جراء فقدان قدرة القانون الدولي على العمل وفشل الإرادة الدولية، وتلاشي مبدأ العدالة والسيادة، وهيمنة مبدأ القوة على ما عداه من مبادئ قانونية تحكم العلاقات بين الدول والشعوب في السياسة والأمن والاقتصاد وغيرها من الميادين.