رضا السميحيين

عرف السرد الروائي العربي، منذ نشأته الحديثة في أواخر القرن التاسع عشر، حالة من التعدد والتجريب المستمر، لكن ما يميز المرحلة الراهنة اليوم، هو ما نشهده من اتساع لافت في الاتجاهات السردية، واتكاؤها المتزايد على تراث أدبي وفكري عميق، فلم تعد الرواية العربية أسيرة نمط واحد أو مدرسة بعينها، بل أصبحت مساحة أدبية منفتحة ومتنوعة، سواء في الواقعية الإنسانية، أوالسرد التاريخي، وحتى الرواية الفلسفية، وسرديات الذاكرة، والاتجاهات التي تشتبك فيها الجمالية مع الروحانيات والتجربة الداخلية.
أهمية هذا التنوع تكمن في إثراء المشهد الأدبي شكلاً ومضموناً، في حالة يمكن اعتبارها استجابة لتحولات المجتمع العربي، وكما هو معلوم فإن الرواية اليوم لم تعد تكتفي بوصف الواقع الخارجي أو تسجيل تفاصيل الحياة اليومية، وباتت معنية بفهم ما يجري في العمق داخل الفرد، وفي طبقات الوعي الجمعي، وفي العلاقة المعقدة بين الماضي والحاضر، لذلك يمكن فهم عودة كثير من الروائيين إلى التراث الأدبي والفكري العربي باعتباره أفقاً للتفكير والتأويل.
والتراث العربي في هذا السياق، ليس فقط الشعر والنثر بشكله الكلاسيكي، هو أيضاً فلسفة وحكايات، وسير ونصوص فكرية، وتجارب لغوية شديدة الثراء، وحين تستثمر الرواية المعاصرة هذا المخزون، فهي تستحضره بروح جديدة وتعيد تفكيكه وإعادة تركيبه داخل بنية سردية حديثة، وهذا ما نراه في الروايات التي تستلهم السرد التاريخي، أو التي تحاكي نصوصاً تراثية، أو التي تستفيد من أشكال الحكاية العربية التقليدية، مثل المقامة أو السيرة، ولكن بروح معاصرة ورؤية جديدة.
ضمن هذا الإطار، يبرز «اتجاه سردي صوفي» يهتم بالتجربة الداخلية والبحث الوجودي، ويمنح اللغة السردية دوراً تأملياً، من دون أن ينفصل عن الواقع، هذا الاتجاه الذي قد يلامس أبعاداً روحية وفكرية عميقة، لا يمكن في الحقيقة اختزاله في تصنيف ضيق، لأنه في جوهره جزء من تنوع أوسع في أشكال الكتابة الروائية، وهو اتجاه يراهن على العمق، وعلى الأسئلة الروحانية، ويعيد الاعتبار للبعد الإنساني في السرد، في ما يمكن اعتباره مجازياً في مواجهة مع النصوص السردية الخفيفة والمستهلكة.
إن هذا الانفتاح على اتجاهات سردية متعددة، هو ما يحمي الرواية العربية من الوقوع في التكرار أو الاستنساخ، ولا يوجد ضير من خوض غمار التجريب والانفتاح، فالخطر الحقيقي لا يكمن في التجريب، ولكن الخطر الحقيقي هو الكتابة وفق تقاليد سردية ثابتة، لا تخلو أحياناً من واقعية مبتذلة، أو روحانية سطحية، لذلك يتطلب التنوع الجاد معرفة حقيقية بالتراث العربي الغني، كما يتطلب وعياً بالسياق الثقافي والاجتماعي.
المشهد الروائي العربي اليوم غني، لكنه يمكن اعتباره غير متكافئ، من جهة هناك نصوص تذهب بعيداً في المغامرة الفنية والفكرية، ومن جهة أخرى نصوص تكتفي فقط بما يتطلبه السوق، ومن الصحي للحركة السردية العربية عدم وجود اتجاه سردي يهيمن على المشهد، مع توفير بيئة نقدية قادرة على قراءة هذا التنوع وفرزه، بعيداً عن الأحكام السريعة أو التصنيفات الشائكة التي لا تخدم السردية العربية.
يمكننا القول إن قوة الرواية العربية تكمن في قدرتها على التفاعل مع التراث العريق، بشرط أن لا تكون أسيرة له، وأيضاً على الانفتاح على أشكال سردية متعددة، دون أن تفقد خصوصيتها العربية بعيداً عن التقليد والمحاكاة الأسلوبية، وإذا ما تحقق هذا التوازن الدقيق بين الجذور والتجديد، سنجد وبلا شك أن السرد العربي قادر على أن يكون جزءاً فاعلاً من الحوار الأدبي العالمي.

[email protected]