عدد من الكتاب والنقاد الذين تحدثوا إلى الخليج، أشاروا إلى أهمية النهل من التراث من أجل صناعة أدب وإبداع عربي يتسم بالأصالة وبالخصوصية، ولفتوا إلى أن الرواية الصوفية، كشأن السرد التاريخي هو من ضمن الإبداع الذي يبحث عن أفق للأدب العربي ويرسخ من مكانته، فالتجارب الروحية فعل إنساني يتصف بالنبل والمحبة، ما يجعله فضاء رحباً عامراً بالخير والجمال تلتقي فيه الإنسانية، كما أن الإبداع الصوفي شديد الارتباط بواقع اليوم، حيث تسود قيم الاستهلاك، ما يجعله ملاذاً للكتاب والقراء.
الروائي علي أبو الريش، أوضح أن الإنسان يحمل محبة خاصة للأجواء والعوالم الروحانية، فالتصوف ضمن تلك التجارب الإنسانية القديمة التي كان لها إسهام كبير في تهذيب الأرواح، وجعلها متهيئة للمحبة والخير، ضد الشرور والحروب، لذلك، تسربت تلك الأجواء إلى الإبداع ووجدت صدى وقبولاً كبيراً من القراء في مختلف أنحاء العالم، وهناك العديد من الكتاب العالميين الذين استطاعوا أن يقدموا سرداً متماسّاً مع العوالم الروحية والصوفية.
وأشار أبو الريش إلى أن هناك خصوصية لتلك العوالم الروحية في العالم العربي، أنتجت العديد من التجارب الكبيرة والفتوحات الإبداعية في مجال الشعر والنثر، ولذلك الأمر عوامل مساعدة هيأت المشهد العربي لتقبّل الأفكار والتجارب الروحية، وأهمها تلك الصحراء الممتدة في مساحات شاسعة، والتي تجعل قاطنها يميل إلى التصوف والانعزال الروحي، والبحث عن الذات، والأنا، وأسرار الحياة والوجود، كما أن وحشة الصحراء تجعلها كذلك تحفل بالغرائبيات، ما يسهم في أن تكون فضاء سردياً يحفل بتجارب روحية، وأطروحات مختلفة ومتنوعة.
بذرةلفت أبو الريش إلى أن الأسئلة التي طرحها الإبداع الروحي المتمثل في الشعر الصوفي، وكذلك التجارب الشعرية الروحية العربية الموغلة في القدم، والتي سبقت موجة شعر التصوف الكبيرة التي كانت نتاجاً للتطور الروحاني والفلسفي داخل العالم الإسلامي، بخاصة في العصر العباسي، تسللت تلك الأسئلة إلى السرد الروائي الحديث، بخاصة تلك المقولات التي حملتها أشعار ونثر أساطين التصوف العربي، حيث كانت بمثابة لبنة، أو بذرة لسرد قادم.
الكثير من المبدعين والكتاب العرب، وفق أبو الريش، قضوا زمناً طويلاً في مجاراة ومحاكاة أدب الغير، بخاصة الغرب، حيث استلهموا تجارب الغربيين، وأساليبهم، وتقنياتهم، بل والأعجب من ذلك أنهم قد نقلوا مشكلاتهم وواقعهم، وراحوا يكتبون عنها كأنها مشكلات وقضايا عربية، ما جعل الإبداع العربي مغترباً عن جوهره وذاته، حيث لم يكن هناك، إلا فيما ندر، قراءات حقيقية، وتناول مبدع للواقع العربي، لذلك، لابد من واقع أدبي جديد ومغاير، ولعل مثل هذا الاتجاه في الرواية التاريخية والصوفية يصنع ذلك الواقع المنشود.
وأعرب أبو الريش عن أمله وأمانيه في أن تتمدد الكتابة الصوفية والروحية، وتتسع رقعتها بحيث يقبل عليها الكثير من الكتاب، فهي ضرب إبداعي مهم، بخاصة في هذا الزمن الذي أصبح فيه الإنسان نفسه سلعة، حيث سادت الماديات بشكل كبير، لذلك لابد من هذا التماس الإبداعي مع التجارب الروحية الخالصة.
