لعل أخطر تداعيات الاشتباكات بين القوات السورية النظامية وقوات سوريا الديمقراطية الكردية (قسد) في شمال شرق سوريا، هو تخلي الأخيرة عن السجون والمخيمات التي كانت في عهدتها، التي كانت تضم الآلاف من عناصر تنظيم «داعش» وعائلاتهم، وفرارهم إلى مناطق متفرقة في منطقة الجزيرة السورية، ما يضع سوريا ودول الجوار، ومعها دول العالم، أمام خطر حقيقي يعود بالذاكرة إلى سنوات ما قبل عام 2019 قبل أن يتم الإعلان عن هزيمة التنظيم الإرهابي الذي مارس على مدى السنوات السابقة أبشع أشكال الإرهاب من تفجير وتدمير وقتل وسبي وتمثيل بالجثث، وما زالت روافد هذا التنظيم المنشرة في المنطقة وفي القارة الإفريقية تمارس هذا الدور بأبشع الصور، وتشكل تهديداً مباشراً للأمن والسلام العالميين.
وإذا كانت أعداد الهاربين من السجون والمخيمات متفاوتة بين المئات والآلاف، بسبب عدم وضوح الموقف الميداني، وما إذا كانت القوات الحكومية قد أحكمت سيطرتها على مخيم الهول في شرق محافظة الحسكة الذي يضم أكثر من 24 ألف شخص، من بينهم 15 ألف سوري و3500 عراقي و6300 أجنبي من نساء وأطفال من 42 جنسية، إضافة إلى سبعة سجون أخرى، من بينها سجون الشدادي وأقطان وغويران، التي تضم آلافاً من عناصر «داعش» الذين تم اعتقالهم خلال المعارك التي انتهت بدحرهم عام 2009.
تخلي الأكراد عن حماية هذه السجون تعبير عن ابتزاز سياسي للحكومة السورية لحملها على الرضوخ لمطالب القوات الكردية، ووضعها أمام واقع جديد في تحمّل مسؤولية الأمن تجاه هذا التنظيم، ما يفتح الباب أمام عودة الفوضى والإرهاب وإعادة إحياء خلايا التنظيم النائمة.
ولعل الأكراد أرادوا من وراء هذه الخطوة توجيه رسالة استنكار إلى الإدارة الأمريكية التي قررت التخلي عنهم ودعم السلطة السورية بعدما أعلن المبعوث الأمريكي توم برّاك في بيان رسمي «انتهاء الحاجة إلى قوات سوريا الديمقراطية»، أي انتهاء صلاحيتها الأمنية والسياسية التي ظلت معتمدة خلال السنوات الماضية، وهو ما كانوا يعتمدون عليه في أن تكون الولايات المتحدة الرصيد الذي راهنوا عليه في تحقيق أحلامهم ب«حكم ذاتي» على أقل تقدير.
واللافت أن قوات سوريا الديمقراطية أرادت أيضاً ممارسة شكل آخر من الضغوط على دمشق من خلال فتح قنوات اتصال مع إسرائيل، على غرار ما حاول بعض دروز السويداء فعله في اللجوء إلى الإسرائيلي للاستقواء به على السلطة، إذ أعلنت الرئيسة المشاركة لدائرة العلاقات الخارجية في «الإدارة الذاتية الكردية» إلهام أحمد أن «هناك شخصيات معينة من الدولة الإسرائيلية منخرطة في اتصالات معنا وننتظر أي شكل من الدعم»، أضافت «منفتحون على تلقي الدعم.. أياً يكن مصدره»، وأضافت «إن وقف إطلاق النار مع دمشق لم يعد صالحاً».
هذا كلام خطر، ويعني أن قوات سوريا الديمقراطية قررت نقل بندقيتها من الكتف الأمريكية إلى الكتف الإسرائيلية الجاهزة دائماً لتنفيذ مخططات الفتنة والتقسيم في سوريا وغيرها.
من الواضح أن التنظيم العسكري الكردي لم يتعلم من تجارب الآخرين بأن الرهان على الأجنبي أياً يكن هو رهان خائب، وأن عودة الفرع إلى الأصل، والعودة إلى حضن الوطن هما الرهان الصحيح الذي يحقق للأكراد تطلعاتهم، خصوصاً بعدما أعطاهم النظام كل حقوقهم السياسية والمدنية والثقافية والاجتماعية.