د.أيمن سمير
يقول نابليون بونابرت «الحراب تُمكّن من السلطة، لكن لا يمكن الجلوس عليها»، وهذا بالضبط ما يخشاه معارضو عملية «العزم المطلق» التي تمت يوم 3 يناير الجاري، وجرى خلالها القبض على الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادور، وزوجته سيليا فلوريس.
سيناريو اعتقال الرئيس الفنزويلي من دون سقوط قطرة دماء أمريكية واحدة، يشكل في نظر الكثيرين من مخططي السياسة الأمريكية السابقين - ومنهم مايك بومبيو وزير خارجية ترامب في الولاية الأولى - مشهداً واحداً في مسلسل لم تكتب نهايته بعد، ولا يمكن اعتبار القبض على مادورو نهاية القصة بين واشنطن وكاراكاس.
المخاوف من دخول الولايات المتحدة إلى المستنقع الفنزويلي، الذي تزيد مساحته على مساحة العراق مرتين، والذي يمكن أن يتحول إلى مستنقع أوسع في كل دول الكاريبي وأمريكا اللاتينية، يؤرق كل الذين ما زالوا يتذكرون «النشوة الأمريكية» في بداية التدخل في فيتنام، والعراق، وأفغانستان، لكن النهاية كانت كارثية على كل المستويات، السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، ويعمق من هذه المخاوف أن الولايات المتحدة بدأت تتورط، تدريجياً، في فنزويلا، فبعد محاولة وقف تهريب السفن التي تحمل مخدرات، ثم الحصار البحري لفنزويلا، باتت الولايات المتحدة منخرطة في كل ما يتعلق بفنزويلا من دون أيّ نتيجة على الأرض، حيث نظام مادورو هو الذي يحكم بأيديولوجيته الاشتراكية التي تعادي الولايات المتحدة، والميليشيات المسلحة لا تزال تحتفظ بأسلحتها، وتنتشر في كل مكان، انتظاراً للخطوة القادمة بدخول القوات الأمريكية إلى الأرض، والمعارضة الفنزويلية منقسمة على ذاتها، ولم تستطع أن تقدم دليلاً واحداً على قوتها، ووجودها في الشارع، كل ذلك يطرح جملة من الأسئلة، منها: هل تتحول فنزويلا إلى مستنقع جديد للولايات المتحدة على غرار فيتنام، وأفغانستان، والعراق؟ وما هي التحديات الجسيمة التي تقف أمام تحقيق الأهداف التي يتحدث عنها الرئيس ترامب ليل نهار؟ وهل ما جرى في فنزويلا يمكن تكراره في دول أخرى في المنطقة، مثل كوبا، وكولومبيا، ونيكاراجوا؟

10 تحديات
لا يمكن اختصار القصة الفنزويلية في كلمات المدح والإشادة التي أطلقها الرئيس ترامب على العملية العسكرية التي نفذتها بنجاح كامل 150 طائرة حربية، انطلقت من 25 منطقة، وقاعدة، وجزيرة، في الكاريبي، خلال ساعتين فقط، فالملفات المفتوحة كثيرة، والتحديات على الأرض لا يمكن وصفها، وحصول ترامب على 50 مليون برميل من النفط لا يعني أن النخبة الحاكمة في كاراكاس سوف تنفذ كل شروط سيد البيت الأبيض، وهذه التحديات التي يمكن أن تحول فنزويلاً إلى مستنقع هي:
أولاً: الميليشيات البوليفارية
على الرغم من فارق القوة بين الولايات المتحدة والجيش الفنزويلي، ووصف عملية «الحزم المطلق» بأنها من «العمليات الجراحية» الدقيقة، إلا أن الحقائق التي تكشفت عن العملية تقول إن القوات الأمريكية لم تخض معركة حقيقية مع القوات والجيش الفنزويلي، والميليشيات الشعبية والمسلحة «الرديفة»، والتي يطلق عليها «القوات البوليفارية»، والتي تقول حكومة كاراكاس أن عددها يصل إلى نحو 7 ملايين عنصر، بينما تقديرات أخرى تقول إنهم نحو 900 ألف مقاتل فقط، وهي عناصر يساريه مدنية تدين بالولاء الشديد للنظام، وتلقت تدريبات عسكرية خفيفة، وقال عنهم الرئيس مادورو قبل الاعتقال إنهم جاهزون لأيّ معركة مع القوات الأمريكية، لو قررت واشنطن في أيّ وقت التدخل البري في فنزويلا، ومنذ القبض على الرئيس مادورو تم استدعاء هذه الميليشيات، وتتلقى تدريبات يومية، كما أنها باتت تنتشر وسط المدن والسكان لمنع المعارضة من قيادة أيّ تظاهرات ضد نظام مادورو، بقيادة ديلسي رودريجيز، التي أصبحت رئيسة بالإنابة منذ 5 يناير الجاري.

