يحتدم النقاش في السنوات الأخيرة حول الكيفية التي تتكوّن بها الذاكرة الثقافية اليوم، لاسيما بعد أن أصبحت واقعة تحت ضغط مزدوج. فمن جهة، هي إرثٌ تشكّل من أثرٍ مخطوطٍ يمتدّ من ألواح الطين وجلود الرقّ إلى رفوف المكتبات القديمة، ومن جهة أخرى، تطوّقها تحوّلات التقنية الحديثة التي تغرس مخالبها في عمق ذاكرتنا الجماعية عبر الشاشات والسحابات الرقمية وخوارزميات الذكاء الاصطناعي، حتى بدت وكأنها تعيد تشكيل طرائق تذكرنا للماضي وتمثلنا للمستقبل.
بين هذين القطبين تتولد أسئلة ملحة حول من يمتلك حق سرد القصة الثقافية وكتابتها، وحول معنى الحفظ وحدود النسيان، في حاضر صار فيه «الأرشيف» نفسه مهدداً بالتحريف أو بالانقراض.
الإنسان ومنذ اللحظة التي بدأ فيها يحفر رموزه على جدران الكهوف والصخور، كان يسعى عملياً إلى تثبيت «ذاكرة ما» تتجاوز عمر الفرد وتصل إلى الجماعة والزمن، وتحول النقش الحجري إلى ألواح طينية في حضارات وادي الرافدين، ثم إلى البردي في مصر القديمة، ثم جاءت مرحلة اختراع الورق وتطور الكتابة، فظهرت المخطوطات الحامل الأكثر تأثيراً للذاكرة الثقافية في الحضارات الكلاسيكية والإسلامية وغيرها.
تأثير وانتشار
ارتبط مفهوم «الذاكرة الثقافية» في الدراسات المعاصرة باسم عالم المصريات وعالم الثقافة الألماني يان آسمن (Jan Assmann)، الذي قدم أحد أكثر التعريفات تأثيراً وانتشاراً في هذا الحقل، حيث يميز آسمن بين «الذاكرة التواصلية» وهي ذاكرة الحياة اليومية الممتدة عبر ثلاثة أو أربعة أجيال، وبين «الذاكرة الثقافية» التي تمتد لقرون، وتقوم على نصوص وطقوس وآثار ومؤسسات تحفظ أحداثاً مفصلية وتعيد استحضارها في الوعي الجمعي.
وفي مقاله الشهير «الذاكرة الجماعية والهوية الثقافية»، يشير آسمن إلى أن الذاكرة الثقافية تقوم على نقاط ثابتة أو «لحظات ذاكرية» يتم تثبيتها في ثقافة ما، عبر النصوص والطقوس والآثار والمؤسسات التي تتولى استدعاءها دورياً، هذه الذاكرة هي بنية من الرموز والسرديات التي تمنح الجماعة إحساساً بالاستمرارية والانتماء، وتربط الماضي بالحاضر عبر ما يسميه «ثقافة التذكر».
هذا التعريف ينسجم مع أدبيات أخرى في دراسات الذاكرة، والتي ترى أن الذاكرة الثقافية لا تختزل في مجموع الأرشيفات، بل تشمل أيضاً طرق سرد الماضي في الكتب المدرسية، والمتاحف، والأدب، والسينما، والطقوس العامة، ما يجعلها مجالاً للصراع والتفاوض والتأويل.
مرحلة المطبوع
تعتبر مرحلة اختراع الطباعة في أوروبا في القرن الخامس عشر، هي المرحلة التي انتقلت فيها «الذاكرة الثقافية» إلى طور جديد، لم يعد فيه النص محتكراً في مخطوطة وحيدة أو نسخ قليلة ونادرة، بل أمكن استنساخه وتوزيعه بأعداد أكبر، ما خلق مفهوم «الذاكرة المطبوعة»، والتي تشكلت من خلال الكتب والصحف والمجلات وسائر المطبوعات الحديثة، وهذا التحول غير علاقة المجتمعات بالنص وبالذاكرة، فأصبح الأرشيف الثقافي أكثر اتساعاً وانتظاماً، مع مركزية للورق كحامل رئيسي للنصوص.
