- رؤى إخراجية عكست ثراء التجربة المسرحية العربية
القاهرة: رضا السميحيين
استهل مهرجان المسرح العربي، في دورته السادسة عشرة التي تحتضنها القاهرة، فعالياته بيوم أول حافل بالعروض المتنوعة في لغتها الجمالية وأسئلتها الفكرية، ليعكس منذ اللحظة الأولى ثراء التجربة المسرحية العربية، وقدرتها على مقاربة قضايا الإنسان المعاصر من زوايا متعددة، تتراوح بين السياسي والاجتماعي والوجودي، ثلاث تجارب مسرحية من المغرب والعراق ومصر رسمت ملامح هذا اليوم الافتتاحي، وقدمت للجمهور مشهداً بانورامياً عن اتجاهات المسرح العربي الراهن، في بحثه الدائم عن معنى الإنسان داخل عالم تسوده الاضطرابات.
على مسرح السامر، افتتح عروض اليوم الأول العرض المغربي «مواطن اقتصادي» من تأليف أحمد السبياع، وإخراج محمود الشاهدي، مقدماً تجربة مسرحية مكثفة تشتبك مع الواقع المعاصر من دون أن تسقط في فخ الخطاب المباشرة، اتكأت حبكة العرض فيه على تجنب رواية الحكاية بطريقة تقليدية ذات بداية وذروة ونهاية، بقدر ما قدمت تشريحاً فنياً لحالة إنسانية عامة وهي المواطن الذي يجد نفسه دائماً محاصراً داخل منظومة معقدة من القوانين غير المرئية، والضغوط الاقتصادية، والسلطات المتعددة التي تعيد تشكيل وعيه وسلوكه دون أن تترك له مساحة حقيقية للاختيار.
*رؤية
الفكرة الأساسية للعمل تنطلق من مساءلة مفهوم «المواطن» حين يختزل إلى وظيفة اقتصادية أو رقم في معادلة إنتاج واستهلاك، وتسلب منه أبعاده الإنسانية والأخلاقية، في هذا السياق، لم يظهر العرض المواطن بطلاً ولا ضحية أيضاً، وإنما صوره كائناً مأزوماً ومتردداً، يعيش حالة دائمة من القلق الوجودي، ويستدعى دائماً للمساءلة أكثر مما يمنح فرصة الفهم، هذه المقاربة المفتوحة منحت العرض قوته، إذ تركت المتفرج أمام أسئلة تتقاطع فيها السلطة بالهوية، والاقتصاد بالكرامة، دون فرض إجابات جاهزة عنه.
اعتمد العرض في رؤيته الإخراجية، على بناء مشاهد قائمة على التكوين البصري والرمزية، أكثر من اعتماده على تطور درامي تقليدي، جاءت فيه المشاهد على هيئة لوحات متتابعة، لكل واحدة إيقاعها الخاص ودلالتها المستقلة، مع رابط من التوتر الدائم يحكم العلاقة بين الشخصيات، كما أن التراتبية في توزيع الممثلين على الخشبة، بين من يحتل الأعلى ومن ينكفئ في الأسفل، استطاع الشاهدي تحويلها إلى لغة إخراجية بصرية تعبر عن علاقات القوة والسيطرة داخل المجتمع، كما لعبت عناصر الحركة المحدودة دوراً أساسياً في تعزيز حضور الجسد بوصفه أداة تعبير موازية للكلمة.
وشكلت السينوغرافيا، عنصراً مركزياً في بناء خطاب العرض؛ إذ اتسم الفضاء المسرحي بالاقتصاد والتقشف، مع عناصر توحي بأنظمة مغلقة دون تحديد زمان أو مكان بعينه، ولعبت الإضاءة، بدورها، دوراً في تعميق دلالية الحالات النفسية للشخصيات، حيث هيمن اللون الأحمر في الكثير من مشاهد العرض، وهذا أمر يشي بعمق حالة التوتر التي يعالجها العرض، لتقدم «مواطن اقتصادي» تجربة مسرحية تأملية، وضعت المتفرج أمام مرآة واقع معاصر، ودعته للتفكير في موقعه داخل منظومة لا تتوقف عن إعادة إنتاج التوترات بأشكال جديدة.
*حكاية وطن
على مسرح الهناجر، جاء العرض العراقي «مأتم السيد الوالد»، من إنتاج فرقة المسرح الوطني العراقي، وتأليف وإخراج مهند الهادي، ليقدم بدوره تجربة مختلفة في لغتها وأدواتها، لكنها لا تقل عمقاً في اشتباكها مع الأسئلة الجوهرية للإنسان، العرض ينطلق في ظاهره من حكاية اجتماعية عن أربعة أبناء يتصارعون في مأتم أبيهم على الإرث، لكنه سرعان ما يكشف عن طبقات نفسية أعمق تحول هذا الصراع العائلي إلى استعارة عن الوطن الذي ينهش من الداخل.
