د. إدريس لكريني
قبل أكثر من قرن من الزمن (1823) أعلن الرئيس الأمريكي «جيمس مونرو» ما سمي ب«عقيدة مونرو» التي تتمحور حول اعتبار أي توجه للتدخل في شؤون القارة الأمريكية من قبل القوى الأوروبية أو غيرها، هو بمثابة تدخل عدواني ضد الولايات المتحدة، بما يعنيه ذلك من النظر إلى القارة ك«منطقة نفوذ أمريكي».
وقد تطورت هذه «العقيدة» بشكل أكبر في عهد الرئيس «تيودور روزفلت» الذي اعتبر في عام 1904 أن من حق الولايات المتحدة التدخل بشكل عسكري في حال القيام بسلوكات مسيئة لمصالح الولايات المتحدة من قبل هذه البلدان أو في حال عدم القدرة على حفظ النظام وتحقيق الاستقرار.
وهكذا أضحت هذه العقيدة أحد المكونات الرئيسية للسياسة الخارجية الأمريكية لعقود، وبموجبها دعمت واشنطن الانقلاب الذي قاده الجنرال أوغوستو بينوشيه في عام 1973 في تشيلي ضد الرئيس الاشتراكي المنتخب سالفادور أليندي، وقامت في عام 1989 بغزو بنما وإزاحة مانويل نورييغا من حكم البلاد، بذريعة تعزيز حياد قناة بنما وحماية المواطنين الأمريكيين، وترسيخ الديمقراطية وحقوق الإنسان، ومكافحة تهريب المخدرات وغسل الأموال.
وتستند الولايات المتحدة في عملياتها هذه التي تتخذ مظاهر مختلفة تتدرج بين العمل العسكري، والاختطاف والتسليم، إلى مجموعة من التشريعات الفيدرالية العابرة للحدود والتي تهتم بمكافحة جرائم مختلفة كغسل الأموال والإرهاب وتهريب المخدرات، بالإضافة إلى سابقة قضائية أصدرتها المحكمة العليا الأمريكية في هذا الخصوص.
هذه العقيدة عادت إلى الواجهة من جديد مع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض خلال ولايتيه الأولى والثانية.
وضمن خطة عسكرية واستخباراتية دقيقة بدأ الإعداد لها على امتداد عدة أشهر، قامت السلطات الأمريكية يوم 03 يناير 2026 بعمليات عسكرية داخل الأراضي الفنزويلية، أفضت إلى القبض على الرئيس نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس ونقلهما جواً إلى الولايات المتحدة لحاكمتهما بتهم تتعلق بالإرهاب وتهريب المخدرات.
تباينت ردود الفعل الدولية إزاء هذه العمليات، ففي الوقت الذي اعتبرت فيه الولايات المتحدة أن الأمر يتعلق بالقبض على مطلوب للعدالة، أكد وزير خارجية فنزويلا أن هذا السلوك يمثل انتهاكاً صارخاً لميثاق الأمم المتحدة، ويبرز الخطورة التي باتت تشكلها أمريكا بالنسبة لشعوب العالم، مشيراً إلى أهمية التعاون للرد بحزم لحماية أمن وسيادة الدول.
بينما أكد الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا أن هذه الممارسات تشكل خطوة متقدمة لتكريس عالم يعمّه العنف والفوضى، أما الأمين العام الأممي أنطونيو غوتيريس فاعتبر ذلك بمثابة سابقة خطِرة، يمكن أن تفرز آثاراً صعبة على المنطقة. ودانت الصين الشعبية هذا العمل الذي رأت فيه اعتداء على سيادة فنزويلا وتهديداً للسلم في المنطقة، ومن جانبها دعت روسيا إلى عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن «لمناقشة هذا التطور الخطِر»، فيما أبرزت المفوضية الأوروبية أنها تقف إلى جانب الشعب الفنزويلي، وتدعم الانتقال السلمي والديمقراطي في البلاد.
لا شك أن هذه العمليات تطرح إشكالات قانونية عميقة، تسائل جدوى مبادئ القانون الدولي (عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وعدم استخدام القوة أو التهديد باستعمالها في العلاقات الدولية..)، وتطرح مصداقية الأمم المتحدة على المحك، لكنها تعبر من الناحية الواقعية، عن تكريس قانون القوة وعدالة المنتصر، فاعتباراً لما يعرفه العالم من تحولات استراتيجية متصلة بإعادة بناء التحالفات والشراكات الاقتصادية، تعكس هذه العمليات الأمريكية رغبة في التحكم بالإمكانيات الطاقية التي تحظى بها فنزويلا باحتياطات تفوق 303 مليارات برميل نفط، تجعلها في المرتبة الأولى عالمياً بنحو 18% من هذه الاحتياطات (وهو ما عبر عنه ترامب صراحة)، وبعث رسائل تحذيرية واضحة إلى بعض بلدان أمريكا اللاتينية مثل كوبا وكولومبيا، وأخرى إلى قوى دولية كبرى كالصين وروسيا التي تسعى إلى الاستئثار بأدوار طلائعية في النظام الدولي الراهن، والتمدد في منطقة تعتبرها الولايات المتحدة حيوية بالنسبة إليها.
ومن هذا المنطلق يمكن القول: إن اعتقال مادورو بهذا الشكل وفي هذه الظرفية الدولية، يتجاوز في خلفياته وأبعاده مجرد تحريك لمذكرات قضائية أو تطبيق لنصوص تشريعية، بل تجسيد عملي ل«عقيدة مونرو».