وفي النصف الثاني من القرن العشرين، دخلت الصورة والصوت بقوة إلى عمق التذكر الجماعي، مع تصاعد في إنتاج الوسائط السمعية البصرية، ثم جاءت الثورة الرقمية في أواخر القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين لتنقل الذاكرة الثقافية إلى العالم الافتراضي، حيث أُنشئت أرشيفات رقمية للمخطوطات، وقواعد بيانات للنصوص، ومنصات لحفظ الصور والأفلام، وتطورت خدمات التخزين السحابي الذي حول «الأرشيف» إلى بيانات موزعة على خوادم عابرة للحدود.
قلق
الذاكرة الثقافية مع هذا التطور لم تعد حبيسة الرفوف أو المخازن المغلقة، لنجد أنه يمكن الوصول إلى مخطوطة من القرن الثالث الهجري عبر واجهة رقمية على شاشة الحاسوب أو الهاتف، أو مشاهدة فيلم وثائقي من منتصف القرن الماضي على منصة بث رقمية، بينما تتولى خوارزميات الذكاء الاصطناعي فهرسة هذه المواد واقتراحها للمستخدمين، وهنا بالضبط يبدأ «قلق التقنية»، لأن الوسيط لم يعد مجرد حامل محايد، بل هو طرف فاعل قد يشارك في اختيار ما يحفظ وما يهمش، وما يظهر في واجهة التذكر وما يغيب.
من هنا نجد تزايد الاهتمام بالذاكرة الثقافية في العقود الأخيرة، ومرجع ذلك لعدة أسباب متشابكة، من بينها تصاعد النقاش حول الهوية في ظل العولمة، وتوسع الدراسات الاجتماعية في مرحلة ما بعد الاستعمار، وتنامي الوعي بأهمية التراث المادي وغير المادي في حفظ خصوصية الشعوب، أضف إلى ذلك اتساع حركة الهجرة واللجوء، وتفكك بعض الدول والصراعات التي طالت المدن والآثار، لذا برز الاهتمام بالذاكرة الثقافية باعتبارها المخزون الأعمق للهوية.
في السياق نفسه، تنظر المؤسسات الثقافية الدولية مثل اليونسكو إلى التراث المادي وغير المادي، باعتباره جزءاً من الذاكرة الثقافية العالمية، وتسعى إلى حمايته من خلال التسجيل في قوائم التراث، والتوثيق الرقمي، وبرامج الحفظ والصيانة، تحسباً للحروب والكوارث الطبيعية والتهديدات التقنية الجديدة، ومع توسع مبادرات الرقمنة وأرشفة المخطوطات والأرشيفات الوطنية، غدت «الذاكرة الثقافية الرقمية» حقلاً قائماً بذاته في الدراسات، يناقش كيف تتحول الأصول الورقية والسمعية البصرية إلى بيانات يمكن تداولها عالمياً.
مفارقة
يطرح الحاضر الرقمي سؤالاً مهماً لدى المشتغلين في هذا المجال، هل نضيف اليوم شيئاً أصيلاً إلى الذاكرة الثقافية، أم أننا نغرقها في فائض من البيانات يصعب تمييز قيمته أو ضمان بقائه؟، إجابة هذا السؤال بحسب الدراسات الحديثة في مجال «الذاكرة الرقمية» تشير إلى مفارقة لافتة للانتباه، فمن جهة، لم يعرف التاريخ لحظة تم فيها حفظ هذا القدر من الصور والنصوص، ومن جهة أخرى، لم يكن خطر ضياع هذه المواد أو التلاعب بها بهذا الحجم من قبل.
