الخليج ،صحيفة يومية تصدر عن دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر بمدينة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، أنشئت عام 1970 على يد الشقيقين المرحومين تريم عمران تريم وعبدالله عمران تريم | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
أسماء الجناحي
كاتبة
أحدث مقالات أسماء الجناحي
19 يناير 2026
ما لا تصنعه الشاشات

في زمن العمل الهجين والعمل عن بُعد، لم يعد السؤال الحقيقي هو أين نعمل؟ بل كيف نفهم العمل نفسه، وكيف نقرأ علاقتنا بالمكان الذي نؤديه فيه. لقد منحتنا المرونة التي نعيشها اليوم مكسباً مهماً، أعادت ترتيب التوازن بين حياتنا المهنية والشخصية، ووسّعت مساحة الاختيار أمام الموظف. غير أن هذه المساحة، على اتساعها، كشفت مفارقة لافتة، بعض ما صار متاحاً للجميع بدأ يفقد قيمته في وعينا اليومي، لا لأنه أقل أهمية، بل لأننا اعتدنا عليه.
لم يعد هناك خلاف حول إمكانية إنجاز العمل من أي مكان، لكن الخلاف الحقيقي يدور حول ما الذي نخسره عندما نغيب عن المكان نفسه. فبين شاشة تؤدي المهمة، ومكان يصنع التجربة مسافة لا تُقاس بالوقت ولا بالإنتاجية فقط، بل بما يتكوّن من معنى وتفاعل وفهم أعمق لما نقوم به ولماذا نقوم به.
لو كان الذهاب إلى المكتب امتيازاً نادراً، أو فرصة لا تتاح إلا لقلة، لتحوّل الحضور إلى رغبة تُنتظر، لا إلى قرار يُجادَل فيه ولكان التواجد هدفاً، لا التزاماً، ولكان الاحتكاك المباشر مع الزملاء والخبراء والقادة، والمشاركة في النقاشات، والجلوس في بيئة عمل حيّة، أموراً يُتاق إليها بدلاً من تأجيلها.
في المكتب، لا ينجز الموظف مهامه فقط، بل يبني فهماً أعمق لثقافة المؤسسة، لإيقاعها، ولطريقة تفكيرها واتخاذ القرار فيها، هناك تتكوّن العلاقات المهنية بشكل طبيعي، وتُختصر المسافات بين الإدارات، وتولد الأفكار في لحظات عفوية لم تكن مدرجة في جدول أعمال.
الحضور الحي يعزز التواصل، ويرفع جودة الإنجاز، خاصة في الجهات التي يعتمد عملها على التعاون بين فرق متعددة.
ومع توسّع تطبيق سياسات العمل المرن، بدأ بعض الموظفين ينظرون إلى الحضور على أنه عبء غير ضروري، دون الانتباه إلى أن طلب الحضور في أوقات محددة لا يعني التضييق.
العمل المرن، بلا شك، خيار ذكي وضروري، لكنه وحده لا يصنع الانتماء، ولا يولّد تلك الكيمياء الإنسانية التي لا تتشكل إلا عبر التشارك والنقاش والتواجد عن قرب في المكان ذاته.
حين يُفهم الحضور في سياقه الصحيح، ويتحوّل من عادة إلى وعي، يصبح فرصة لا التزاماً، وقيمة لا روتيناً. 
وهكذا هي حياتنا اليومية، تتغير قيمة الأشياء لا لأنها تغيّرت، بل لأن وعينا بها تغيّر. الخبز مثال بسيط، فما كان يوماً رمزاً للرفاهية تحوّل مع الزمن فأصبح الخبز الأسمر الكامل أعلى قيمة من الخبز الأبيض الذي كان مفضلاً في السابق.. لم تتغير حقيقة الخبز، بل تغيّر فهمنا لما يمنحه.