يعتمد النص على ثنائية واضحة بين المعلن والمضمر في النفس، المعلن صراع عائلي حول الميراث، والمضمر إسقاطات سياسية واجتماعية عن الاستيلاء على الوطن بأيدي بلا جذور، وتحطيم الأصنام الفكرية، وفضح آليات القمع، هذه البنية المفتوحة جعلت العرض قابلاً للإسقاط على سياقات عربية وإنسانية متعددة، محولاً بدوره المسرح إلى مساحة حرة للنقد، تتجاوز الجغرافيا العراقية دون أن تفقد خصوصيتها.
الرؤية الإخراجية لمهند الهادي تجاوزت الإخراج الكلاسيكي عبر تشكيلات بصرية متحركة ومكثفة الرمزية، وأداء يجسد حالات التوتر والصراع، مع اعتماد الديكور الدوار والإضاءة كأدوات لكشف المضمر وتعرية العلاقات بين الشخصيات، وبدا واضحاً أن العرض قدم على هيئة مشروع جماعي، قائم على شبكة علاقات إبداعية بين المخرج والممثلين.
اعتمد العرض على سينوغرافيا بسيطة ومؤثرة، الجزء الرئيسي فيها المنزل الدوار الذي يرمز إلى الصراع المتحول، مع إضاءة متعددة البقع تركز على الفعل الدرامي، ومؤثرات صوتية تضبط الإيقاع، كما لعبت الظلال والأبواب المتحركة دوراً في تفكيك ثنائية المعلن والمضمر، وقد نجح المخرج في توظيف السينوغرافيا لتحويل الخشبة إلى فضاء نقدي يحاكي الواقع ويعيد إنتاجه رمزياً.
على مستوى الأداء، فقد جاء أداء جماعياً متماسكاً، مزج بين الحوارات الكلاسيكية والانفجارات الثورية، خصوصاً في مشاهد تبادل الأدوار والهذيان خلال جلسة الدفاع عن الأب، ولعل اللافت كان تفوق الأداء النسائي، الذي حمل روحاً نضالية واضحة، كاشفاً الخيانة عبر تفاصيل دقيقة، فيما جسد الأداء الذكوري أشكال الاستيلاء والاستعلاء والسلط والصراع على النفوذ، ليغد بهذا العرض حواراً مع الجمهور، يتجاوز الفرجة إلى المشاركة الفكرية.
*أسطورة
واختتم اليوم الأول على مسرح الجمهورية بالعرض المصري «كارمن»، وهو اقتباس لأسطورة بروسبير ميريميه، قدّمته فرقة مسرح الطليعة بإخراج ناصر عبد المنعم، العمل الذي يعاد تقديمه في سياق مهرجاني عربي، حاملاً معه قراءة مصرية معاصرة للأسطورة.
الفكرة الأساسية للعرض تقوم على صراع الحرية والقدر، من خلال شخصية كارمن الغجرية المتمردة، التي تواجه مجتمعاً قائماً على النظام والقانون، وبسبب شخصيتها المتمردة تورط معها خوسيه الضابط الإسباني في سرد غير خطي يعتمد على «الفلاش باك» والدائرة الزمنية التي تبدأ من زنزانة خوسيه، ما منح العمل بعداً فلسفياً ورمزياً، فاتحاً الباب أمام تأويلات متعددة حول التمرد، والرغبة، والحب.
وفي رؤيته الإخراجية جمع المخرج ناصر عبد المنعم، بين الوفاء للنص الأصلي وترويضه في سياق عربي جديد، مستخدماً صوت الراوي وتعدد زوايا الرؤية، مع اعتماد العرض بشكل رئيسي على العمل الجماعي، والتناغم بين التمثيل والرقص، في رؤية بصرية فنية تفاعل معها الجمهور بشدة، محولاً المسرح إلى فضاء للثورة على القيود.
وجاءت السينوغرافيا قائمة على فضاءات متنوعة بين الحانة والمدينة والمعسكر، مع رموز مثل الأزياء الغجرية و«أوراق التاروت» والأزياء العسكرية، حيث جاءت مناسبة للسياق التاريخي والدرامي للعرض، ولعبت الإضاءة دوراً مهماً في تجسيد التوتر الدرامي ولحظات الكشف الداخلي للشخصيات، بينما أسهمت الموسيقى والاستعراضات في تحويل الرقص إلى لغة درامية تخدم المشاهد في نقلات فنية مدروسة بعناية، داخل الأداء الجماعي الذي كان متألقاً بحضور جسدي لافت للممثلين، مدعوماً بأداء نفسي عميق بمشاركة جماعية متجانسة.
وبهذا، رسم اليوم الأول من مهرجان المسرح العربي في دورته السادسة عشرة مشهداً افتتاحياً غنياً ومتنوعاً، كشف عن وحدة السؤال الإنساني رغم اختلاف الأساليب والرؤى، لتؤكد هذه العروض الثلاثة أن المسرح العربي لا يزال قادراً على مساءلة الواقع، وإعادة التفكير في الإنسان ومصيره، بلغة فنية تتجدد دون أن تفقد عمقها.