في ربيع عام 1564، قرر الملك الفرنسي شارل التاسع أن يبدأ العام في الأول من يناير بدلاً من الأول من إبريل، هذا القرار ترك أثراً اجتماعياً لم يتوقعه أحد، حين قرر بعض الناس التمسك بالعادات القديمة واحتفلوا بالسنة الجديدة في إبريل كما اعتادوا، بينما تبنى آخرون النظام الجديد، ومع الوقت أصبح الذين يتمسكون بالماضي مادة للسخرية، وينعتون ب«حمقى إبريل»، ومن هناك، ولد التقليد الذي نعرفه اليوم باسم «كذبة إبريل».
منذ ذلك اليوم، أصبحت الكذبة جزءاً من طقوس الشهر الرابع، وبقدر بساطة الفكرة، إلا أنها تكشف كثيراً عن طبيعة البشر، ونزعتهم الدائمة إلى السخرية، وحاجتهم إلى الشعور بالتفوق على من يصدق الحيلة، وقد وجد الأدب العالمي والعربي في «الحمقى» مادة غنية للكتابة، فلم يقتصر اهتمامه بهم على التهكم والسخرية، بل حولهم إلى نماذج اجتماعية تفضح عيوب المجتمعات وسخافة بعض العادات، ونجد في الأدب العربي هذه الصورة في كتاب «أخبار الحمقى والمغفلين» لابن الجوزي، وفي شخصية «جحا» الذي يقدم كأحمق في الحكايات، بينما يستخدم في الحقيقة لفضح جهل الناس وسذاجة طرق تفكيرهم، وفي الأدب العالمي أيضاً، يتجلى الأمر في شخصيات مثل دون كيشوت وغيره من النماذج الأدبية، التي تظهر الحماقة كانعكاس لمواقف حياتية أكثر من كونها مجرد غياب للعقل.
وهكذا كان الحمقى وأخبارهم وقصصهم مادة أدبية طريفة ظاهرياً، لكنها في الحقيقة تخفي تحتها طبقات من الصراعات الاجتماعية، وبالعودة إلى «كذبة إبريل» والتي كانت في بدايتها بريئة بالنسبة لفئة معينة، تكاد اليوم تكون أشبه بالمرآة لمجتمعات يغمرها التضليل المتقن، فنحن نعيش في زمن الكذبة السهلة، إذ يكفي عنوان مثير أو مقطع مصور أو مفبرك بلا سياق على وسائل التواصل الاجتماعي، لتتحول الكذبة إلى حقيقة على ألسنة الملايين.
ربما كانت فرنسا في القرن السادس عشر محظوظة، لأن «حمقى إبريل» كانوا معروفين بالأسماء والوجوه، يمكن الإشارة إليهم بسهولة، أما اليوم فلا أحد يعرف من الحمقى بالضبط، من يصدقون الأخبار المفبركة؟ أم الذين يشاركونها؟ أم الذين يلتزمون الصمت ويشاهدون انتشارها؟
فكرة «كذبة إبريل» التي يكررها «الحمقى» ليست طريفة كما تبدو، فهي ظاهرة ثقافية واجتماعية تكشف هشاشة الوعي الجماعي وسطحيته، وعدم القدرة على التمييز بين المزحة والتضليل، والرغبة في الغرق في السذاجة المتكررة على مواجهة الواقع.
لذلك، ربما لا تحتاج «كذبة إبريل» إلى من يبتكرها كل عام، بقدر ما تحتاج إلى جمهور مستعد لأن يصفق لها، وفي هذا الجمهور بالذات تكمن النكتة التي لم تعد مضحكة.
حمقى إبريل
3 أبريل 2026 00:01 صباحًا
|
آخر تحديث:
3 أبريل 00:01 2026
شارك