على مستوى الإضافة، أسهمت الرقمنة في فتح الأرشيفات أمام جمهور أوسع، فمشروعات تصوير المخطوطات وإتاحتها عبر الإنترنت جعلت من الممكن لطلاب وباحثين في أقاصي العالم الاطلاع على مواد لم تكن ميسرة لهم قبل ذلك، كما أتاح الذكاء الاصطناعي عبر تقنيات مثل التعرف إلى النصوص اليدوية وتحليلها، قراءة مجموعات ضخمة من الوثائق التي كان يصعب التعامل معها يدوياً، وهذا يعني أن جزءاً كبيراً من الذاكرة المخطوطة يجد له اليوم حياة جديدة في العالم الرقمي، ويدخل في دورات جديدة من القراءة والتأويل.
وفي المقابل، يشير باحثون في دراسات الأرشيف والذكاء الاصطناعي، إلى أن هذه التقنيات ليست محايدة، وأنها تتحول تدريجياً إلى «أنظمة ذاكرة» بحد ذاتها، تحدد من خلال خوارزمياتها ما تحتفظ به وما يهمش، فوسائل التواصل الاجتماعي ومحركات البحث ومنصات البث، تقترح على المستخدم محتوى معيناً بناء على خوارزميات التوصية، ما يجعل بعض العناصر الثقافية أكثر حضوراً في الوعي العام، بينما تنزاح مواد أخرى إلى هوامش غير مرئية رغم وجودها في الأرشيف.

إلى جانب ذلك، يزداد القلق من هشاشة الحفظ الرقمي، فالتخزين السحابي يعتمد على بنية تحتية مادية (خوادم، شركات، بروتوكولات) يمكن أن تتعرض للأعطال أو الهجمات السيبرانية أو حتى الإفلاس التجاري. وقد حذرت دراسات متخصصة في التراث الرقمي من أن الأرشيفات المولودة رقمياً (مثل المواقع الإلكترونية والأعمال الفنية الرقمية ومواد التواصل الاجتماعي) مهددة بالاندثار إذا لم تخضع لسياسات حفظ صارمة، بسبب سرعة تغير الصيغ والتقنيات واعتمادها على منصات تجارية غير مضمونة.
إزاء هذا الواقع، يمكن القول: إننا نضيف بالفعل إلى الذاكرة الثقافية، لكن هذه الإضافة ملتبسة، فهي تتأرجح بين توسع غير مسبوق في التوثيق، وبين خطر التشويش الناتج عن التضخم المعلوماتي، والنسيان المبرمج الذي تفرضه الخوارزميات على ما لا يدخل في منطق السوق أو منطق الانتشار.
أداة مركزية
ينظر إلى الذكاء الاصطناعي اليوم باعتباره أداة مركزية في إدارة الأرشيفات والذاكرة الثقافية، خاصة في مؤسسات المكتبات، والأرشيفات، والمتاحف، حيث تستخدم هذه المؤسسات تقنيات التعلم الآلي في تنظيف البيانات، وإنشاء بيانات وصفية لمجموعات غير مفهرسة، وترجمة الوثائق، بل وفي إعادة بناء المواقع الأثرية افتراضياً. في هذا الجانب، يبدو الذكاء الاصطناعي امتداداً للأثر المخطوط، لأنه يساعد على قراءته وفهرسته وربطه بسياقات جديدة.
غير أن الدراسات النقدية تحذر من الوجه الآخر لهذه الأدوات، فالنماذج اللغوية وأنظمة التوصية تعمل وفق منطق الاحتمال والإحصاء، ما يعني أنها تعيد إنتاج الأنماط الأكثر شيوعاً في بيانات التدريب، وتُقصي المعلومات الهامشية واللغات الأقل حضوراً في الفضاء الرقمي.
