عندما بدأت أصوات قادة أوروبيين، على رأسهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، تدعو إلى «الاستقلال الاستراتيجي»، كان ذلك إعلاناً صريحاً بأن القارة الأوروبية فقدت استقلالها بعدما ظلت رهينة للاعتماد المفرط على الولايات المتحدة في كل مجال من مجالات الحياة الأوروبية، لا سيّما في الدفاع والاقتصاد والتكنولوجيا، ثم وجدت نفسها فجأة قد تخلى «الوصي» الأمريكي عنها، ولم يعد الضامن الأمني الموثوق لها، وبالتالي لا بد لها من البحث عن هوية أوروبية خالصة تستطيع من خلالها تعريف نفسها قوةً مستقلةً قادرةً على أن تدير شؤونها وأزماتها بنفسها، وأن يكون لها دور أكبر في الشؤون الدولية، إذ لا يمكن لأي تكتل أو دولة أن تؤدي هذا الدور، إذا كانت سياستها خاضعة إلى تأثير واشنطن، خاصة في حال افتراق أو تناقض المصالح.
تدرك معظم الدول الأوروبية أن هناك تحولاً في سياسة واشنطن تجاه أمن القارة، وعلاقاتها مع دولها، ومع العالم، وقد مثلت «وثيقة ترامب» استدارة مهمة في هذا الاتجاه، حيث تحثّ الأوروبيين على الدفاع عن أنفسهم، ما يعني رفع المظلة الأمنية عنهم، إضافة إلى توجيه انتقادات حادة لسياسة الهجرة الأوروبية والممارسات الديمقراطية والحريات السياسية، وكلها قضايا دعت أوروبا لاختيار مسار شائك في الوصول إلى هدف «الاستقلال الاستراتيجي» بعد عقود من الاعتماد المطلق على الولايات المتحدة.
«الاستقلال الاستراتيجي» يعني القدرة على تحديد الأولويات، واتخاذ القرارات في مسائل السياسة الخارجية والاقتصاد والأمن، إلى جانب امتلاك الموارد المؤسسية والسياسية والمادية اللازمة لتنفيذها، سواء بشكل منفرد أو بالتعاون مع أطراف أخرى، بشرط أن يحقق ذلك المصلحة الوطنية الخالصة، وبإرادة حرة، ذلك أنَّ «الاستقلال الاستراتيجي» والسيادة أمران متلازمان.
لكن «الاستقلال الاستراتيجي» لا يعني العزلة والانكفاء ولا رفض التحالفات والشراكات، إنما العمل المشترك والتعاون في إطار القيم والمبادئ التي تصون الاستقلال والسيادة، وتحقق المصلحة الوطنية.
وعندما يؤكد الدكتور أنور بن محمد قرقاش، المستشار السياسي لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، أن «الاستقرار الاستراتيجي يظل خيار الإمارات الثابت الذي لا حياد عنه، وبوصلتنا المصلحة الوطنية، واستقرار المنطقة وازدهارها»، وأن «السرديات المعلبة التي يروّج لها البعض بطبيعتها واهية، وأما الحملات الإعلامية فهي عابرة، وتنعكس سلباً على مروجيها، والأزمات تحرر القرار ولا تقيده»، فإنه بذلك يرسم خطاً واضحاً في سياسة الإمارات على أنها تاريخياً تقوم على «الاستقلال الاستراتيجي»، وهي ثابتة، راسخة، أكدتها في كل المجالات والميادين، واتخذتها بإرادة حرة لا تمثل إلا الإمارات وشعبها ومصالحها الوطنية التي تعلو على كل مصلحة أخرى. وهي في هذا المعنى كانت سبّاقة في الالتزام ب«الاستقلال الاستراتيجي» قبل دول عديدة، من بينها حتى الدول الأوروبية التي لا تزال تبحث عن استقلالها.
ولأن هذه هي الإمارات، فليس غريباً أن تتعرض للسهام المسمومة التي تنطلق نحوها من أكثر من اتجاه، إضافة إلى حملات مسعورة تصدر عن جهلة أو مجموعات ضالة في محاولة للنيل منها، لكن كما يقال «تتكسر النصال على النصال» لأنها تبقى واقفة كالطود الشامخ لا تهزها رياح السموم، فهي مؤمنة بنفسها وبقيادتها وشعبها، وتتخذ قرارها الحر المستقل.
الإمارات و«الاستقلال الاستراتيجي»
16 يناير 2026 01:00 صباحًا
|
آخر تحديث:
16 يناير 01:00 2026
شارك