[email protected]

10 أغسطس 2025
حين لا نتفق على المعنى

في عالم تموج فيه المصطلحات والشعارات، كثيراً ما تنزلق المعاني من أيدي أصحابها، فتستقر في قوالب مشوَّهة، تبتعد شيئاً فشيئاً عن جوهرها الأول، ففي علاقاتنا اليومية، نتحدث كثيراً، نستخدم العبارات نفسها، ونظن أننا نفهم بعضنا. نقول: «أنا أحبك»، «أنا مشغول»، «ليس لديّ وقت». لكنّ المعاني التي نضمرها خلف هذه الكلمات تختلف من شخص إلى آخر. ما يبدو واضحاً على السطح، يُخفي تحته رواسبَ من تجاربَ شخصيةٍ وتربويةٍ وبيئيةٍ وحتى ندوبٍ عاطفية قديمة.
فالخلاف لا يبدأ بالصوت المرتفع، بل باختلاف المعنى. كلمة «الحب»، مثلاً، قد تعني لأحدهم الالتزام والاحتواء، بينما تعني لآخر الشغف المؤقت أو الغيرة المفرطة. «الاحترام» عند بعضهم هو الحفاظ على الخصوصية، وعند آخرين هو المشاركة في كل التفاصيل. و«النجاح» قد يُختصر في المنصب لدى بعضهم، ويُقاس بالرضا والمعنى العميق لدى غيرهم.
نحن نحب، ونثق، ونعتذر، ونغضب، ونغادر... بكلمات، لكن الكلمات لا تحمل في قلوب الجميع المعنى ذاته.
«أحبك» ليست كلمة واحدة، بل احتمالٌ لعشرات المعاني، و«أنا مشغول» قد تكون اعتذاراً مهذباً، أو انسحاباً صامتاً، حتى «تمام» الصغيرة، قد تُخفي رضا، أو تعباً، أو لا مبالاة.
نتحدث كثيراً... لكننا لا نُعرّف. نظن أن الآخر سيفهمنا كما نحن، لا كما هو. ولهذا تنهار علاقات، وتُغلق أبواب، وتُترك رسائل دون رد... ليس لأننا لا نملك اللغة، بل لأننا لم نستخدمها بصدق التعريف.
إليك مثالاً آخر: «أنا أعتذر» أو «أنا آسف» عند بعضهم هي قمة النضج والاعتراف، وعند آخرين مجرد عبارة تُقال للهروب من مواجهة، بلا نية للإصلاح.
المشكلة ليست في اللغة، بل في غموض تفسيرها.
نحن نخوض علاقات مثقلة بسوء الفهم لأننا لم نطرح السؤال البسيط والمفصلي: «ماذا تعني هذه الكلمة بالنسبة لك؟» سؤال يكشف المعنى، والقيم التي يتكئ عليها الآخر، ومخاوفه، وحدوده.
لسنا مضطرين لتوحيد المعاني، لكننا مطالبون بتوضيحها. أن نقول: «حين أقول هذا، فأنا أقصد كذا». بهذا، نقلل مساحة سوء الفهم، ونمنح الفهم الحقيقي فرصة للظهور... الفهم الذي لا يفرض الاتفاق، لكنه يصنع الاحترام، ويقلل الخذلان.

[email protected]