هوية
الكاتبة عائشة عبد الله، ذكرت أن الرواية الصوفية ليست لها هوية محدّدة، فهي تبحث عن الخلاص والارتقاء إلى عالم مملوء بالصفاء والنقاء، بعيداً عن مادّيات الحياة، فهي تنهل من فضاء روحي خالص، لذلك أثرت في الكثير من الإبداعات الروحانية، سواء في الشعر، أو الرواية، والسرد عموماً، وحتى بقية الفنون.
وأوضحت عائشة أن الإبداع الصوفي في الرواية لم يتسلل من بوابة الشعر الروحاني، بل من حياة المتصوفة أنفسهم، فهي تعيش معهم، وفي داخل عوالمهم الروحية، فتلك الحياة مملوءة بالتفاصيل الجمالية، والمواقف التي تتسم بالروعة والعبق الخاص، لذلك، فإن الرواية هي كالشعر نهلت من نفس المعين، فكل منهما لون إبداعي تناول ذلك الواقع الروحي كلّ بأدواته، لذلك فإن كل من الشعر والرواية الصوفية يكمل بعضهما الآخر.
وقالت عائشة عبد الله إن الرواية الصوفية تحمل بين سطورها عبق التراث الذي كاد يطمر، ويهجر من قبلنا، فظهور هذا النوع من السرد يولد السعادة في قلوب العرب، فهو يعني الاهتمام بالتراث، التليد والخالد، كما أنه يعيد الأمجاد للغة العربية، وتعبيراتها المختلفة، ويعكس ثراءها وتنوعها، فهذا النوع من السرد لا يمكن أن يكتب إلا بلغة السارد العليم ببواطن اللغة، وأسرارها، وخباياها التي تحتاج إلى البحث والتنقيب، لذلك، فإن هذا النوع من الإبداع يعبّر بالفعل عن أدب عربي خالص وأصيل، وهناك حاجة موضوعية لكتابة وقراءة الرواية الصوفية في عالم اليوم الذي يمور بالصراعات ويتسم بالسرعة، حيث يحتاج الإنسان إلى مساحة ما، يستطيع من خلالها التعبير والبوح عما يختلج في صدره بعيداً عن صخب الحياة، حيث يعمل على أن يزيل عن عاتقه ثقل هذا العالم الاستهلاكي المادي.
الكاتب محسن سليمان، أشار إلى أن التصوف يعد تراثاً عربياً وإسلامياً، وضارباً في الأصالة، وقد استخدم بكثافة في الشعر العربي عبر مختلف العصور، وكذلك في الكتابات ذات الطابع النثري، أو من خلال المقولات المكثفة في شكل حكمة من قبل الكثير من المتصوفة، وعبرت عن حالة أدبية مكتملة في التراث العربي.
ويشدد سليمان على أن حضور التصوف والتجارب الروحية في السرد يعتبر حديثاً نسبياً، وهو يرتبط بشكل وثيق، بفكر المؤلف وسعة قراءته في هذا المجال، وفي الآونة الأخيرة، بدأ هذا التوجه يزداد بشكل لافت في الرواية العربية، مستنداً إلى شخصيات صوفية تاريخية، والانطلاق منها نحو بناء عوالم سردية تستعرض الطقوس الصوفية وتفاصيلها.
سليمان أكد أن ذلك الاتجاه الصوفي تسلل بالفعل إلى الرواية، والسرد بشكل عام، من تلك الإبداعات العربية الخالصة القديمة مثل الشعر والمقولات والنثر، ومن أهم أسباب ذلك التسلل هو جاذبية «الثيمة» الصوفية، وقدرتها على خلق إشكاليات لدى المتلقي، نظراً لطبيعتها التي تولد دلالات وجدانية معيّنة يمكن إسقاطها على تعقيدات الحياة المعاصرة.