ثانياً: قوات الكوليكتيفوس
وهناك أيضاً «قوات الكوليكتيفوس»، وهي جماعات شبه عسكرية موالية للحكومة، وتعمل منذ أيام الرئيس السابق هوجو شافيز «كقوة تنفيذية غير رسمية» للحكومة، ولعبت «قوات الكوليكتيفوس» دوراً كبيراً في منع سقوط النظام بعد اعتقال مادورو، لأنها تخيف المعارضة، وتقوم بدوريات في الشوارع، بخاصة في العاصمة كاراكاس، وفي الأحياء الفقيرة، حيث تقيم نقاط تفتيش لاستجواب الناس، وتفتيش هواتفهم، وغالباً ما تتصرف بالتنسيق مع الشرطة والحرس الوطني، وتتهم الولايات المتحدة مجموعات «الكوليكتيفوس» بتهريب المخدرات إلى الأراضي الأمريكية
ثالثاً: الميجا- بانداس
وهي عصابات منظمة ومسلحة تسليحاً ثقيلاً، وتشارك، بشكل متزايد، في تهريب المخدرات، والابتزاز، والخطف، وقد ازدهرت هذه الجماعات في المناطق التي يطلق عليها «مناطق السلام» التي أنشأتها الحكومة، ولا تدخل الشرطة إليها، وإضافة إلى كل ذلك هناك ميليشيات أخرى مسلحة مثل «جيش التحرير الوطني»، و«القوات المسلحة الثورية الكولومبية» التي تعمل على الحدود بين فنزويلا وكولومبيا، وهي مجموعات يجري تمويلها من تدفقات الكوكايين، والتعدين غير القانوني، إضافة إلى «كارتل الشمس» التي اتهمها الرئيس ترامب بالضلوع المباشر في تهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وهي شبكة يقول البيت الأبيض إنها تتشكل من خلايا داخل القوات المسلحة الفنزويلية نفسها، وإن «كارتل الشمس» مرتبطة بشكل كامل مع النظام الحالي، وفق وصف الخارجية الأمريكية، وهذه الكارتلات لا يمكن أن تتسامح أو تتعاون مع أيّ غزو، أو تواجد للقوات الأمريكية، ويمكن لهذه الميليشيات أن تغتال بسهولة أيّ أمريكي يصل إلى فنزويلا، سواء للعمل في قطاع النفط، أو أي قطاعات مدنية أخرى، ما يجعل فكرة إعادة افتتاح السفارة الأمريكية في كاراكاس تحدّياً أمنياً كبيراً.

رابعاً: حرب عصابات
نظراً لأن مساحة فنزويلا شاسعة، وتزيد على 912 ألف كلم، أي أكثر من مساحة العراق وألمانيا معاً، ويصل تعداد سكانها إلى 28.6 مليون نسمة، وتوجد فيها غابات، فإنها تحتاج إلى نحو 100 ألف جندي أمريكي لغزو فنزويلا، وإسقاط نظامها، بينما يحتاج الجيش الأمريكي إلى نحو 150 ألف عنصر لاحتلال فنزويلا في حال عدم تعاون نظام مادورو بالكامل، مع الرئيس ترامب، وهو سيناريو لا يختلف عما جرى في العراق وأفغانستان، وقبلهما فيتنام، ونشر الجنود الأمريكيين على الأراضي الفنزويلية سوف يكون البداية لنشوب «حرب عصابات» ضد القوات الأمريكية
خامساً: 2000 ضابط
في عام 2019 انشق عن جيش مادورو نحو 2000 ضابط، وأغلب هؤلاء ذهبوا إلى كولومبيا المجاورة، ويسعى هؤلاء في الوقت الراهن إلى العودة إلى البلاد بعد تشكيل «قيادة عسكرية عليا بديلة للجيش الفنزويلي، وهو سيناريو يتشابه مع سيناريو حل الولايات المتحدة للجيش العراقي عام 2003، وتراهن الولايات المتحدة على هؤلاء الضباط ليكونوا نواة للجيش الجديد، لكن هناك عداء شديد بين هؤلاء الضباط وقادة الجيش الفنزويلي الحالي، وعودة هؤلاء في ظل بقاء القيادة العسكرية الحالية في فنزويلا يعني الدخول في حرب أهلية طاحنة، خصوصاً في ظل انتشار السلاح، وباقي الميليشيات، والمجاميع المسلحة