18 مارس 2025
ذرة النفس البشرية.. حيث يبدأ كل شيء

عجباً! كيف يغفل الإنسان عن قانون الحياة البسيط والعادل: “فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ”؟ كيف يظن أنه يستطيع أن يزرع الشر ويحصد الخير، أو ينشر الحسد وينال الطمأنينة؟ الكون كله قائم على التوازن، حيث تُقاس الأفعال بموازين دقيقة، فلا يضيع جهد مخلص، ولا يغيب عن الحساب فعل مشين، ولو كان بحجم الذرة.
بيئة العمل تشبه الحقل الزراعي، حيث تتحدد جودة الحصاد بناءً على ما يُزرع في التربة. الموظف الذي يحرص على أداء واجبه بإخلاص، حتى لو كان في مهمة بسيطة، يسهم في بناء مؤسسة قوية، كما أن القائد الذي يسقي موظفيه بالتقدير والاحترام يحصد بيئة مهنية زاخرة بالإنتاجية والإبداع. على النقيض، فإن التخاذل، وانعدام النزاهة، ونشر ثقافة الصراعات، كلها بذور تؤدي إلى بيئة سامة، تقتل الحماس وتعرقل التقدم. كل كلمة طيبة، كل مساعدة بسيطة، كل مبادرة إيجابية، ولو بمثقال ذرة، تعود على الفرد والمكان الذي يعمل فيه بنتائج عظيمة، حتى وإن لم يدرك ذلك في البداية.
لكن هناك آفة خفية تتسلل إلى هذه التربة، فتُفسد ما يُزرع فيها، وهي آفة الغيرة والحسد. حين يرى شخص نجاح زميله، أو تقدُّم شخص آخر في بيئة العمل، قد يدفعه الحسد إلى معاداته بدلاً من دعمه. هذه المشاعر السلبية لا تؤذي المستهدف فحسب، بل تعود على الحاسد نفسه، حيث تُثقل روحه وتستهلك طاقته في مراقبة الآخرين بدلاً من تطوير ذاته. وكما أن الفلاح الذي يلوث تربته بالسموم لن يحصد شيئاً سوى الخراب، فإن الحاسد، مهما حاول، لن يجني سوى المرارة والتراجع. في المقابل، من يفرح لنجاح غيره، ويدعم زملاءه، يخلق بيئة عمل صحية ومثمرة، يكون فيها النجاح مشتركاً، تماماً كما تنمو الأشجار جنباً إلى جنب في الحقل، دون أن تمنع إحداها الأخرى من امتصاص نور الشمس.
لكن تأثير بيئة العمل لا يتوقف عند حدودها، بل يمتد إلى المجتمع الأوسع، كما تمتد جذور الأشجار في التربة، فالموظف الذي يستشعر الامتنان لوظيفته ويحترم أقرانه ويسهم في بناء بيئة عمل إيجابية، سينقل هذه القيم إلى أسرته وأصدقائه، وإيجابيته ستؤثر في محيطه. أما الموظف الحاسد، الذي يكره نجاحات زملائه ويشغل وقته بالتذمر بدلاً من تطوير ذاته والتركيز على عمله بإخلاص، فتراه في حالة من الفوضى، منشغلاً بالمقارنات التي لا تزيده إلا إحباطاً. وفي نهاية المطاف، ينعكس هذا السلوك عليه، فيجد نفسه محاطاً بالمشكلات التي هو سببها الأول. وهنا تستحضرني الآية الكريمة: «وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ»، إذ إن الإنسان هو صانع واقعه، وهو من يرسم طريق نجاحه أو عثراته بما يغرسه في قلبه من مشاعر وما يبذله من أفعال.
فما يحدث في كل مجتمع ليس إلا انعكاساً لقانون المدخلات والمخرجات. وكلما غرسنا في نفوسنا ونفوس من حولنا قيم الاجتهاد والالتزام، والنزاهة والإخلاص والتعاون، فإننا نرسم ملامح مستقبل أفضل. وحين نتهاون، أو نسمح للسلبيات بالتسلل، فإننا نُغرق أنفسنا في حلقة من التراجع والتآكل.
الآيات الكريمة تذكرنا أن كل جهد نبذله، وكل مشاعر نحملها، سواء كانت خيراً أو شراً، ستعود إلينا بشكل أو بآخر. الموظف الذي يساعد زميلاً، القائد الذي يوجّه فريقه بعدل، الفرد الذي يزرع الخير في محيطه، كلهم يصنع الفرق، حتى وإن لم يلحظوا أثره المباشر. لكن في المقابل، من ينشغل بالحسد، ويعمل على إعاقة غيره، ويأبى أن يساعد كي لا تضاف نقاط أداء إضافية لزميل عمله، فإنه كمن يحفر حفرة لنفسه، لأن الحياة تردّ لكل شخص عمله، ولو بمثقال ذرة.
في نهاية المطاف، كل واحد منا فلاح في أرض الحياة، وما نزرعه اليوم هو ما سنحصده غداً. فليكن ما نزرعه خيراً، ولو بمثقال ذرة، لأن القانون الإلهي لا يخطئ، وما يُغرس بالخير يعود أضعافاً مضاعفة، وما يُزرع بالسوء يرتد على صاحبه في حينه. «فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ».