لذا يبقى التحدي الأكبر في السؤال عن المتحكم في مفاتيح هذه الذاكرة، هل الدول، أم الشركات الرقمية الكبرى، أم المؤسسات الثقافية، أم المجتمعات المحلية التي بدأت تطور أرشيفاتها الذاتية ومبادراتها في «الأرشفة المجتمعية» لمواجهة النسيان أو الإقصاء، وفي هذا التقاطع، يتقرر مصير ذاكرتنا الثقافية، هل تكون فضاء مفتوحاً للتعدد والاختلاف، أم تتحول إلى نسخة مؤتمتة ومفلترة من الماضي، لا نرى منها إلا ما تسمح به الخوارزميات؟
ثبات واستمرارية
يُعدّ كتاب «الذاكرة الحضارية»، ليان آسمن، النص المؤسس لأحد أهم المفاهيم في دراسات الذاكرة المعاصرة، ويقدم فيه تصوراً لكيفية تشكل ذاكرة المجتمعات عبر الكتابة والرموز والمؤسسات، لا عبر التذكر الفردي العفوي فقط، ينطلق آسمن من تطوير فكرة الذاكرة الجمعية عند موريس هالبواش ليميز بين نمطين: «الذاكرة التواصلية» المرتبطة بتجارب ثلاثة أو أربعة أجيال حية، و«الذاكرة الثقافية/الحضارية» التي تمتد لقرون وتتجسد في نصوص مقدسة، وأساطير، وطقوس، وآثار، ومناهج تعليم، أي في كل ما تحفظه الثقافة ممنوحاً طابعاً من الثبات والاستمرارية.
ويوضح آسمن أن الذاكرة الثقافية هي بناء انتقائي ومؤسسي، تحدد من خلاله الجماعة ما تعتبره ماضيها الشرعي، وتستدعيه باستمرار لصياغة الهوية ولإضفاء الشرعية على أنظمتها السياسية والقيمية، فيركز على ما يسميه «النقاط الثابتة» أو «الشخصيات والأحداث المؤسسة» التي تتحول إلى مرجعيات رمزية يستعاد ذكرها في الأعياد والاحتفالات والطقوس والخطاب العام، بحيث يصبح التذكر نفسه ممارسة اجتماعية منظّمة لا فعلاً نفسياً فردياً، ومن هنا يربط آسمن بين الذاكرة والسلطة، لأن من يتحكم في وسائل التذكر (النصوص، التعليم، الطقوس، وسائل الإعلام القديمة والحديثة) يتحكم في تعريف الجماعة لنفسها ولماضيها.
تحتل الكتابة في الكتاب موقعاً محورياً، فالتحول من ثقافة الشفاهة إلى ثقافة الكتابة، ثم إلى تقاليد التدوين الواسع، هو في نظر آسمن الشرط التاريخي لظهور ذاكرة ثقافية طويلة الأمد، لأن النص المكتوب يسمح بتجاوز أفق الذاكرة الشفوية المحدودة زمنياً، وينشئ طبقة من المعنى يمكن الرجوع إليها وتأويلها عبر أجيال متعاقبة، لذلك يربط بين نظم الكتابة (كالكتابة المقدسة في مصر القديمة) وبين تشكل لاهوتات وسرديات سياسية كبرى تثبت صورة معينة للماضي وتؤطر علاقة المجتمع بالسلطة والإله والتاريخ، وهنا يحلل نماذج من حضارات قديمة ليوضح كيف استخدمت الكتابة والنقش والطقس لصناعة ذاكرة رسمية تميز بين «نحن» و«الآخر»، وتضع حدود الهوية الحضارية.
يقترح آسمن أن «الذاكرة التواصلية» تنشأ من التواصل اليومي وتظل مرتبطة بالحياة العادية وبالتجارب المباشرة للأفراد، بينما «الذاكرة الثقافية»، تصاغ عبر وسائط متخصصة (مؤسسات تعليمية، دولة، نخب مثقفة) وتقوم على تجميد أجزاء من الماضي في شكل نصوص وقوانين وأساطير متفق على أهميتها، هذا التفريق يسمح له بالقول إن هوية المجتمعات لا تفهم من خلال السرديات الفردية وحدها، بل من خلال هذا المخزون الحضاري البعيد الذي يعاد تفعيله في اللحظات المفصلية، مثل الثورات، وأزمات الشرعية، والتحولات الكبرى، لذلك يرى أن الذاكرة الثقافية هي امتداد للذاكرة الجمعية، ونمط نوعي آخر يتخذ بعداً حضارياً ومؤسسياً واضحاً.