سادساً: الأنظمة الأيديولوجية
هناك حقيقة أساسية في استراتيجيات الثورات وسقوط وتغيير الأنظمة السياسية تقول إن سقوط الأنظمة ذات «الصبغة الأيديولوجية» يكون أصعب من غيرها، وهذا يتطابق مع فنزويلا التي لديها نظام اشتراكي يساري، شديد العداء للولايات المتحدة، خصوصاً مع الجمهوريين بقيادة الرئيس دونالد ترامب، ورغم كل ما يقال عن نجاح العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا، يوم 3 يناير الجاري، إلا أن النظام الفنزويلي لم يسقط، ولا يزال يسيطر على كل مفاصل الدولة، فلم يحدث تمرّد على الرئيس مادورو، على الرغم من القبض عليه، ولم تقع انشقاقات كبيرة في النظام الحاكم، وفي ظل هذا الواقع لا تستطيع الولايات المتحدة أن تفرض شروطها على المدى البعيد، خصوصاً أن الشخصيات المؤثرة في النظام السياسي الفنزويلي لها مشكلاتها الخاصة مع الولايات المتحدة، فعلى سبيل المثال، وزير الداخلية ديوسدادو كابيلو، تتهمه الولايات المتحدة بالضلوع في تجارة المخدرات، على الرغم من أنه شخصية محورية في النظام الفنزويلي الذي يطلق عليه «الشافيستا»، ولا يمكن أن تلتقي أهداف كابيلو مع الأهداف الأمريكية، ونفس الأمر مع وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز، ولعب لوبيز دوراً حاسماً في عدم سقوط النظام بعد القبض على مادورو، حيث دعم بسرعة تعيين، ديلسي رودريجز محل الرئيس بشكل سريع، وهو ما حافظ على أعمدة النظام وبقائه حيث كانت تراهن الولايات المتحدة على أن الصدمة التي تحققت باعتقال مادورو يمكن أن تؤدي الى فوضى عارمة وانهيار النظام في الحال، كما أن رئيس البرلمان خورخي رودريجيز هو شقيق الرئيسة ديلسي رودريجيز، بما يعني استحالة أن تصدر مواقف من الهيئة التشريعية والبرلمان تشكك في النظام السياسي الحالي، وكلها تحديات تحول دون السيطرة الأمريكية الكاملة على فنزويلا، وتؤكد أن كل سيناريوهات الفوضى مفتوحه في الأيام، والأسابيع المقبلة في أكبر دولة نفطية في العالم، والتي تحتفط باحتياطي نفطي يزيد على 305 مليارات برميل من النفط

سابعاً: تفكك المعارضة
ثبت للولايات المتحدة أنها استثمرت وراهنت على شخصيات معارضة ليس لها وزن كبير في الشارع الفنزويلي، ففي ولاية ترامب الأولى حشد البيت الأبيض لمصلحة مرشح الرئاسة وقتها «خوان جوايدو»، وعلى الرغم من ذلك يعيش الآن جوايدو في ميامي، بولاية فلوريدا، بعد تلاشي تأثيرة في المعارضة، ويتطابق هذا الأمر مع ماريا كورينا ماتشادو التي حصلت على جائزة نوبل، العام الماضي، ورفض الرئيس ترامب أن يسميها زعيمة للمعارضة، بل شكّك فيها علانية عندما قال إنها لا تحظى بالاحترام في بلادها، أما إدموندو جونزاليس الذي قالت المعارضة إنه فاز في الانتخابات الرئاسية لعام 2024، فلا يستطيع أن يقود تظاهرات لإسقاط نظام مادورو من الداخل، ما دفع المخابرات الأمريكية لتقديم إفادة للرئيس ترامب بأن النظام الفنزويلي غير آيل للسقوط، كما أن المعارضة غير جاهزة للحكم، بعد عجز المعارضة عن تسجيل أيّ تحرك ضد نظام مادورو، بما فيه عجزها عن تنظيم تظاهرات في الشارع تطالب بإسقاط نظام مادورو.