[email protected]

20 أغسطس 2024
«الله بالأمانة»

أسماء الجناحي

بينما كنت أستمع إلى أغاني الفنان سلمان زيمان على قناة اليوتيوب، اقترح علي الموقع أغنية (الله بالأمانة) التي غنّاها الفنان البحريني ذاته وأعاد غناءها لاحقاً الفنان عبدالمجيد عبدالله. وقد لفت انتباهي عمق كلمات الأغنية ومدى تأثيرها في وجداننا، فهي- بخلاف معظم أغاني اليوم- تحمل رسائل أخلاقية وإنسانية وحكماً تتناول واقعنا الاجتماعي. 
جعلتني هذه الأغنية أفكر في حقيقة العلاقات الإنسانية في وقتنا الحالي. يصدمني ما يتم تداوله على وسائل التواصل الاجتماعي من أفكار تبسط لنا التخلي عن الأشخاص- بمن فيهم الأصدقاء والمقربون- لمجرد الاختلاف بالرأي، وكأن العلاقات الإنسانية مرهونة بكبسة زر «حظر»، ويبدو أن معظمنا تأثر بهذه الظاهرة وبتنا نميل إلى التسرع في إطلاق الأحكام على الآخرين وقطع علاقاتنا دون التفكير في العواقب، ودون أن ندرك أن هذا التسرع قد يحرمنا من أجمل ما في الحياة ألا وهي الروابط الإنسانية الدافئة التي تبث فينا الأمل والقوة. لم تعد معالم العلاقات الإنسانية واضحة للجميع، ولم نعد ندرك قيمتنا في حياة الآخرين وقيمة أحبائنا في حياتنا. لا شك أن علاقاتنا قد تواجه منعطفات ومواقف صعبة تكون بمنزلة امتحانات لمتانتها وقدرتها على الاستمرار. فما الذي يحافظ على استمرارية علاقاتنا؟ 
إن معاني الامتنان وحسن الظن والوفاء تدفعنا للصبر والتحمل وتزرع فينا الإيمان بأن هذه العلاقات تستحق منا الجهد والتضحية، وأن نعمل على صون علاقاتنا بأحبائنا، حيث الشريك الذي لا يتخلى عنك مهما كانت الظروف، والصديق الذي يفهمك عندما لا تفهم نفسك، والقريب الذي يدعمك ويعينك على الصعاب. 
الوفاء هو القرار الذي نتخذه يومياً بأن نكون مخلصين لأحبائنا وأن نحافظ على متانة روابطنا مهما كلف الأمر، وهو الوعد الذي نمنحه لأنفسنا وللآخرين بأن نكون دائماً سنداً وعوناً حتى في أصعب الظروف. والأمانة في أن يستمر هذا الوفاء بيننا وبين أحبائنا هي ما يجب أن نحمله على عاتقنا. 
إن نمط الحياة الذي نعيشه اليوم يسهم في فتور علاقاتنا الإنسانية ويبعدنا عن الأصدقاء والأقارب، كما أن وسائل التواصل الاجتماعي تبسط لنا فكرة التخلي عن الآخرين أو قطع علاقات معينة بحجة أنها قد تكون مؤذية وتشجعنا على إيجاد البديل.
والحقيقة أن لكل منا روحاً فريدة وشخصية مميزة لن تجد لها بديلاً. هل يمكن أن تنهي علاقة بشخص ما لمجرد أنك لا تطيق العتب أو الدخول في نقاشات، على الرغم من أنها قد تبدد غمامة سوء الفهم وتزيل الاحتقان. ألا تستحق سنوات العشرة واللحظات الجميلة والعقبات التي تخطيتموها معاً أن تتخلى عن غرورك وتبذل جهداً في صون علاقتك بأحبائك؟ 
الوفاء جزء أصيل من إنسانيتنا وهو الحجر الأساس الذي تُبنى عليه أصدق العلاقات وأعمقها، فلنحافظ على علاقاتنا بحب وصبر ولنبذل ما بوسعنا لاستمرارية هذه العلاقات، فهي الجسر الذي يعبر بنا من ضفة الحياة المملوءة بالتحديات إلى ضفة السلام والمحبة، سيبقى هنالك دائماً الامتنان والأمانة في حفظ نسيج علاقاتنا، فلنحافظ عليها، والله الله بالأمانة.