وإذا كان الاتجاه الروحاني في الأدب قد ارتبط قديماً بالقصيدة بشكل كبير، يواصل سليمان، فإن ما يحدث اليوم تغيير «الوعاء» الإبداعي من الشعر إلى الرواية، وهو امتداد ثقافي وفكري في الشكل والمضمون، يواكب تطور المدارس الإبداعية، فبينما كان الشعر هو المهيمن سابقاً، أصبحت الرواية اليوم هي الأكثر انتشاراً، ما أفرز أجيالاً متعاقبة تبحث عن «المختلف»، وهذا ما يفسر تسابق القراء على هذا النوع من السرديات، وظهور روايات تتضح توجهاتها الصوفية من عناوينها. لذا، فإن هذا الامتداد هو تطور زمني طبيعي بين فن الشعر، وفن الرواية، ومحاولة أدبية جادة لاستعادة «الروح» في زمن طغت عليه التكنولوجيا، كما أنه يبحث عن أصالة إبداعية عربية.
وشدد سليمان على أن المؤلفات والكتب الصوفية القديمة التي حملت تلك الإبداعات من قصائد ونثريات ومقولات، قد كانت تناسب ذلك الزمن الذي مضى، أما اليوم، وبعد مئات السنين، فقد اختلفت الأوضاع، وما يكتبه الجيل الجديد من سرديات صوفية يأتي بلغة العصر ومدارسه الحديثة، ما جعلها أكثر سلاسة وقبولاً. وحين نقرأ «كتاب التجليات» لجمال الغيطاني، نجد استحضاراً لافتاً للغة الصوفية، وكذلك فعل يوسف زيدان في رواية «عزازيل» حين استنطق أحداث تلك الفترة بوقائعها الحقيقية، ما يجعل القارئ يعيش تلك الحقبة بمكوناتها المادية والمعنوية، وبذلك تكون الرواية قد أعادت الروح فعلياً لكتب التراث الصوفي، وجعلتها حية في الوجدان الحياة المعاصرة، كما أنها عبرت عن مقترح جمالي جديد يعبر عن اتجاه عربي خالص في الإبداع.
كائن متطور
«الرواية كائن متطور متحول متبدل بتغيير الحياة والذات المبدعة، وهي الفن الوحيد الذي يمكن أن يستوعب أي نوع أدبي آخر، أو إحياءه مرة أخرى، ومن ضمن ذلك فكر التصوف في الكتابة الإبداعية»، بتلك الكلمات تناولت الناقدة د. مريم الهاشمي رواج الرواية الصوفية في واقع اليوم، وترى أن الكتابة الأدبية هي انعكاس للذات والمجتمع، وقد تأتي في صورة بحث أو طرح تساؤلات وجودية جوهرية، ومن ذلك التصوف الذي هو مجال روحي وفكري واسع ومحتشد بالأسئلة والمواضيع الفلسفية.
وترى مريم الهاشمي أن مدارك الكاتب الروائي كلما توسعت في مجالات الشعر والتاريخ، كلما تنوعت كتاباته السردية، وأن الرواية الصوفية تعتمد بشكل كبير على الخلوة والاعتزال، وهي نتاج مباشر للحداثة، وما بعدها، وهي تتفاعل مع الشعر الحداثي المنسلخ من القيود والقوالب نحو الرمزية لإيجاد مخرج من المأزق الحداثي، وذلك ما حدث في هذا التناص مع التراث الصوفي من قبل كتاب الرواية.
بعض الروايات تعتمد على أقوال المتصوفة، أو تتكئ بشكل كامل على شخصية من الصوفيين، مثل الغزالي والتبريزي وابن عربي، وغيرهم، في سياق البحث عن معنى للوجود، وتتابع مريم الهاشمي، كما أن هناك الكثير من الحيثيات التي تجعل الروائيين يعودون إلى الأدب الصوفي لما يمتلك من سحر خاص، ويظهر ذلك الأمر بشكل أكثر خصوصية في العصر الراهن حيث الحياة المادية والحنين نحو الماضي. إن التراث كنز معرفي كبير يحتاج إلى استجلاء أغواره، وخير من يفعل ذلك الشعراء وكتاب الرواية، فالروائي يستطيع أن يدلي بما يريد قوله خلف الشخصيات والمقولات الصوفية القديمة، وهذا طريق من شأنه أن يصنع بالفعل أدباً بطابع عربي خاص.