في هذا الحوار، نتوقف مع الباحث في ميدان التراث والمكتبات فهد المعمري، لنتحدث عن تحولات الذاكرة الثقافية، وعن مصير المخطوط العربي في زمن الذكاء الاصطناعي. من واقع خبرته في المصادر القديمة وبقراءته للتحولات المعرفية، ومعرفته الدقيقة بتاريخ الكتب والمخطوطات.
* بداية، كيف تنظرون إلى مفهوم الذاكرة الجمعية في علاقتها بالإنسان والتراث الثقافي؟
يمكن أن يكون كل ما يتراكم في وجدان الإنسان نوعاً من الذاكرة. هذه الذاكرة تتنوع بتنوع التجارب الإنسانية، حتى تكاد تبدو كأنها مخلوق متعدد الوجوه. قد تكون لحظات الذاكرة أشبه بحصان يركض بنا في مضمار الزمن، يقودنا إلى استحضار ما مضى من دون أن نشعر. لذا عندما نتحدث عن الذاكرة الجماعية، فإننا نعني تلك التي تتكون من تجارب أجيال متعاقبة تعبّر عن وعي مشترك، يجمع تفاصيل الحياة والفكر والعادات. وهناك أيضاً ذاكرة كبار السن، أو من شهدوا أحداثاً مفصلية في التاريخ، أولئك الذين ينقلون الحكايات بعفوية وصدق، لأنها محفورة في وجدانهم. حين يتحدث هؤلاء، فهم لا يستحضرون ذاكرتهم الفردية فقط، بل ذاكرة مجتمع كامل.
إننا نتحدث في النهاية عن فسيفساء من الذكريات، تلتقي فيها الذاكرة الشعبية بالتاريخية، لتكون نسيجاً معرفياً يعبر عن هوية الأمة.
حداثة
* هل تعتقد أن الزمن الحديث يهدد هذا النمط من الذاكرة؟
بعض ملامح الذاكرة الجمعية بدأت تبهت فعلاً، ربما بسبب تغير الإيقاع اليومي للحياة الحديثة. ومع ذلك، فهي لا تختفي، بل تعود في صورة حنين إنساني دائم. الحنين هو جوهر العلاقة بين الإنسان وذاكرته، لأنه لا يولد إلا بعد الفقد. الفقد هو الشرارة التي توقظ الحنين، فيعيد إلى وعينا ما غاب ويمنح ذاكرتنا حياة جديدة. وحين نتذكر البدايات، سواء في الحكايات البحرية القديمة لأهل الخليج، أو في قصص الغوص ومواسم اللؤلؤ، فنحن في الحقيقة نعيد تفعيل أعمق أشكال الذاكرة الثقافية. ولذلك فإن الذاكرة، مهما غابت صورها، أو تباعدت أزمنتها، تظل حية لأنها تستدعى عبر الرواية والفن والأدب، أي، عبر عملية مستمرة من إعادة إنتاج الماضي داخل الحاضر.
بهاء
* باعتباركم باحثاً في المخطوطات والمكتبات، كيف ترون الفرق بين كتابة الماضي وكتابتنا للمعرفة اليوم؟
لو أتيح لي أن أقرأ أحد المخطوطات القديمة وأتخيل كاتبه يكتب النص ذاته اليوم، أعتقد أن النص لن يحتفظ بتلك المعايير التي تميز بهاء الكتابة القديمة. المسألة ليست في قِدم النص، بل في منهجية التأليف والبحث. فالعقول في الماضي كانت تنتج المعرفة عبر جهد منهجي عميق، يعتمد على التأمل والمراجعة، لا على السرعة. خذ مثلاً كتاب القانون في الطب لابن سينا، والحاوي في الطب لأبي بكر الرازي، هذان العملان لم يكونا مجرد كتابين علميين، بل مشروعين حضاريين نضجا في سياق من الفكر المتراكم، والمنهج الصارم. لذلك صمد أثرهما قروناً، وبقي مرجعاً عالمياً حتى اليوم.
أما اليوم، فالميزان يميل إلى الكم لا إلى النوع، وإلى سرعة الإنجاز لا إلى عمق الفكرة. نكتب كثيراً، لكننا نؤسس قليلاً. في الماضي، كانت كل بداية تأسيساً، أما اليوم فمعظم ما نفعله هو نوع من الابتكار الجزئي، أو إعادة الرسم، لا التأسيس.