23 يوليو 2024
بيئة العمل: منصة ابتكار أم حلبة صراع؟

تعدّ بيئة وثقافة العمل من أهم ركائز النجاح في أي مؤسسة، فالبيئة المثالية تدفعنا لتغليب المصلحة العامة على المصالح الفردية، وهذا لا يتحقق إلا حين نضع نصب أعيننا الهدف الأسمى للمؤسسة إلى جانب رؤيتنا لتطوير مسيرتنا المهنية.

قد يبدو الأمر بديهياً حين نتكلم عن أهمية بيئة العمل الإيجابية، حيث يعمل الموظفون بروح الفريق الواحد في جوٍّ يحقق التوازن بين الحياة الشخصية والمهنية ويلبي تطلعات الموظفين إلى النمو والإنجاز والتقدير، إلا أننا لا نزال نرى نماذج سلبية عن موظفين فقدوا بوصلة المصلحة المشتركة للعمل ووقعوا في وهم الأنا. يجب علينا أن ندرك الفرق بين التنافس والعدوانية، وبين تقديم الدعم للزملاء وتصيد أخطائهم، فبيئة العمل السليمة تبنى على التعاون والمهنية والابتعاد عن تسجيل المواقف الشخصية، كإطلاق الأحكام أو الوقوف على صغائر الأمور لمجرد إثبات المشاركة أو فرض وجهة نظر معينة، وهو ما يهدر الوقت ويتعارض مع الثقافة التنظيمية الناجحة.

شخصياً لا أفهم المنطق الذي يدفع بعض الموظفين للتعامل ضمن بيئة العمل على هذا النحو والتركيز على ذواتهم. هل هو حب السلطة والقوة والتعصب لرأي ما مهما كانت عواقبه؟ أم هو الخوف من فقد المنصب لحساب من يثبت كفاءة أعلى؟ برأيي بيئة عمل كهذه ينعدم فيها الأمان الوظيفي وتأتي بنتائج عكسية، إذ إن الإضرار بمصلحة العمل المشتركة سيؤثر سلباً في جودة حياة الموظفين ويؤخر تطورهم الذاتي فضلاً عن تدهور الأداء المؤسسي. ومن المؤسف أن نرى البعض يجعل من بيئة العمل ساحة للصراعات وكسب النقاط على حساب الآخرين، في حين يمكننا جميعاً العمل ضمن بيئة صحية وتنافسية والوصول إلى أهدافنا المختلفة وتحقيق ذواتنا دون إلحاق الضرر بالآخرين أو التقصير تجاه مؤسساتنا. يجب أن نعمل على أن تتكامل أدوارنا كفريق واحد وتصب في غاية واحدة وهي المصلحة العامة.

ومع ذلك لا بد أن نكون واقعيين، فمن البديهي أن تختلف ثقافة العمل بين مؤسسة وأخرى، وأن تضم بيئة العمل الواحدة موظفين من خلفيات وتجارب متنوعة، الأمر الذي يدفعني للتفكير بضرورة العمل على تطوير ثقافة العمل في مختلف بيئات العمل، بحيث يعمل كل منا على تطوير ذكائه العاطفي وتعلم مهارات التواصل مع مختلف الشخصيات وفي مختلف المواقف. ولا يتحقق هذا الأمر إلا إذا أيقن الموظف أن هدفه الأسمى هو خدمة المصلحة العامة وخدمة الوطن وليس الدخول في منافسات شخصية تفضي إلى اتخاذ قرارات غير صائبة. وهنا أشير إلى أهمية أن تعمل المؤسسات على تنظيم ورش عمل تدريبية مختصة في التوعية بالقيم والمبادئ، فلكل منا قيم ومبادئ تعمل كبوصلة توجهنا في الحياة، إلا أن العديد منا قد لا يلقي لها بالاً. وهنا أنصح إخوتي وأخواتي في فريق العمل بالتركيز دائماً على الهدف الأسمى للعمل، وأن يلتزموا ببوصلة الأداء السليم للوصول إلى أفضل النتائج.

إن انتماءنا لفريق عمل واحد يحتم علينا أن نكون أكثر حكمة وتقبلاً للآخر. وعلى الرغم من تنوع خلفياتنا الثقافية وتبنينا لقيم وأساليب عمل مختلفة، فإن العمل بروح الفريق يظهر إمكاناتنا الحقيقية ويساعدنا على الوصول إلى النجاح والتميز. وانطلاقاً من هذا الفهم علينا أن نتحمل مسؤولية المساهمة في نشر الوعي بأهمية ثقافة العمل ودورها في ريادة مؤسستنا والحفاظ على مركزها المتقدم على مستوى العالم.

