في زمن العمل الهجين والعمل عن بُعد، لم يعد السؤال الحقيقي هو أين نعمل؟ بل كيف نفهم العمل نفسه، وكيف نقرأ علاقتنا بالمكان الذي نؤديه فيه. لقد منحتنا المرونة التي نعيشها اليوم مكسباً مهماً، أعادت ترتيب التوازن بين حياتنا المهنية والشخصية، ووسّعت مساحة الاختيار أمام الموظف. غير أن هذه المساحة، على اتساعها، كشفت مفارقة لافتة، بعض ما صار متاحاً للجميع بدأ يفقد قيمته في وعينا اليومي، لا لأنه أقل أهمية، بل لأننا اعتدنا عليه.
لم يعد هناك خلاف حول إمكانية إنجاز العمل من أي مكان، لكن الخلاف الحقيقي يدور حول ما الذي نخسره عندما نغيب عن المكان نفسه. فبين شاشة تؤدي المهمة، ومكان يصنع التجربة مسافة لا تُقاس بالوقت ولا بالإنتاجية فقط، بل بما يتكوّن من معنى وتفاعل وفهم أعمق لما نقوم به ولماذا نقوم به.
لو كان الذهاب إلى المكتب امتيازاً نادراً، أو فرصة لا تتاح إلا لقلة، لتحوّل الحضور إلى رغبة تُنتظر، لا إلى قرار يُجادَل فيه ولكان التواجد هدفاً، لا التزاماً، ولكان الاحتكاك المباشر مع الزملاء والخبراء والقادة، والمشاركة في النقاشات، والجلوس في بيئة عمل حيّة، أموراً يُتاق إليها بدلاً من تأجيلها.
في المكتب، لا ينجز الموظف مهامه فقط، بل يبني فهماً أعمق لثقافة المؤسسة، لإيقاعها، ولطريقة تفكيرها واتخاذ القرار فيها، هناك تتكوّن العلاقات المهنية بشكل طبيعي، وتُختصر المسافات بين الإدارات، وتولد الأفكار في لحظات عفوية لم تكن مدرجة في جدول أعمال.
الحضور الحي يعزز التواصل، ويرفع جودة الإنجاز، خاصة في الجهات التي يعتمد عملها على التعاون بين فرق متعددة.
ومع توسّع تطبيق سياسات العمل المرن، بدأ بعض الموظفين ينظرون إلى الحضور على أنه عبء غير ضروري، دون الانتباه إلى أن طلب الحضور في أوقات محددة لا يعني التضييق.
العمل المرن، بلا شك، خيار ذكي وضروري، لكنه وحده لا يصنع الانتماء، ولا يولّد تلك الكيمياء الإنسانية التي لا تتشكل إلا عبر التشارك والنقاش والتواجد عن قرب في المكان ذاته.
حين يُفهم الحضور في سياقه الصحيح، ويتحوّل من عادة إلى وعي، يصبح فرصة لا التزاماً، وقيمة لا روتيناً. 
وهكذا هي حياتنا اليومية، تتغير قيمة الأشياء لا لأنها تغيّرت، بل لأن وعينا بها تغيّر. الخبز مثال بسيط، فما كان يوماً رمزاً للرفاهية تحوّل مع الزمن فأصبح الخبز الأسمر الكامل أعلى قيمة من الخبز الأبيض الذي كان مفضلاً في السابق.. لم تتغير حقيقة الخبز، بل تغيّر فهمنا لما يمنحه.

[email protected]