* ذكرت في بعض حديثك أن البدايات العلمية الكبرى صعبة لأنها تؤسس المسار، فهل من أمثلة توضح ذلك؟
نعم، البدايات أقسى مراحل التكوين المعرفي، لأنها تقيم الأساس الذي يبنى عليه اللاحقون.
انظر إلى علم الأنساب مثلاً: اليوم لدينا مئات المصنفات في هذا الموضوع، أما في بداياته فقد وضع ابن هشام والكلبي اللبنات الأولى التي صاغت منهجاً جعل العلم يستقيم. وعندما ألّف أبو الفرج الأصفهاني كتاب «الأغاني»، أراد مجرّد جمع مئة صوت من أجمل ما غني في زمن هارون الرشيد، لكنه سرعان ما حوّل الفكرة إلى موسوعة معرفية ضخمة تجمع التاريخ، والأدب، والموسيقى، وسير الأعلام. وهكذا تحول العمل الجزئي عنده إلى ذاكرة ثقافية جماعية تضم المعرفة العربية في تفاصيلها، اليومية والإنسانية. هذه النماذج القديمة كانت ناتجة عن عقل جمعي متدبر استطاع تحويل المبادرة الفردية إلى مشروع فكري للأمة كلها.
فردية
* من خلال بحثك في الكتب التراثية وأدب الكاتب وارتباطهما بالذاكرة الجمعية. كيف تفسر استمرار أثرهما حتى اليوم؟
هذه الكتب تجسد نموذجاً فريداً من نقل المعرفة بالذاكرة الشفوية. علم الأمالي، مثلاً، كان يقوم على الإملاء المباشر من العالم إلى تلاميذه. لم تكن هناك مراجع ثابتة، بل كانت الذاكرة الفردية هي الوعاء الذي تكتب منه النصوص الكبرى. ومن هذا العلم انبثقت كتب الجاحظ، وابن قتيبة، والمبرد، وأبي علي القالي، وغيرها من أعمدة الأدب العربي. تلك المؤلفات كانت نتاج تراكم ثقافي حافظ على نبرة الصوت الإنساني في المعرفة. وهنا يمكن أن نفهم كيف كانت الذاكرة الثقافية العربية قبل الطباعة ذاكرة شفهية حية، تعيد إنتاج نفسها جيلاً بعد جيل من خلال فعل الكتابة ذاته.
* في ضوء هذه الرؤية التاريخية، كيف تنظرون إلى التحولات المعرفية الحديثة وظهور الكتاب الرقمي؟
الحياة في جوهرها دائرة متكررة، ولذلك تتجدد أشكال المعرفة كما تتجدّد دورة الحياة نفسها.
منذ فجر التاريخ، رافقت الكتابة الإنسان في أشكال وتحولات متتابعة، من النقوش على جدران الكهوف، إلى الحجارة، والعظام، والرقاع، ثم إلى البردي، فإلى الورق، وصولاً إلى الوثيقة الرقمية في عصرنا. لكن جوهر الفعل المعرفي لم يتغير، كل ما تغير هو الوسيط لا الماهية. الإنسان يكتب ليحفظ روحه ويتواصل مع الوجود.
اليوم، مع دخولنا العالم الرقمي، تغيرت علاقتنا بالنصوص. صار الإنتاج أسرع وأغزر، لكن كثيراً منه يفتقر إلى روح البحث والعمق. فكتب السبعينيات والثمانينيات لا تزال تقرأ، لأنها خرجت من تجارب إنسانية أصيلة، بينما يغمرنا الآن سيل من المحتوى السريع، يبهت سريعاً أيضاً.
أخشى أن يغيب سؤال «الخلود» عن جلّ الكتابات الرقمية الحديثة، لأننا استبدلنا السرعة بالصبر، والوصول الفوري بالجهد. ومع ذلك، حين تدار التقنية بإيمان برسالتها، يمكن أن تتحول إلى امتداد للتراث لا إلى قطيعة معه، بحيث يصبح الكتاب الرقمي استمراراً للمخطوط القديم بروحه التفاعلية الجديدة.