14 مايو 2024
حب الوظيفة وجودة الحياة

أسماء يوسف الجناحي
لابد أن نعترف بأن حياتنا بصفتنا بشراً مرتبطة بالعمل، أياً كان نوعه، ومع تطور الحياة، تطورت أنظمة العمل، وسياساتها، وجودتها المرتبطة بالسيرة الذاتية في حين وفي التدرج الوظيفي في حين آخر.

لكن ماذا عن حبنا للوظيفة، وعلاقتنا بها باعتبارها مصدر رزق وباعتبارها أداة أو وسيلة، لتحسين ارتباطنا بالحياة. فحب الوظيفة يعد أمراً مهماً في حياتنا، لأنه يمثل العامل الذي يؤثر في جودة حياتنا الشخصية والمهنية. فإذا كنا نستمتع بعملنا ونحب ما نقوم به يومياً، فسوف نكون أكثر سعادة ورضاً عن أنفسنا، وسوف نكون قادرين على تحقيق النجاح والتطور. ناهيك عن الشغف الذي يحفزنا لأن نبتكر في حياتنا وأسلوب تحسينها عن طريق الوظيفة.

إن مفهوم جودة الحياة، ارتبط كثيراً بالحياة الاقتصادية للفرد، وما يترتب عليها من تبعات وتطورات. فبحسب منظمة الصحة العالمية، والبنك الدولي، تعد جودة الحياة هي «تصور الفرد لوضعه في الحياة في سياق الثقافة وأنظمة القيم التي يعيشون فيها، ويعنى بالصحة البدنية للشخص، والحالة النفسية، ومستوى الاستقلال والعلاقات الاجتماعية، والمعتقدات الشخصية والعلاقة مع العوامل البيئية التي تؤثر فيه».

والوظيفة إحدى ركائز تصور الفرد لوضعه في الحياة، فحب الوظيفة، وتعزيز الشغف بها يسهم في جودة صحتنا. الأمر الذي يؤدي إلى تعزيز جودة الحياة والإقبال عليها؛ إذ سنكون قادرين على التعامل بفاعلية مع التحديات والضغوط التي قد تواجهنا في حياتنا. فالعمل يمنحك الفرصة والخبرة؛ إذ يعزز كفاءتك في مواجهة الأمور عبر المجتمع الوظيفي ومن ثم نقل هذه الخبرة إلى التعامل مع المجتمع والحياة، ما يجعلنا أكثر توازناً بين حياتنا الوظيفية وحياتنا الشخصية.

كما أن هذا الحب يسهم بشكل كبير في حياتنا ويؤثر في مسارها أكان ذلك على المستوى الشخصي أو ما حولنا من علاقات. فالرضا وحب الوظيفة ينتج عنه السعادة والإيجابية في نظرتنا للحياة. فعندما تذهب إلى عملك، أنت تذهب لتحقيق ذاتك بالدرجة الأولى، وذاتك تعني السلوك الشخصي الذي يؤدي إلى التزامنا بأخلاقيات العمل وحسن الأداء، ما يسهم في رفع الإنتاجية المتقاسمة بيننا باعتبارنا أشخاص وبين العمل.

إن الانفتاح بروح إيجابية على وظيفتنا يجعلنا أن نستمتع بما نقوم به من أنشطة اجتماعية وهذا هو ما يحقق لنا التوازن الطبيعي كبشر. فالروح الإيجابية ستسهم في نقل خبراتنا إلى الآخرين، وبأن نكون مؤثرين في محيطنا وملهمين.

ندرك جميعاً كمية الصعوبات المحيطة بنا، لكنها تحديات وجدت أمامنا لنقترح الحلول حولها ونتخطاها، ولذلك، وجدت التحديات وهنا سيكمن إنجازنا الحقيقي الذي سيكون جسراً لحب الوظيفة أكثر فأكثر. ومن هذا الحب سيكون طريقنا إلى جودة الحياة.