بعد مسار طويل من الأخذ والرد داخل فرنسا وفي الدول الأوروبية الأخرى، وبعد القرار الأمريكي الأخير باعتبار تنظيم «جماعة الإخوان» منظمة إرهابية في كل من مصر والأردن ولبنان فقط، اعتمدت الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) قراراً أوروبياً أمس الأول يدعو إلى إدراج «جماعة الإخوان» على القائمة الموحدة للمنظمات الإرهابية في دول الاتحاد، وذلك وفقاً لأحكام الدستور الفرنسي.
القرار اتخذ بعد خمس ساعات من النقاش، وحظي بدعم المعسكر الحكومي ونواب حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف، وجرى إقراره بغالبية 157 صوتاً، مقابل 101 صوت.
النائب الجمهوري إريك بوجيه الذي قدم النص إلى الجمعية الوطنية دعا إلى الاعتراف القانوني من قبل الاتحاد الأوروبي بالطابع السياسي للفكر الانفصالي الذي تتبناه هذه الجماعة وتصنيفه ضمن خانة الإرهاب، باعتبار أن مشروع الجماعة يقوم على «إعلاء الشريعة على قانون الجمهورية»، وإن هذا التصنيف سيسمح بتجميد التمويلات وتجفيف مصادرها، ويسهّل تبادل المعلومات حول مخاطر هذه الجماعة بين الدول الأوروبية.
تم اتخاذ القرار بعد مناقشة مستفيضة في لجنتي الشؤون الأوروبية والشؤون الخارجية في البرلمان، على أن تكون الخطوة التالية هي إحالة القرار إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي لمناقشته والنظر في اعتماده، وفي حال إقراره سيتم تطبيقه في جميع دول الاتحاد الأوروبي.
واستند القرار الذي اعتمد وفقاً للمادة 88-4 من الدستور الفرنسي إلى حزمة واسعة من المرجعيات القانونية والدولية، أبرزها قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1373 لعام 2001 المتعلق بمكافحة الإرهاب، ومعاهدات الاتحاد الأوروبي، والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، باعتبار أن هذه الجماعة تحمل أيديولوجيا متطرفة تتعارض مع المبادئ الديمقراطية والعلمانية، والسعي لتشكيل «مجتمعات موازية».
يذكر أن تقارير أمنية واستخباراتية فرنسية كانت قد حذرت من مخاطر وجود «جماعة الإخوان» على الأراضي الفرنسية والأوروبية باعتبارها إرهابية، ولها امتدادات من خلال تنظيمات بمسميات أخرى، إضافة إلى جمعيات دينية واجتماعية وثقافية وتعليمية ورياضية.
لقد حسمت الجمعية الوطنية الموقف الفرنسي، ونقلته إلى الاتحاد الأوروبي لاتخاذ الموقف الذي يتوافق مع مبادئه الأساسية، واتخاذ الإجراء القانوني باعتبار أن هذه الجماعة تحمل أفكاراً انفصالية سياسية - دينية تقوم على تحدي سيادة القوانين المدنية.
إن هذه الخطوة الفرنسية التي تأتي في سياق مراجعة معظم دول العالم لأنشطة «جماعة الإخوان» بهدف محاصرتها وقطع دابرها هي نتيجة وعي بمدى ما تشكله من خطر، باعتبار أن كل التنظيمات الإرهابية المتطرفة التي ما زالت تمارس نشاطها الدموي في الكثير من دول العالم هي من نتاج الفكر الإخواني الذي أطلقه سيد قطب عام 1928، وجسّده زعيم تنظيم «القاعدة» أسامة بن لادن، ثم زعيم داعش فيما بعد أبو بكر البغدادي، ثم الزرقاوي، ويوسف القرضاوي، وغيرهم.
ثم شكلت سيطرة «جماعة الإخوان» على مصر وتونس النمط الإخواني الأخطر للهيمنة والانقضاض على مؤسسات الدولة، وقدمت أكثر نماذج الحكم سواداً في تاريخ البلدين، إلى أن تمكن الشعب المصري والشعب التونسي من وضع حد لهذا الوباء.
لعل أوروبا باتت أكثر وعياً بمخاطر هذه «الجماعة»، وتعلمت الدروس من غيرها.