بدايات
* ما تقييمكم لتجارب النشر الرقمي والكتاب الإلكتروني في العالم العربي مقارنة بالتجارب الآسيوية والغربية؟
التجارب العربية لا تزال في مرحلة البدايات. أغلب الكتب الرقمية المنتجة محلياً هي ملفات (PDF) جامدة، أقرب إلى نسخ مصوّرة من الكتب الورقية، لا تحقق خصوصية الوسيط الرقمي، ولا تتيح تفاعلاً معرفياً حقيقياً. بينما نرى في شرق آسيا وأوروبا، بل وحتى في أمريكا اللاتينية، مكتبات رقمية ذكية تبنى على الجمع بين النص، والصوت، والصورة التفاعلية، فتخلق تجربة قراءة حية تتجاوز الورق. القضية في جوهرها ليست تقنية فحسب، بل ثقافية، ونحن بحاجة إلى وعي يؤمن بأن التقنية يمكن أن تعيد للمعرفة العربية حضورها العالمي، إن أحسنّا توظيفها.
الكتاب الرقمي ليس عدواً للورقي، بل امتداد له، والذكاء الاصطناعي ليس خصماً للباحث، بل مرآة لمستواه المعرفي. وحين نرفع وعي الباحثين والأكاديميين بالمناهج النقدية، يمكن للتقنيات أن تصبح أداة فعالة في إحياء المخطوطات، وتوسيع حضور التراث العربي عالمياً.
أدوار
* بالحديث عن الذكاء الاصطناعي، ما تقييمكم لحضوره في مشهد البحث العلمي والثقافي؟
الذكاء الاصطناعي اليوم يؤدي دوراً واسعاً يتتجاوز أداته التقليدية القديمة. في الماضي كان الباحث يكتب كلمة مفتاحية للحصول على فهرس بالمواضع، أما الآن، فإن الأنظمة الحديثة تحلل النصوص وتستنبط العلاقات المنطقية بينها. ومع ذلك، يبقى الذكاء الاصطناعي محدوداً في فهم التراث، لأنه لا يدرك الخلفيات، الرمزية أو الثقافية، ما لم يوجّه بعقل بشري.
فإن جئنا بعشرين مخطوطة مجهولة، ولم ندخلها في نظام معرفي نقدي، فلن يستطيع الذكاء الاصطناعي قراءتها، أو استنتاج قيمتها الحقيقية. هو يجمع، لكنه لا يميز، ويحلل، لكنه لا «يفهم» كما يفهم الإنسان. من هنا أقول دائماً إن الذكاء الاصطناعي يعكس وعي المستخدم لا أكثر، فإذا كان الباحث عميقاً، أنتج له النظام نتائج عميقة، وإن كان سطحياً، أنتج سطحية. هذا التفاعل يذكّرنا بأن التقنية ليست عقلاً بديلاً، بل أداة تضخم قدرات العقل البشري نفسه. لذلك يجب أن نربّي الأجيال على استخدام هذه الأدوات بمناهج نقدية، لا على الاتكال الكامل عليها.
معرفة مشوهة
* إذن، كيف يمكن التوفيق بين الذاكرة الإنسانية والذاكرة التقنية في حفظ التراث؟
الدمج بين الذاكرتين ممكن وضروري. فالذاكرة التقنية تسهل الوصول إلى المعلومات وتخزينها، لكن الذاكرة الإنسانية وحدها تمنحها المعنى والروح. حين تصوّر المخطوطات وتحول إلى بيانات رقمية، فإنها لا تكتسب قيمتها إلا عبر تفسير الباحث الذي يقرأ ما وراء النص، نفس الزمن، وصوت اليد التي كتبت، والدلالة التي أرادها المؤلف. التقنية هنا لا تلغي الإنسان، بل تحتاج إليه. وكل محاولة لفصلها عنه ستؤدي إلى معرفة مشوهة. فالذكاء الاصطناعي – مهما بلغ – لا يمكنه أن يحس بالحنين، ولا أن يستشعر الفقد الذي يصنع الذاكرة. إنه لا يعرف كيف يستدعي التجربة الإنسانية بوصفها شعوراً ووجداناً، لذلك يبقى دوره مساعداً لا مهيمناً.