محمود حسونة
الزمن موصول، لا فراغات ولا عتبات تفصل عاماً عن آخر، وكل عام يستلم من سابقه ويبني عليه ويسلم اللاحق له ليتواصل العد وتستمر مسيرة الحياة. ملامح اليوم لا تختلف عن ملامح الأمس بل مستمدة منها، والاختلاف بين الأعوام فقط يكون في كلام العرافين والمشعوذين والدجالين الذين يعتبرون فترات الانتقال من عام لآخر مواسم ازدهار لهم بتوقعاتهم التي يخدعون بها بعض الذين مازالوا يؤمنون بالتخاريف رغم التقدم العلمي الكبير والثورة التقنية التي قادتنا إلى الذكاء الاصطناعي، ليصبح من أدوات الحياة الأساسية في 2025 وستتضاعف مكانته وقدراته وتأثيره ومساحات استحواذه في 2026 وما بعدها.
رغم التطورات المذهلة لا يزال الإنسان محاصراً بالعنف والحروب في أربع جهات الأرض، وكأنه كلما ازداد العالم تقدماً وإبهاراً في التكنولوجيا والعلوم، ازداد جنوناً في السياسة، عالم فقد عقله واستسلم لرغبات ونزوات ومطامع سادته، والنتيجة المزيد من الحروب والدمار وكثير من الفقر والمرض والضياع، وانتشار أكبر لجماعات الإرهاب الذي يجوب العالم متخفياً بأشكال حقوقية أحياناً ودينية أحياناً، يبدّل في أقنعته لتحقيق أهدافه والتي تتمثل في المزيد من زعزعة الاستقرار العالمي ونشر الشك والريبة والخوف بين الشعوب.
عام 2025 كان عام اللايقين، بعد أن فقد الناس الثقة في كل شيء، ابتداءً من اللغة التي يتواصلون بها وأصبحت مجوفة، فالكلمات لا تعبّر عن معانيها، ولو أحصينا أكثر الكلمات ترديداً على ألسنة الدبلوماسيين والساسة والزعماء حول العالم لوجدناها «السلام»، الكل يدعو للسلام ويطالب به، ولكن القليل هو الذي يعمل لبلوغه، ولأنه قليل فلن يستطيع الصمود في وجه الكثير الذي يطالب بالسلام وهو يخطط للحرب، ولعل الكلمة التي تليها في لغة الإعلام والدبلوماسية هي «الاستقرار»، تتردد كثيراً رغم أنها أصبحت كالأحلام بعيدة المنال، قلاقل في مختلف القارات، نزاعات على الحدود، صراعات أهلية، صدامات في الجو وتحرشات في البحر ومواجهات على البر، ولا نعرف من أين يأتي الاستقرار الذي يتحدثون عنه أو السلام الذي يدعون إليه.
في بداية العام عاد الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، عاد ليجدد اللايقين في القرار الدولي بعد انقلابه على الكثير من قرارات سابقه بايدن.
عاد ترامب بوعود أن يعمل جاهداً لإحلال السلام ووقف الحروب المنتشرة في أكثر من بقعة حول العالم خلال أيام معدودة من توليه مهام منصبه، وحسب تصريحاته فقد أسهم في إيقاف ثماني حروب، منها ما بين تايلاند وكمبوديا، الهند وباكستان، رواندا والكونغو، كوسوفو وصربيا، وأرمينيا وأذربيجان، واعتبر أن من بينها إسرائيل وإيران رغم أن العالم يعرف أن أمريكا أسهمت في إشعال هذه الحرب بل وشاركت فيها، وكذلك تحدث عن وقفه حرباً بين مصر وإثيوبيا، وهي الحرب التي لم تندلع !
نعم، للرئيس ترامب الدور الأساسي في اتفاق شرم الشيخ لوقف الحرب الاسرائيلية على غزة، ولكن الحقيقة أن الحرب لم تتوقف كلياً، القصف مستمر بشكل يومي، وأعداد القتلى في تزايد، والمساعدات يتم عرقلة إدخالها، إنه السلام الأعرج، واتفاق اللايقين، ولا أحد يمكنه أن يؤكد ما إذا كان سيصمد، أم أن عام 2026 سيشهد انهياره وعودة الإبادة، خصوصاً بعد أن أكد ترامب لدى استقبال نتنياهو قبل أيام أن إسرائيل«امتثلت تماماً للاتفاق»وهو ما يتنافى مع القصف اليومي للقطاع. نفس ما يحدث في غزة يحدث أيضاً في لبنان، حيث خرقت إسرائيل اتفاق نوفمبر 2024 لوقف الحرب بين إسرائيل وحزب الله ما يزيد على 11 ألف مرة.
وبالنسبة للحرب الروسية الأوكرانية، فقد بذل ترامب جهوداً مهمة لوقفها، ورغم ذلك لم يتم تحقيق الهدف، رغم أننا منذ أشهر والتصريحات الأمريكية تؤكد أن«الوصول لاتفاق بات ممكناً أكثر من أي وقت مضى».
يتسلم 2026 من 2025 صراعات أهلية، أكثرها حدة هي الحرب السودانية التي راح ضحيتها الآلاف ورغم جهود الرباعية الدولية لا تزال فرص التسوية صعبة المنال.
وإذا كان 2025 عام اللايقين والآمال المهدورة، فإن 2026 هو عام الخوف من اتساع الأزمات واندلاع حروب جديدة تلوح في الأفق في سماء أمريكا اللاتينية، وفي الآفاق الصينية التايوانية.