ثامناً: المصالح والمبادئ
دائما ما كانت الولايات المتحدة تغلف أهدافها السياسية والعسكرية بمبادئ مثل نشر الديمقراطية والحرية، ونجحت هذه الاستراتيجية مع اليابان وألمانيا، وفشلت مع فيتنام، والعراق، وأفغانستان، لكن البيت الأبيض، وتحديداً الرئيس ترامب، تحدث عن فنزويلا بوضوح كامل «ومن دون مساحيق»، عندما غابت لغة المبادئ، بينما اقتصر الخطاب الأمريكي على كيفية الحصول على النفط، وإعادة فتح السفارة الأمريكية، لكن الأخطر أنه منذ يوم 3 يناير لم يعلن البيت الأبيض عن «استراتيجية متكاملة» للتعامل مع فنزويلا في اليوم التالي لاعتقال مادورو، وعلى الرغم من أن الدستور الفنزويلي وضع إطاراً سياسياً حال غياب الرئيس، بإجراء انتخابات رئاسية خلال 30 يوماً، فلا يوجد أيّ مجال لتطبيق هذا الأمر في ظل انشغال الولايات المتحدة بالحديث عن نفط فنزويلا فقط، ما يقول إن الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريجيز سوف تبقى في الحكم إلى ما بعد نهاية ال30 يوماً التي نص عليها الدستور

تاسعاً: البيئة العدائية
النظر في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة يكتشف أنها بيئة عدائية للسياسات الأمريكية، فالأمر لا يقتصر على كوبا وكولومبيا، بل هناك دول كثيرة تعارض سياسات الولايات المتحدة، مثل المكسيك، والبرازيل، ونيكاراجوا، وتشيلي، وأورجواي، إضافة إلى نحو 18 دولة أعضاء في برنامج «بترو كاريبي»، والذين كانوا يحصلون على النفط الفنزويلي بأسعار تفضيلية، وكل هذه الدول فيها أحزاب اشتراكية ويسارية قوية للغاية، تقوم في الوقت الحالي بالتعبئة السلبية ضد الولايات المتحدةعاشراً: روسيا والصين
سيطرة الولايات المتحدة على فنزويلا يعني خسارة روسيا مليارات الدولارات التي كانت تستثمرها في قطاع النفط، لا سيما من خلال شركة «روسزاروبجنفت» التي تعمل بالتعاون مع الشركة الوطنية الفنزويلية، وتم تمديد اتفاقيات المشاريع المشتركة بين موسكو وكاراكاس لتطوير حقول نفط مثل «بوكيرون»، و«بيريجا» لمدة 15 عاماً إضافية حتى عام 2041، باستثمارات تقدر بنحو 616 مليون دولار، كما أن تغيير النظام الفنزويلي يعني ضياع كل القروض التي قدمتها موسكو لكاراكاس في عهد هوجو شافيز، ونيكولاس مادورو، كما كانت فنزويلا سوقاً للأسلحة الروسية، خصوصاً منظومة الدفاع الصاروخية «إس 300»، وسياسياً، فإن تغيير النظام يعني خسارة موسكو شريكاً استراتيجياً بعد توقيع البلدين عام 2025 على اتفاقية «الشراكة الاستراتيجية»، أما الصين فهي أكبر شريك تجاري لفنزويلا، وتشتري أغلبية صادرات فنزويلا من النفط، وتشكل مشتريات الصين من النفط الفنزويلي نحو 4% من وارداتها، وتستخدم الشركات الخاصة الصينية النفط الفنزويلي الثقيل في تعبيد الطرق في ظل التوسع الصيني الكبير في بناء وشقّ الطرق، طوال العقدين الماضيينالمؤكد أن ما جرى يوم 3 يناير الجاري من اعتقال للرئيس الفنزويلي، وزوجته، هو بداية فصل جديد في العلاقات الأمريكية مع فنزويلا، فقد تكون هذه البداية مقدمة لعلاقات تحالف طويل المدى، كما جرى للعلاقات الأمريكية مع اليابان وألمانيا عقب الحرب العالمية الثانية، وقد تكون هذه البداية عنواناً لفشل، أو مستنقعاً جديداً للولايات المتحدة، على غرار ما جرى في فيتنام، والعراق، وأفغانستان.